If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تتميّز معجزة القرآن الكريم عن غيرها من معجزات الأنبياء بأنّها باقية إلى قيام الساعة؛ إذ إنّ كلّ المعجزات التي أجراها الله على أيدي أنبيائه ورُسُله السابقين انقضت آثارها في حياتهم، ولم تصلنا منها إلّا أخبارها وحكاياتها، أمّا القرآن الكريم فهو معجزة مُتجدّدة لا تنتهي بتعاقُب الأجيال، ولا تتبدّل بتغيُّر الأحوال، بل هي حُجّة بالغة، ودليل صادق، ومعجزة باهرة، وقد بَيَّنَ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- خصوصيّة معجزة الإسلام حينما قال: (ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ ما مِثْلهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعًا يَومَ القِيامَةِ)، وتتجلّى معجزة القرآن في وجوه كثيرة؛ فهو مُعجِز في لَفظه، وبلاغته، ودلالة ألفاظه على المعاني المَقصودة. وفي ما يأتي توضيح ذلك:
يتجلّى إعجاز القرآن الكريم تاريخيّاً في حديثه عن أمور غيبيّة لم يكن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- على عِلم بها حتى أنبأه الله بها عن طريق الوَحي، الأمر الذي يدلّ على صِدق نبوّته ورسالته، وتشمل تلك الغيبيّات الأمور التي حدثت في الماضي منذ خَلْق آدم -عليه السلام- إلى حين بَعث النبيّ الكريم، كقصّة مريم وكفالة زكريا -عليه السلام- لها؛ قال -تعالى- في مُحكَم تنزيله: (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)، وقال في سورة يوسف أيضاً: (ذلِكَ مِن أَنباءِ الغَيبِ نوحيهِ إِلَيكَ وَما كُنتَ لَدَيهِم إِذ أَجمَعوا أَمرَهُم وَهُم يَمكُرونَ)، ومنها أيضاً ما اختبرت به قريش النبيّ -عليه الصلاة والسلام- بعد أن طلبت من اليهود أن يدلّوهم على ما يختبرون به صدق نبوّته، فدلّوهم على قصّة قوم هلكوا في غابر الزمان، وكانوا يقصدون أهل الكهف، فأخبرهم النبيّ بقصّتهم وخَبَرهم بعد أن أنزل الله -تعالى- عليه الآيات الكريمة الواردة في سورة الكهف، كما تتضمّن الغيبيّات أموراً حاضرة حدثت في حياة النبيّ الكريم وأنبأه الله بها، كالحديث عن مكائد اليهود والمُنافقين، بالإضافة إلى أنّها تتضمّن الحديث عن أمور ستحدث في المستقبل، ومن ذلك علامات الساعة.
أمّا الأمور الغيبيّة الحاضرة التي تحقّقت في عهد النبيّ -عليه الصلاة والسلام-، فقد اشتملت آيات كتاب الله على كثير منها، كانتصار الإسلام على الكافرين والمشركين. بينما جاءت الأخبار التي تتحدّث عن غيب المستقبل على ثلاثة أنواع، هي:
من مظاهر إعجاز القرآن بلاغة ألفاظه، وفصاحتها، وعُمق معانيها، وعظيم دلالاتها؛ فقد جاء القرآن الكريم من جنس لغة العرب، فكان الإعجاز في تحدّي الله -تعالى- الناسَ أن يأتوا بسورة من مِثل نَظْمه، وقد شهدت قريش بلاغةَ القرآن وفصاحته، ومنهم الوليد بن المغيرة الذي استمع إلى القرآن، فقال عنه: "والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته"، إلّا أنّه على الرغم من إدراكه لذلك، عاندَ فِطرته، وخالفَ ما يختلج في قلبه ووجدانه، فحمل نفسه على إنكار حقيقة صِدق القرآن، فنَسَبه إلى السحر؛ مُوافَقة لقومه، ونزولاً عند رغبتهم.
أمّا مظاهر الإعجاز اللغويّ والبَيانيّ في القرآن الكريم، فمنها:
جاء القرآن الكريم بأحكام شاملة ومتاسبة لكلّ زمان ومكان؛ إذ جاء مُتوازناً في تلبية حاجات الروح والبَدَن، كما أنّه جاء مُستوعباً مصالح الدُّنيا والآخرة، فحينما أباحت الشريعة الطيِّبات، حرَّمَت في مقابلها تجاوز الحَدّ والإسراف فيها، ويظهر إعجاز القرآن أيضاً في نظرته الشمولية في ما يتعلّق بعناصر الحياة وأدواتها؛ فعلى الرغم من أنّ المال يُعَدّ وسيلة لتحقيق السعادة، وتلبية مُتطلَّبات النَّفْس، إلّا أنّه قد يكون مَظنّة الفِتنة أيضاً، وسبباً للهلاك إذا أنفقه الإنسان في غير مرضاة الله، أمّا إن أنفقَه في طاعة الله، فإنّه يكتسب بذلك الحَسَنات، ويرتقي في الدرجات، وينال سعادة الدُّنيا والآخرة، كما تُؤكّد أحكام القرآن على عدالة التشريع وحِكمته؛ فقد فُرِضت الزكاة في أموال الأغنياء؛ لسَدّ حاجات الفقراء، وحُرِّم الربا؛ مَنْعاً للجشع واستغلال أصحاب الحاجة، بالإضافة إلى أنّ من مظاهر الإعجاز التشريعيّ في القرآن وَسَطيّة أحكامه، ومُراعاتها أحوال البشر؛ فلم تُكلّف الناس ما لا يُطيقون، وإنّما كانت أحكاماً تتَّسِم باليُسر بعيداً عن العُسْر والتعنُّت، مع إباحة الرُّخَص والأعذار لأصحاب الحاجة؛ كالسفر الذي يكون رُخصة للفِطر؛ دَفْعاً للمَشقّة، والمرض الذي يمثّل رُخصة للفِطر؛ دَفعاً للألم والمُعاناة.
يُعرَّف الإعجاز العلميّ بأنّه: الإخبار عن حقائق علميّة لم تكن معروفة في الوقت الذي نزل فيه القرآن على النبيّ محمد -صلّى الله عليه وسلّم-، والتي لم يُكتَشف بعضها إلّا في الوقت الحاضر، وما زال بعضها الآخر في طور الاكتشاف، الأمر الذي يدلّ بوضوح على صِدق نبوّته -عليه الصلاة والسلام-، وتجدر الإشارة إلى أنّ العلم يُعَدّ من الوسائل المهمّة التي تُعمّق الإيمان بالله -تعالى-؛ قال -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، إلّا أنّه يجدر التنويه إلى أنّ تحليل النصوص القرآنية لاستخراج ما فيها من وجوه الإعجاز العلميّة لا بدّ أن يستند إلى ضوابط ومعايير محدَّدة تُعَدّ دليلاً لإرشاد الباحثين فيه؛ نظراً لأهمّيتها في الدعوة الإسلاميّة، وعدم اللجوء إلى المظاهر والتفسيرات الارتجاليّة التي قد لا تصدر عن منهج صحيح، وخاصّة في ظلّ هذا العصر الذي يتّسم بالعلم ومكتشفاته.