If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تمثل ثنائية (المؤلف والمخرج) أحد أهم الإشكاليات المسرحية المعاصرة التي نجد لها أشكالا متعددة في التجربة المسرحية العالمية منذ نشؤها لدى الإغريق وحتى الآن فنجد تصدرا واضحا لدور المؤلف في أزمنة محددة، بينما نجد غياب دور المخرج في تلك الأزمنة، وفي أحيان أخرى نجد غياب دور المؤلف لصالح المخرج، وفي أقصى الاحتمالات نجد في زمن مسرحي ما ثمّة صيغة تعادلية تمنح لكل منهما دوره الذي يستحقه، وهكذا نجد متواليات عديدة في شكل هذه العلاقة، وفي كل الأزمنة السالفة لا يغيب دور المؤلف نهائيا وان كان هامشيا أحيانا، وكذلك الحال بالنسبة للمخرج الذي لا يغيب دوره دائما بل يبقى حاضرا وان كان في حدود ضيقة، ولكن مع المسرح المعاصر (وتحديدا منذ بدايات القرن العشرين) بدأت هذه الثنائية تخضع لمتغيرات جديدة فرضتها طبيعة العمل المسرحي نفسه، فهناك من دعا إلى تذويب شخصية المؤلف نهائيا في شخصية المخرج باعتبار أن المخرج هو خالق العرض وسيده الأوحد، أما المؤلف فلا حاجة إليه، وقد برر أصحاب هذه الدعوة رؤيتهم هذه انطلاقا من الوظيفة الجديدة التي بدأ يحتلها المخرج في المسرح المعاصر، حيث يقوم بإعادة صياغة النص المسرحي (خاصة النصوص القديمة) بما يتوافق مع معطيات اللحظة الراهنة التي يعيشها جمهوره المسرحي ، وبذلك تخرج تلك النصوص من (كياستها) الأدبية إلى معمل الإنتاج المسرحي الجديد الذي يقوم بصناعة أناقتها الأدبية الجديدة القائمة على الكتابة المغايرة لمنطلقات النص القديمة ، وبالغ أصحاب هذا الرأي إلى الحد الذي أعلنوا فيه عن (موت المؤلف) كما هو الحال لدى الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة ، في حين نجد آخرين ذهبوا إلى إيجاد صيغة تعادلية بين الاثنين حينما استحدثوا وظيفة مسرحية جديدة تمثل حلقة وسط بين المؤلف والمخرج وأطلقوا عليه مصطلح (الدراماتورج = الخبير الدرامي) . وعلى الرغم من إقرار أغلب المسارح الغربية لهذه الوظيفة واعتمادها مع بدايات القرن العشرين ، إلا أنها لم تسلم من التغيرات مع مرور الزمن ، فمع احتفاظ المسارح العالمية بهذه الوظيفة ، بدأ المخرج المسرحي المعاصر يسطو على وظيفة الدراماتورج معتبرا أن من حقه ممارسة هذه الوظيفة باعتبارها داخلة في صلب فعله الإخراجي ، خاصة فيما يتعلق بفضاءات النص الدرامية وعلاقتها بالعناصر السينوغرافية ، فتطور مفهوم الخبير الدرامي (الدراماتورج) إلى اصطلاح (المخرج / الدراماتورج) وبذلك انتقلت الإشكالية الأولى من جديد من ثنائية (المؤلف / المخرج) إلى ثنائية (المخرج / الدراماتورج). وبالتالى كثيراً ماحصل اندماج وظيفة الدراماتورج المتعارف عليها في المسرح العالمي بوظيفة المخرج ليصدر لنا اصطلاح (المخرج الدراماتورج) والذي مارسه أكثر من مخرج عالمي في تجربته المسرحية. تنحصر الآراء حول وظيفة الدراماتورج بين مؤيد له، يري وجود حاجة ملحة لهذا الدور الفني الذي سيكون بمثابة إضافة للمسرح، حيث تفتح آفاقا عدة للمخرج وللنص المسرحي علي السواء، وبين رافض لهذه الوظيفة بدعوي عدم الحاجة إليه، حيث إنه عنصر دخيل علي العمل المسرحي، ينتقص من دور كل من المخرج والمؤلف. وإذا نظرنا من هذه الزاوية لوجدنا أن المخرج في المسرح قد تعرض عند ظهوره لنفس الهجوم ، حيث كان البعض ينظر إليه بوصفه عنصرا دخيلا علي العرض المسرحي، يأخذ حقا مشروعا للمؤلف، وربما للممثل صاحب الفرقة أيضا، ومع التطور والزمن أثبتت التجربة أهمية المخرج كوظيفة فنية محورية أصبحت تسيطر علي العرض المسرحي، وكانت سببا رئيسيا دافعا لتقدم المسرح وتطوره. وهناك من على النقيض من يزعم أن وظيفة (الدراماتورج) يمكن اعتبارها وسيلة هامة لفض النزاع التقليدي بين المؤلف والمخرج، وحول علاقة النص المسرحي بالعرض، والمساحة الإبداعية المتاحة للمخرج، بوصفه يقوم بعمل يختلف عن النص المسرحي، وأنه لن يقدم مجرد ترجمة حرفية له أو محاكاة باهتة له، ومن ثم فإن وظيفة الدراماتورج ترتبط بمفهوم (مخرج مؤلف العرض المسرحي) ، وبتطور مفهوم الإخراج كما ترتبط بتطور تقنيات العرض المسرحي ومحاولات بث الحياة في نصوص مسرحية قد تكون انتهت صلاحيتها، أو محاولة تجديدها لتصبح صالحة للعرض في زمن ومكان وجمهور معين