If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إشكالية أخرى متعلقة بالدراسات المستقبلية، هي موقعها بين العلوم، وتلك الإشكالية تتباين بخصوصها الكتابات: يرى د. المهدي المنجرة أنها ليست بعلم وإن استعانت منهجياتها ببعض العلوم الدقيقة والاجتماعية، ويتفق معه في ذلك د. أحمد صدقي الدجاني حيث يرى أنها وإن لم تكن علماً بمفهوم العلم التجريبي فإنها تحاول اعتماد مناهج علمية تنأى بها عن التنبؤ. ويرى د. محمود زايد نقلاً عن "أوسيب فليختهايم" أن "علم" المستقبل ليس من العلوم البحتة كالرياضيات، وإنما هو كعلم الاجتماع الذي يقوم على نوع من المعارف الدقيقة عن الإنسان وعالمه.
ضمن الاتجاه الذي يري الدراسات المستقبلية علماً يرى د. ماجد فخري أنها علم استناداً إلى أنها لها موضوع محدد (و هو الكائن الممكن أي الذي لم يوجد بعد ولكنه قابل للوجود في الزمان المستقبل)، ومنهج (التجربة والاختبار: من خلال خبرة الأجيال الماضية، الاستدلال والاستقراء، والتعميم) مما يؤدي إلى الخروج بأحكام عامة متماسكة منطقياً. وإلى آخر ذلك من اتجاهات تتأرجح بين اعتبار أن للمستقبل "علم" أو باعتباره" فلسفة"، أو باعتباره "فناً"، واتجاهات تسكنه ضمن علم التاريخ أو ضمن علم اجتماع التاريخ...الخ.
في هذه الإشكالية يتناول هاني محمد خلاف موقع المستقبلية في بنيان المعرفة، فيقرر أنها لا تمثل علماً مستقلاً، لأن موضوع المعرفة فيها غير محدد (قد تتناول ظواهر اجتماعية وقد تتناول ظواهر طبيعية)، كما أن فكرة الظاهرة التي تدرسها (المستقبل) غير موجودة بالأصل، ويرى أن هذا لا ينتقص من قيمة الدراسات المستقبلية في بنيان المعرفة حيث أن المستقبلية يمكن أن تكون فلسفة ويمكن أن تكون منهجاً.
يمكن اعتبار الدراسات المستقبلية أسلوباً لدراسة ظاهرة ما، فهذا التكييف يأخذ في اعتباره الطبيعة البينية للدراسات المستقبلية واستخدامها في مجالات مختلفة (لدراسة ظاهرة طبيعية-أو اجتماعية)، مما يفسر أيضا عدم الاتفاق على مناهج محددة للدراسات المستقبلية إذ إنها بالضرورة تعتمد في دراسة ظاهرة ما على مناهج واقترابات الحقل الذي يهتم بتلك الظاهرة. لكن إذا كان الأمر كذلك فما الجديد الذي تقدمه الدراسات المستقبلية؟ فكل حقل علمي يهدف من وراء تطوير نظرياته الوصف والتفسير والتنبؤ بمسار الظاهرة في المستقبل، والظواهر الاجتماعية ومنها السياسية ليست استثناء من هذا الطموح، فلماذا تفرد أهمية خاصة للدراسات المستقبلية؟
تأتي خصوصية الدراسات المستقبلية وأهميتها في موقفها من الزمن (لا من وجهة نظر فلسفية ولكن من وجهة نظر منهجية) فعادة ما يعد الزمن متغيراً مستقلاً ويؤخذ كمعطى، ولكن الدراسات المستقبلية تأخذ الزمن بصــورة جديـة، كإشكالية لا كمعطى، وتنظر إليه على أنه متغيـر تابع للخبرة الإنسانية والحضارية. هنا تأتي أهمية التفريق بين الدراسات المستقبلية ووظيفة التنبؤ في العلوم الاجتماعية *والذي عادة ما يثير أسئلة من قبيل كيف نقيّم نجاح أو إخفاق الدراسات المستقبلية؟ وتتم الإجابة بالربط بين نجاح أو فشل النظريات الاجتماعية في التنبؤ. فتقييم (وتقويم) نظرية ما يكون في مدى قدرتها على التفسير والفعالية والقدرة على التنبؤ وترجع نتائج عملية التقييم تلك، في إطار تغذية استرجاعية لتقويم النظرية (في إطار اختبار النظرية)، في ضوء مدى ملائمتها لدراسة الواقع.
أما الدراسات المستقبلية فإنها لا تهدف للتنبؤ، بل إلى فتح مجالات المستقبل من خلال تحليل افتراضي بالإجابة على التساؤل: ماذا لو..؟، بالتالي فنجاح أو فشل الدراسات المستقبلية لا يقيّم بدقة التوقعات، وتحقق نبؤات* ،حيث إنها لا تهدف إلى كتابة تاريخ المستقبل، "والمجتمع الذي تقع فيه الأزمات على نفس الوتيرة التي يرصدها المستقبلي...مجتمع أليق بالمستقبلي أن يغادره ويرحل عنه."
هل يمكن ان تكون الدراسات الميتقبلية امتداد لدراسات أخرى ممتدة في تراثنا العربي الإسلامي؟ يتركز مجال الاهتمام هنا أيضا في "الدراسات" المستقبلية، بالمعنى الذي يسعى إلى مستوى معين من الانضباط المنهجي...وعليه لا يجري البحث في كل أشكال الإنتاج الفكري ذات التوجه المستقبلي على أهميتها...فنحن بمحاولتنا البحث عما إذا كانت الدراسات المستقبلية تعتبر امتداد لدراسات أخرى وجدت طريقاً لها في مصادرنا التراثية لا نسعى لاختزال التراث لصالح اجتهادات فكرية معاصرة، وأيضاً لا نسعى لإعادة تعريف الدراسات المستقبلية بشكل يتفق مع ما نجده من إنتاج فكري في التراث لإضفاء الشرعية عليها...فابتداءً يجب أن نشير إلي ما سبق ذكره في التمهيد من علاقة أشكال الإنتاج الفكري بالواقع، مما يجعل لكل شكل من أشكال الاهتمام بالمستقبل شرعية وجوده التي تستند إلي ارتباطه في ظروف واقعه والسياق الذي يؤدى إلي إنتاجه...و من هنا لا نهدف إلى القفز فوق محددات وديناميات الواقع واختزال المساحة الزمنية من أجل اثبات تصور مسبق بتطابق الدراسات المستقبلية مع نماذج تراثية (أيا كانت المسميات)، ومن ثم إضفاء شرعية على الأولي أو تعظيم شأن الثانية...لأن تبرير وجود أي منهما إنما يأتي في ارتباطها بواقعها وقدرتها على فهمه وتفسيره وإصلاحه.
إلا أنه في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى نماذج وأنماط مهمة ذات توجه مستقبلي في مصادرنا التراثية: نموذج اليوتوبيا (المدينة الفاضلة) وما يشابهها من اجتهادات فكرية تحاول المقارنة بين واقع واقتراح واقع بديل. نموذج أدب النصيحة كنقد للواقع المعاش. نموذج الأزمة: كشفها، رؤيتها وكيفية الخروج منها. نموذج فكرة المهداوية والتأرجح بين البشارة والأسطورة. نموذج التأصيل النظري للسنة في فكر ابن خلدون. و تأتي أهمية الإشارة لتلك النماذج في التراث الإسلامي لا لذاتها ولكن كتعبير عن العوامل التي أدت إلى ظهورها وانتشارها، فظهورها ليس مجرد تعبير عن النزوع الفطري للاهتمام بالمستقبل ولكن تحكمه عوامل تعكس كيفية تعامل الإنسان مع واقعه وفقاً لرؤية معينة للعالم، ولدوره ومسئوليته فيه. تلك العوامل يربطها د. سيف الدين عبد الفتاح بثقافة " النظر" حين يؤصل لها ويبينها، فأهم تلك العوامل تتمثل في النظر الإصلاحي، والنظر التدبيري، والنظر السنني، والنظر المقاصدي. النظر الإصلاحي والنظر التدبيري يرتبط كلاهما بمفهوم السياسة، فالسياسة باعتبارها القيام على الأمر بما يصلحه، تجعل للنظر الإصلاحي دلالات استشرافية من حيث إصلاح وضع غير مرغوب للخروج إلى وضع مرغوب، والنظر التدبيري يأتي مكملاً للنظر الإصلاحي بالجمع بين عنصري الوعي والسعي...أي بإضافة عنصر الحركة والفعل الإيجابي. ويأتي كل من النظر الإصلاحي والتدبيري في إطار النظر السنني والنظر المقاصدي....الأول يؤصل للنظر الاستشرافي في إطار الوعي بالسنن المتحكمة في حركات ومجالات الكون والتاريخ والنفس والاجتماع، والثاني يتكامل مع النظر السنني بالانتقال الي الغايات العامة التي يُسعى إليها.
بتكامل تلك العوامل: الإصلاح، والتدبير في إطار الوعي بالسنن والمقاصد تشكلت رؤية إسلامية للعالم (و للمستقبل بشكل خاص) أنتجت في إطار تفاعلها مع الواقع تلك التوجهات المستقبلية المعبرة عن النظر الاستشرافي. هنا تبرز أهمية التمييز بين الدراسات المستقبلية والاهتمام بالمستقبل (أو النزعة المستقبلية)، فلا يوجد عصر أو حضارة تخلو من النزعة المستقبلية إلا أن خصائص وظروف واقعها تحكم أشكال الاهتمام به، ومن هنا لا يتم طرح التساؤلات من قبيل: هل الحضارة العربية الإسلامية أثبتت من خلال إنتاجها الفكري أنها حضارة ذات توجه مستقبلي أم لا، فمثل هذه التساؤلات لا تجد ما يسوغها، إلا ربما في حالات اختبار أطروحات معنية تتخذ مواقف منطلقة من مقولات الحتمية سواء الثقافية أو غيرها،* وهو بأي حال من الأحوال يخرج من مجال الاهتمام في هذه المقالة.
هذا العرض السابق كان ضروريا لطرح تساؤل محدد هل يمكن التحدث عن الدراسات المستقبلية الإسلامية كامتداد طبيعي للدراسات التاريخية الإسلامية؟ ولكن قد يظل التساؤل مطروحاً لماذا التاريخ بالذات؟ وللإجابة عليه تلزم توطئة أخرى تتناول علاقة الدراسات المستقبلية بالتاريخ... ينطلق د. أحمد صدقي الدجاني في تعريفه للدراسات المستقبلية من كونها "امتداد[اً] للدراسة التاريخية...وهي تتناول بالحديث المستقبل من خلال النظر في الحاضر والماضي... [و]هي محاولة علمية تتكامل فيها الدراسات لمعرفة جوانب صورة الحاضر وتحليلها والتعرف على مجرى الحركة التاريخية من خلال دراسة الماضي وملاحظة سنن الكون، والانطلاق من ذلك كله إلى استشراف المستقبل وتشوفه وصولاً إلى طرح رؤية له. وتتضمن هذه الرؤية توقعات يحتمل حدوثها كاستمرار للحركة التي تحكم الواقع القائم، وبدائل وخيارات وأحلاماً يجرى التطلع لتحقيقها بممارسة الفعل."
القيام بالدراسة المستقبلية لا يعني فصل حلقات الزمن الثلاث بالتركيز على المستقبل، بل يتم النظر للزمن بحلقاته الثلاث (الماضي والحاضر والمستقبل) بشكل متوازن، وبنفس القدر من الاهتمام. تجري دراسـة ظواهر الماضي في إطار علم التاريخ، ومن هنا تظهر أهمية العلاقة بين الدراسة التاريخيـة والدراسة المستقبلية، حيث تعتبر الدراسات المستقبلية في كثير من الأحيان امتداداً للدراسة التاريخية، فإذا كان علم التاريخ يحـاول تطوير علل وأسباب للظواهر الاجتماعية الماضية، فان تلك العلل والأسباب لا تنطبق فقط على الأحداث التاريخية ولكن يمكن أن تفسر أيضا أحداث ووقائع مستقبلية افتراضية.