If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
هذه القدرة على استشراف المستقبل تبدو واضحة أيضا، في توقع جمال حمدان لسعي الغرب لخلق صراع مزعوم بين الحضارات من أجل حشد أكبر عدد من الحلفاء ضد العالم الإسلامي، حيث أكد انه "بعد سقوط الشيوعية وزوال الاتحاد السوفيتي، أصبح العالم الإسلامي هو المرشح الجديد كعدو الغرب الجديد. وإلى هنا لا جديد. الجديد هو أن الغرب سوف يستدرج خلفاء الإلحاد والشيوعية إلى صفه ليكوّن جبهة مشتركة ضد العالم الإسلامي والإسلام، باعتبارهم العدو المشترك للإثنين، بل لن يجد الغرب مشقة في هذا، ولن يحتاج الأمر إلى استدراج: سيأتي الشرق الشيوعي القديم ليلقي بنفسه في معسكر الغرب الموحد ضد الإسلام والعالم الإسلامي"، وهو ما تحقق بالفعل، حيث وضع صموئيل هنتنجتون Samuel Huntington في كتابه صدام الحضارات الخطوط الفكرية العريضة لهذا الحلف، فيما يخوض المحافظون الجدد في البيت الأبيض غمار معاركه الفعلية، في إطار ما بات يعرف بالحرب على الإرهاب، والتي لا تخرج عن كونها ستارا لحرب شاملة على الإسلام.
من الرؤى المستقبلية التي طرحها جمال حمدان، وتبدو في طريقها إلى التحقق، تلك النبوءة الخاصة بانهيار الولايات المتحدة، حيث كتب حمدان في بداية التسعينيات يقول: "أصبح من الواضح تمامًا أن العالم كله وأمريكا يتبادلان الحقد والكراهيـة علنًا، والعالم الذي لا يخفي كرهه لها ينتظر بفارغ الصبر لحظة الشماتة العظمى فيها حين تسقط وتتدحرج، وعندئذ ستتصرف أمريكا ضد العالم كالحيوان الكاسر الجريح "، ومضى مضيفا" "لقد صار بين أمريكا والعالم "تار بايت" أمريكا الآن في حالة "سعار قوة" سعار سياسي مجنون، شبه جنون القوة، وجنون العظمة، وقد تسجل مزيدًا من الانتصارات العسكرية، في مناطق مختلفة من العالم عبر السنوات القادمة، ولكن هذا السعار سيكون مقتلها في النهاية".
يلفت حمدان إلى أن "الولايات المتحدة تصارع الآن للبقاء على القمة، ولكن الانحدار لأقدامها سارٍ وصارمٍ والانكشاف العام تم، الانزلاق النهائي قريب جدًا في انتظار أي ضربة من المنافسين الجدد ـ أوروبا، ألمانيا، اليابان". وتوقع "أن ما كان يقال عن ألمانيا واليابان استراتيجيًا سيقال عن أمريكا قريبًا، ولكن بالمعكوس، فألمانيا واليابان عملاق اقتصادي وقزم سياسي - كما قيل - بينما تتحول أمريكا تدريجيًا إلى عملاق سياسي وقزم اقتصادي" وتلك الرؤية تبدو في طريقها إلى التحقق - ولو ببطء - وتدل على ذلك الآلاف من حالات الإفلاس والركود الذي يعاني من الاقتصاد الأمريكي، مقابل نمو اقتصادي متسارع للاتحاد الأوروبي واليابان، ولم تكن مفاجأة أن العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" حققت معدلات قياسية مقابل الدولار الأمريكي في فترة وجيزة.
من الاستشراقات المهمة التي تضمنتها أوراق جمال حمدان، تلك المتعلقة بعودة الإسلام ليقود من جديد، حيث يقول "يبدو لي أن عودة الإسلام أصبحت حقيقة واقعة في أكثر من مكان، عودة الإسلام حقيقة ودالة جدًا تحت ناظرينا"، ويلفت إلى انه " في الوقت نفسه يبدو أن ديناميات الإسلام تختلف تمامًا، فقديمًا كان الإسلام يتقلص في تراجع نحو الجنوب في جبهته الأوربية وجنوب جبـهته الإفريقية، الآن هناك عودة الإسلام في أوروبا خاصة في طرفيها أسبانيا وآسيا الوسطى، إضافة إلى هجرة المسلمين إلى قلب أوروبا". وحتى فيما يتعلق بنظرة جمال حمدان إلى علم الجغرافيا، الذي منحه عمره كله الا قليلا، نجد انه شكل بمفرده مدرسة راقية في التفكير الاستراتيجي المنظم، مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا، الذي لا يتعدى مفهومه لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس، وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة، ليخرج لنا مكونا جديدا اسماه " جغرافيا الحياة". وأوضح حمدان في مقدمة كتابه الموسوعي "شخصية مصر"، المقصود بتلك الجغرافيا موضحا أنها: "علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة بنظراتها.. وهذا الرؤية ثلاثية الأبعاد في التعاطي مع الظاهرة الجغرافية تنقل عالم الجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، ومن جغرافية الحقائق المرصوصة إلى جغرافية الأفكار الرفيعة.
ومن المؤسف بعد ذلك كله، أن جمال حمدان عانى من تجاهل ونسيان لأكثر من ثلاثين عاما قضاها منزويا في شقته الضيقة، ينقب ويحلل ويعيد تركيب الوقائع والبديهيات، وعندما مات بشكل ماسأوي، خرج من يتحدث عن قدرة خارقة لحمدان على التفرغ للبحث والتأليف بعيدا عن مغريات الحياة، كما لو كان هذا الانزواء قرارا اختياريا وليس عزلة فرضت عليه لمواقفه الوطنية الصلبة، وعدم قدرة المؤسسات الفكرية والمثقفين العرب على التعاطي مع أفكاره التي كانت سابقة لزمانها بسنوات.