العربية  

books sinking of the rms titanic

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

غرق آر إم إس تيتانيك (Info)


غرقت آر إم إس تيتانيك في الصباح الباكر من يوم 15 أبريل 1912 في شمال المحيط الأطلسي، بعد أربع أيام من بداية رحلتها الأولى من ساوثهامپتون إلى مدينة نيويورك. كانت أكبر سفينة ركاب في ذلك الوقت، كان على متنها نحو 2224 شخص عندما اصطدمت بجبل جليدي في حوالي الساعة 23:40 (بتوقيت السفينة) يوم الأحد 14 أبريل 1912، وغرقت بعد ساعتين وأربعين دقيقة في الساعة 02:20 (بتوقيت السفينة، 05:18 بتوقيت جرينتش) يوم الاثنين 15 أبريل، وهو ما أدى إلى موت أكثر من 1500 شخص، مما جعلها واحدة من أكبر الكوارث البحرية المميتة وقت السِلم في التاريخ.

تلقت تيتانيك ست تحذيرات من الجليد البحري في 14 أبريل لكنها كانت تسير بالقرب من سرعتها القصوى عندما رأى مراقبوها الجبل الجليدي، ولم تكن قادرة على تغيير الاتجاه بسرعة كافية. تلقت السفينة ضربة خاطفة أدت إلى انبعاج جانبها الأيمن وفتحت خمس مقصورات من الست عشر مقصورة على المحيط. كانت تيتانيك مصمَمة لتبقي طافية إذا غمرت المياه أربعة من غرفها الأمامية ولكن ليس أكثر من ذلك، وسرعان ما أدرك الطاقم أن السفينة ستغرق، فاستخدموا مشاعل الاستغاثة ورسائل الإبراق اللاسلكية لجذب المساعدة أثناء وضع الركاب في قوارب النجاة. ووفقًا للممارسات في ذلك الوقت تم تصميم نظام قوارب النجاة الخاص بتيتانيك لنقل الركاب إلى سفن الإنقاذ القريبة، وليس لحمل الجميع على متنها في وقت واحد؛ لذلك فمع غرق السفينة بسرعة ووجود المساعدة على بعد عدة ساعات لم يكن هناك ملجأ آمن للكثير من الركاب والطاقم، وضاعف ذلك الإدارة السيئة لعملية الإجلاء التي أدت إلى إطلاق العديد من القوارب قبل أن تكون ممتلئة بالكامل.

وكنتيجة لذلك عندما غرقت تيتانيك كان لا يزال على متنها ما يزيد على ألف من الركاب والطاقم. وتقريبًا كل هؤلاء الذين قفزوا أو سقطوا في الماء إما غرقوا أو ماتوا خلال دقائق بسبب تأثيرات غمر الماء البارد. وصلت آر إم إس كارپاثيا إلى الموقع بعد ساعة ونصف من غرق تيتانيك وأنقذت آخر الناجين في الساعة 09:15 من 15 أبريل، بعد حوالي تسع ساعات ونصف من التصادم. صدمت الكارثة العالم وتسببت في غضب عارم واسع بسبب النقص في قوارب النجاة واللوائح المتراخية والمعاملة غير المتساوية لدرجات الركاب الثلاث خلال الإخلاء. أوصت التحقيقات اللاحقة بإجراء تغييرات شاملة في الأنظمة البحرية، وأدت إلى إنشاء الاتفاقية الدولية لسلامة الحياة في البحر (SOLAS) في سنة 1914، والتي لا تزال تحكم السلامة البحرية اليوم.

الخلفية

في وقت دخولها الخدمة يوم 2 أبريل 1912 كانت رويال ميل شيب (آر إم إس) تيتانيك (Royal Mail Ship (RMS) Titanic) السفينة الثانية من ثلاث سفن شقيقات من الدرجة "أوليمپيك" العابرة للمحيطات، وكانت أكبر سفينة في العالم. كما أنها مع شقيقتها آر إم إس أوليمپيك (RMS Olympic) كانتا تستطيعان حمل حوالي مرة ونصف من إجمالي حمولة شهادة التسجيل الخاصة بسفن كونارد آر إم إس لوسيتينيا (RMS Lusitania) وآر إم إس موريتانيا (RMS Mauretania) حاملتا الرقم القياسي السابق، وكانتا أطول بما يقرب من 100 قدم (30 م). كانت تيتانيك قادرة على حمل 3,547 شخص في السرعة والراحة، وقد بُنيت على نطاق غير مسبوق حتى الآن. فكانت محركاتها الترددية هي الأكبر التي تم بناءها على الإطلاق، حيث بلغ ارتفاعها 40 قدم (12 م) مع اسطوانات قُطرها 9 قدم (2.7 م) كانت تستهلك وتحرق 600 طن كبير (610 ط) من الفحم يوميًا.

قيل أن مكان الإقامة الخاص بالركاب خاصة الدرجة الأولى كان "منقطع النظير ورائع"، وبالنسبة للأسعار في الدرجة الأولى فقد بلغت تكلفة أجنحة پارلور (أغلى الأجنحة وأكثرها فخامة على السفينة) مع ممشى خاص أكثر من 4,350 دولار أمريكي (ما يعادل 110,310 دولار أمريكي في سنة 2017) من أجل رحلة ذهاب فقط عبر الأطلسي. وحتى الدرجة الثالثة على الرغم من كونها أقل فخامة بكثير من الدرجتين الأولى والثانية فكانت مريحة بشكل غير عادي بالنسبة لمعايير هذا الوقت وتم تزويدها بكميات وفيرة من الطعام الجيد، ووفرت للعديد من ركابها ظروفًا أفضل من التي كانت لديهم في بيوتهم.

بدأت رحلة تيتانيك الأولى بعد ظُهر يوم 10 أبريل 1912 بقليل عندما غادرت ساوثهامبتون في مرحلتها الأولى لرحلتها إلى نيويورك. وبعد ساعات قليلة توقفت في شيروبورج بشمال فرنسا، وهي رحلة بحرية طولها 80 ميل بحري (148 كـم; 92 ميل) حيث أخذت ركابًا. وكان التوقف التالي لها هو كوينستون (كوف الآن) في أيرلندا، الذي وصلت إليه في منتصف النهار تقريبًا يوم 11 أبريل. وغادرت بعد الظهر بعد أن أخذت المزيد من الركاب والمؤن.

وبعد مضي بعض الوقت، تحركت السفينة غربًا عبر المحيط الأطلسي، وعلى متنها 892 من أفراد الطاقم و1320 راكبًا. لم يكن هذا سوى تقريبًا نصف سعة الركاب الكاملة التي كانت تصل إلى 2435، كما أنه كان الموسم المنخفض للسفر والشحن من المملكة المتحدة بسبب إضراب عمال مناجم الفحم. كان ركابها خليطًا من شرائح مجتمع العصر الإدواردي، فمنهم مليونيرات مثل چون چاكوب أستور وبنجامين جوجنهايم، نزولاً إلى المهاجرون الفقراء من دول مختلفة مثل أرمينيا وأيرلندا وإيطاليا والسويد وسوريا وروسيا والذين كانوا يبحثون عن حياة جديدة في أمريكا.

كانت الرحلة بقيادة القبطان إدوارد چون سميث البالغ من العمر 62 سنة، الذي كان أكبر قباطنة وايت ستار لاين سنًا، كانت لديه خبرة أربع عقود في الملاحة البحرية وخدم كقبطان آر إم إس أوليمپيك حيث انتقل إلى تيتانيك. لم تكن الغالبية العظمى من الطاقم الذي خدم تحت قيادته بحارة مدرَّبين، لكنهم كانوا إما مهندسين أو وقَّادين وهم المسؤولين عن الاعتناء بالمحركات؛ أو مضيفين وعاملي المطبخ وهم المسؤولين عن الركاب. شكَّل ضباط المراقبة الست و39 بحارًا حوالي خمس بالمائة فقط من الطاقم. معظمهم استقلوا السفينة في ساوثهامپتون لذلك لم يكن لديهم الوقت الكافي للتعرف على السفينة.

كانت الظروف الجليدية ترجع إلى شتاء معتدل والذي أدى إلى تحوّل أعداد كبيرة من الجبال الجليدية من الساحل الغربي لجرينلاند.

بدأ حريق في أحد مستودعات الفحم في تيتانيك قبل حوالي 10 أيام من رحيل السفينة، واستمر لعدة أيام خلال الرحلة، لكنه انتهى يوم 14 أبريل. تحسن الطقس بشكل ملحوظ على مدار اليوم، من الرياح السريعة والبحار المعتدلة في الصباح إلى هدوء واضح تمامًا بحلول المساء، كما كان مسار السفينة تحت نظام المرتفع الجوي الخاص بالمنطقة القطبية الشمالية. كان الهلال المتضائل قد حُدد بعد ثوانٍ قليلة من الساعة 15:00 يوم 14 أبريل، ولن يرتفع ثانيةً حتى الساعة 04:37 (بتوقيت السفينة) يوم 15 أبريل، بعد وقت قصير من وصول الكارپاثيا.

14 أبريل 1912

تحذيرات من الجبال الجليدية (09:00–21:40)

خلال 14 أبريل تلقى مُشغِّلا اللاسلكي ست رسائل من سفن أخرى تحذر من انجراف الجليد، والذي بدأ الركاب على متن تيتانيك يلاحظونه ابتداءً من بعد الظهر. كانت الظروف الجليدية في شمال الأطلسي هي الأسوأ في أي أبريل في الـ50 سنة السابقة (وهو السبب الذي جعل المراقبين غير مدركين بأنهم كانوا على وشك الإبحار نحو خط من الجليد المنجرف عرضه عدة أميال وطوله أميالًا كثيرة). لم يتم نقل كل هذه الرسائل من قِبل مُشغِّلا اللاسلكي. ففي ذلك الوقت جميع مُشغِّلي اللاسلكي على عابرات المحيطات كانوا موظفين في شركة ماركوني للتلغراف اللاسلكي ولم يكونوا أعضاء في أطقم سفنهم؛ كانت مسؤوليتهم الأساسية إرسال رسائل للركاب، مع تقارير الطقس كمصدر ثانوي للقلق.

التحذير الأول جاء في الساعة 09:00 من قِبل آر إم إس كارونيا (RMS Caronia) عن "جبال، تلال جليدية وجليد حقلي". اعترف القبطان سميث باستلام الرسالة. وفي الساعة 13:42 نقلت آر إم إس بالتيك (RMS Baltic) بلاغًا من السفينة اليونانية أثينا (Athenia) بأنها كانت "تمر عبر الجبال الجليدية وكميات كبيرة من الحقول الجليدية". وهذا أيضًا اعترف به سميث الذي عرض البلاغ على چوزيف بروس إسماي رئيس مجلس إدارة وايت ستار لاين. وأمر سميث بتحديد مسار جديد لنقل السفينة إلى الجنوب أكثر.

وفي الساعة 13:45 أرسلت السفينة الألمانية إس إس أميركا (SS Amerika) التي كانت تبعد مسافة قصيرة إلى الجنوب بلاغًا بأنها "مرت بجبلين جليديين كبيرين". هذه الرسالة لم تصل أبدًا إلى القبطان سميث أو الضباط الآخرين على الجسر. السبب غير واضح، ولكن ربما تم نسيانه لأن مُشغِّلا اللاسلكي كان عليهما إصلاح المعدات المعيبة.

وذكرت إس إس كاليفورنيان (SS Californian) "ثلاث جبال كبيرة" في الساعة 19:30، وفي الساعة 21:40 ذكرت الباخرة ميسابا (Mesaba) "تمت رؤية حزمة كبيرة من الجليد وعدد كبير من الجبال الجليدية الكبيرة. وكذلك حقل جليدي". وهذه الرسالة أيضًا لم تغادر غرفة لاسلكي تيتانيك. ويبدو أن مُشغِّل اللاسلكي چاك فيليپس أخفق في إدراك أهميتها لأنه كان مشغولًا بنقل رسائل للركاب عبر محطة إعادة الإرسال في كيپ ريس، بنيوفاوندلاند؛ فقد تعطل اللاسلكي قبل يوم واحد مما أدى إلى تراكم الرسائل التي حاول مُشغِّلا اللاسلكي إزالتها. وتم تلقي تحذير أخير في الساعة 22:30 من سيريل إيڤانز مُشغِّل لاسلكي كاليفورنيان، والتي توقفت ليلًا في حقل جليدي على بعد بضعة أميال، ولكن فيليپس قاطعه وأرسل له: "إصمت! إصمت! أنا أُشغِّل كيپ ريس".

على الرغم من أن الطاقم كان مدركًا لوجود الجليد في الجوار إلا أنهم لم يقللوا من سرعة السفينة، واستمروا في الإبحار بسرعة 22 عقدة (41 كم/س; 25 ميل/س)، فقط أقل بـ2 عقدة (3.7 كم/س; 2.3 ميل/س) من سرعتها القصوى 24 عقدة (44 كم/س; 28 ميل/س). تم انتقاد سرعة تيتانيك العالية فيما بعد في المياه التي تم الإبلاغ عن وجود الجليد فيها ووُصِفت بأنها متهورة، لكنها كانت تعكس الممارسات البحرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ووفقًا لما ذكره الضابط الخامس هارولد لوي، فالمعتاد هو "من أجل المُضي قُدمًا والاعتماد على المراقبين في عش الغراب والمراقبة على الجسر لالتقاط الجليد في الوقت المناسب لتفادي الاصطدام به".

أعطت عابرات شمال المحيط الأطلسي الأولوية لضبط الوقت فوق كل الاعتبارات الأخرى، مع الالتزام الصارم بالجدول الزمني الذي يضمن وصولها في الموعد المعلَن عنه. وكثيرًا ما كان يتم قيادتها بسرعات قريبة من السرعة القصوى، والتعامل مع التحذيرات من المخاطر كنصائح أكثر منها دعوات لإتخاذ إجراءات. وكان يُعتقَد على نطاق واسع أن الجليد يشكِّل مخاطر قليلة؛ فلم تكن النداءات القريبة شائعة، وحتى التصادمات المباشرة لم تكن كارثية. ففي سنة 1907 اصطدمت عابرة المحيطات الألمانية إس إس كورنپرنس فيلهلم (SS Kronprinz Wilhelm) بجبل جليدي وعانت من انحناء نتيجة للتحطم، لكنها كانت لا تزال قادرة على إكمال رحلتها. وفي نفس السنة قبطان تيتانيك المستقبلي إدوارد سميث صرَّح في مقابلة بأنه لا يستطيع "تخيل أي ظرف من شأنه أن يسبب غرق سفينة. بناء السفن الحديثة تجاوز ذلك".

"جبل جليدي أمامنا مباشرةً!" (23:39)

تيتانيك تدخل زقاق الجبل الجليدي

عندما اقتربت تيتانيك من اصطدامها المُهلك كان معظم الركاب قد ذهبوا للنوم، وكانت مسؤولية الجسر قد انتقلت من الضابط الثاني تشارلز لايتولر إلى الضابط الأول ويليام مردوك. وكان المراقبان فريدريك فليت وريجينالد لي يقفان على عش الغراب على ارتفاع 29 متر (95 قدم) فوق سطح السفينة. انخفضت درجة حرارة الهواء وأصبحت قريبة من درجة التجمد، والمحيط كان هادئًا تمامًا. الكولونيل أرتشيبالد جريسي أحد الناجين من الكارثة كتب لاحقًا أن "البحر كان مثل الزجاج، أملسًا تمامًا حتى أن النجوم انعكست بشكل واضح". ومن المعروف الآن أن مثل هذه المياه الهادئة بشكل استثنائي هي علامة على حزمة جليد قريبة.

على الرغم من أن الهواء كان صافيًا لم يكن هناك قمر والبحر كان هادئًا جدًا، ولم يكن هناك أي سبب لتغيير المسار بعيدًا عن الجبال الجليدية القريبة؛ فلو كان البحر أكثر حِدة كانت الأمواج المتكسرة على الجبال الجليدية ستجعلها مرئية أكثر. وبسبب الاستبدال في ساوثهامپتون فلم يكن لدى المراقبين أية مناظير؛ ولكن يقال أن المناظير ما كانت ستكون فعالة في الظلام الذي كان كاملًا باستثناء ضوء النجوم وأضواء السفينة الخاصة. وبالرغم من ذلك فقد كان المراقبون على دراية جيدة بمخاطر الجليد، حيث أن لايتولر كان قد أمرهم وأعضاء الطاقم الآخرين بـ"إبقاء نظرة مراقبة حادة للجليد، وخاصة الجليد الصغير والطفاوات الجليدية".

في الساعة 23:30، لاحظ فليت ولي ضبابًا طفيفًا في الأفق أمامهم، لكنهما لم يفعلا أي شيء بخصوصه. بعض الخبراء الآن يعتقدون أن هذا الضباب كان في الواقع سرابًا سببه التقاء المياه الباردة بالهواء الدافئ (بشكل يماثل سراب الماء في الصحراء) عندما دخلت تيتانيك زقاق الجبل الجليدي. وهذا كان يمكن أن يؤدي إلى أفق مرتفع يعمي المراقبون عن ملاحظة أي شيء بعيد.

التصادم

بعد تسع دقائق في الساعة 23:39، رأى فليت جبلًا جليديًا يعترض طريق تيتانيك. قرع جرس المراقبة ثلاث مرات واتصل هاتفيًا بالجسر لإعلام الضابط السادس چيمس مودي. سأل فليت "هل يوجد أحد هناك؟" رد مودي "نعم، ماذا ترى؟" رد فليت "جبل جليدي أمامنا مباشرةً!" (بالإنجليزية: Iceberg, right ahead!) وبعد أن شكر فليت نقل مودي الرسالة إلى مردوك الذي أمر روبرت هيتشنز على عجلة القيادة بتغيير مسار السفينة. ويُعتقَد بشكلٍ عام أن مردوك أعطى الأمر (Hard Astarboard) الذي يؤدي لتحريك ذراع الدفة بوضوح إلى ميمنة السفينة في محاولة لتحويل السفينة إلى جانب الميناء (الأيسر). وقام أيضًا بقرع الأمر (Full Astern) على تلغراف السفينة الذي يؤدي لوضع المحركات بأقصى سرعة باتجاه مؤخرة السفينة.

بحسب الضابط الرابع چوزيف بوكسهال فإن مردوك أخبر القبطان سميث بأنه كان يحاول توجيه السفينة ناحية جانب الميناء حول الجبل الجليدي، وهو ما يدل على أنه كان يحاول المناورة؛ أولًا بانحراف مقدمة السفينة حول العائق، ثم انحراف المؤخرة بحيث يتفادى كلا طرفي السفينة التصادم. كان هناك تأخير قبل دخول كلا الأمرين حيز التنفيذ؛ فقد استغرقت آلية التوجيه البخارية ما يصل إلى 30 ثانية لتحويل ذراع دفة السفينة، كما أن المهمة المعقدة لضبط المحركات في الاتجاه العكسي كانت لتستغرق بعض الوقت لإنجازها أيضًا. لأنه لم يكن ممكنًا عكس التوربين المركزي، فقد تم إيقافه هو والمروحة المركزية الموضوعان مباشرةً أمام دفة السفينة. وهذا قلل من فعالية الدفة، وأضعف بالتالي قدرة السفينة على الدوران. فلو كان مردوك قد حوّل السفينة بينما كان يحافظ على سرعتها إلى الأمام، فلربما فوتت الجبل الجليدي.

في سنة 2010 أكدت لويس پاتن أن جدها تشارلز لايتولر زعم أن المسؤول عن الدفة روبرت هيتشنز أصيب بالذعر في البداية وقام بتحويل الدفة إلى الاتجاه الخاطئ، وأنه بعد ذلك أمر بروس إسماي بأن تستمر السفينة "إلى الأمام ببطء" بسبب الاعتقاد بأن السفينة كانت غير قابلة للغرق. هذه المزاعم لم يتم الكشف عنها أبدًا بسبب آثار التأمين.

في هذا الحدث تغيرت وجهة السفينة في الوقت المناسب من أجل تفادي الاصطدام المباشر وجهًا لوجه، ولكن تغيير الاتجاه جعل السفينة تضرب الجبل الجليدي ضربة سريعة. وكشط مهماز من الجليد تحت الماء الجانب الأيمن من السفينة لمدة حوالي سبع ثوانٍ؛ وسقطت قطع من الجليد من الأجزاء العليا من الجبل على سطحها الأمامي. وبعد دقائق قليلة توقفت جميع محركات تيتانيك تاركة السفينة تواجه الشمال وتنجرف في تيار لابرادور.

آثار التصادم

كان يُعتقَد لوقت طويل أن تأثير الاصطدام بالجبل الجليدي أدى إلى فتح فجوة ضخمة في هيكل تيتانيك "لا يقل طولها عن 300 قدم (91 م)، و10 قدم (3.0 م) فوق مستوى العارضة". كما قال أحد الكُتَّاب فيما بعد. في التحقيق البريطاني بعد الحادث قام إدوارد وايدينيج (كبير المهندسين البحريين في شركة هارلاند آند وولف) بالحساب على أساس تدفق الماء المرصود للمقصورات الأمامية بعد أربعين دقيقة من التصادم، وشهد بأن منطقة الهيكل التي فُتِحت على البحر كانت "في مكانٍ ما حوالي 12 قدمًا مربعًا". وقال أيضًا "أعتقد أنه كان يجب أن يكون في بعض الأماكن، وليس تمزيقًا مستمرًا"، ولكن الفتحات المختلفة يجب أن تمتد على مساحة تبلغ حوالي 300 قدم كتفسير لتدفق الماء في عدة مقصورة. أشارت نتائج التحقيق إلى أن الأضرار امتدت على مساحة بلغت نحو 300 قدم، وبالتالي فقد اتَّبع الكثير من الكُتَّاب اللاحقين هذا البيان. وقد توصلت مسوحات الموجات فوق الصوتية الحديثة للحطام إلى أن الضرر تآلف من ست فتحات ضيقة في منطقة من الهيكل تغطي فقط تقريبًا ما مجموعه من 12 إلى 13 قدمًا مربعًا (من 1.1 إلى 1.2 مترًا مربعًا). وبحسب پول كي ماثياس الذي قام بالقياسات فالضرر تآلف من "سلسلة من التشوهات في الجانب الأيمن التي بدأت وتوقفت على طول الهيكل... حوالي 10 قدم [3.0 م] أعلى قاع السفينة".

ويبدو أن الفجوات والتي يبلغ طول أطولها حوالي 39 قدم (12 م) قد اتَّبعت خط صفائح الهيكل. وهذا يشير إلى أن البراشيم الحديدية على طول درزات الصفائح قُذفت فجأة أو فُتحت بسرعة لتخلق فجوات ضيقة والتي تدفقت المياه من خلالها. اقترح هذا السيناريو مهندس من الذين شاركوا في بناء تيتانيك في هارلاند آند وولف في تحقيق المفوض البريطاني للحطام الذين أعقب الكارثة، ولكن تم التقليل من أهمية رؤيته. وقد علَّق مكتشف تيتانيك روبرت بالارد بأن الافتراض بأن السفينة قد تعرضت لخرق كبير كان "نتيجة ثانوية لغموض تيتانيك. لا أحد يمكن أن يصدق أن السفينة الكبيرة قد غرقت بشظية صغيرة". والفوالق في هيكل السفينة ربما تكون عاملًا مساهمًا. ويبدو أن القطع المستعادة من صفائح هيكل تيتانيك قد تحطمت من التصادم مع الجبل الجليدي دون أن تنثني.

كانت الصفائح في 60% من الهيكل الأساسي قد عُقِدت معًا مع صفوف ثلاثية من البراشيم الفولاذية المعتدلة، ولكن الصفائح في المقدمة والمؤخرة كانت قد عُقِدت معًا مع صفوف مزدوجة من براشيم حديد المطاوع التي كانت - بحسب عالِما المواد تيم فويك وچينفر مكارتي - قريبة من حدود الضغط حتى قبل وقوع التصادم. كانت هذه البراشيم "الأفضل" أو الحديد رقم 3 تحتوي على نسبة عالية من مشتملات الخبث، التي تجعلها أكثر هشاشة من براشيم "أفضل-الأفضل" الحديد رقم 4 المعتادة، وأكثر عُرضة للكسر عند وضعها تحت الضغط، خاصةً في البرد الشديد. ولكن توم مكلوسكي وهو أمين أرشيف متقاعد في هارلاند آند وولف، أشار إلى أن السفينة الشقيقة لتيتانيك أوليمپيك كانت مثبَّتة ببراشيم من نفس الحديد وخدمت بدون حوادث لمدة قاربت 25 سنة، فقد نجت من عدة تصادمات كبيرة من بينها اصطدام طراد بريطاني بها. وعندما صدمت أوليمپيك اليو بوت الألماني SM U-103 بمقدمتها وأغرقته، كان مقدم السفينة ملتويًا وانبعجت صفائح الهيكل على جانبها الأيمن دون إضعاف لسلامة الهيكل.

وفي أعلى خط الماء كانت هناك أدلة قليلة على التصادم. فقد شعر المضيفون في غرفة عشاء الدرجة الأولى بارتجاف، وهو ما اعتقدوا أنه قد يكون حدث بسبب ذرف السفينة لشفرة مروحة. شعر العديد من الركاب بصدمة خفيفة أو ارتجاف - "تمامًا كما لو أننا مررنا فوق حوالي ألف من البِلي"، كما قال أحد الناجين - لكنه لم يعرف ما حدث. وبالنسبة لهؤلاء الموجودون في الطوابق الأدنى الأقرب لموقع التصادم فقد شعروا به بشكلٍ أكثر مباشرةً. تذكَّر والتر هيرست مُزَيِّت المحرك أنه "اوقظه تصادم طاحن على طول الجانب الأيمن. لم يشعر أحد بالذعر الشديد لكننا علمنا أننا ضربنا شيئًا". وسمع الوقَّاد جورج كيميش "صوت ارتطام مكتوم ثقيل وطاحن ممزِق" من ميمنة الهيكل.

بدأت السفينة تمتلئ بالماء فورًا، مع تدفق المياه بمعدل يقدر بـ7 أطنان كبيرة (7.1 ط) في الثانية، أسرع بـ15 مرة مما يمكن ضخه. أصيب كلٌ من المهندس الثاني چي إتش هيسكث وقائد الوقَّادين فريدريك باريت بتيار نفاث من الماء المثلج في غرفة الغلاية رقم 6 وهربا قبل إغلاق باب الغرفة المانع للماء مباشرةً. وكان هذا وضع شديد الخطورة على طاقم المهندسين؛ فقد كانت الغلايات لا تزال ممتلئة بالبخار الساخن عالي الضغط، وكان هناك خطر كبير بأن تنفجر إذا تلامست مع مياه البحر الباردة التي غمرت غرف الغلايات. تم إصدار أمر إلى الوقَّادين ومُشغِّلي الغلايات بتقليل النيران وتنفيس الغلايات، وإرسال كميات كبيرة من البخار في أقماع أنابيب التنفيس. وكانوا متعمقين في المياه المتجمدة في الوقت الذي أنهوا فيه عملهم.

تم تقسيم الطوابق السفلى لتيتانيك إلى ست عشر مقصورة. كل مقصورة تم فصلها عن جارتها بواسطة حاجز بعرض السفينة؛ كان هناك خمس عشر حاجز في المجمل. وكل حاجز كان يمتد على الأقل إلى الجانب السفلي للطابق E، اسميًا طابق واحد، أو 11 قدم (3.4 م) فوق خط الماء. المقصورتان الأقرب للمقدمة والست مقصورات الأقرب للمؤخرة كانتا أعلى بطابق واحدة.

كل حاجز كان يمكن إغلاقه بواسطة أبواب مانعة للماء. وغرف المحركات وغرف الغلايات في الطابق السفلي كانت لها أبواب تُغلق أفقيًا يتم التحكم بها عن بُعد من الجسر، وكانت تُخفض أوتوماتيكيًا من خلال الطفو إذا كانت المياه موجودة، أو تُغلق يدويًا من قِبل الطاقم. وكانت تأخذ حوالي 30 ثانية لتُغلق؛ وتم توفير أجراس إنذار وطرق بديلة للهرب كي لا يصبح أفراد الطاقم محصورين خلف الأبواب. أما أعلى الطابق السفلي في الطابق الثاني من الأسفل والطابق F والطابق E، أُغلِقت الأبواب أفقيًا وتم تشغيلها يدويًا. حيث يمكن إغلاقها عند الباب نفسه أو من سطح السفينة أعلاه.

وبالرغم من أن الحواجز المانعة للماء كانت ممتدة بشكل جيد فوق خط الماء، إلا أنها لم تكن مُحكَّمة الغلق في الأعلى. وإذا غمرت المياه العديد من المقصورات فإن مقدمة السفينة ستهبط أكثر لأسفل في الماء وسينسكب الماء من حجرة لأخرى تباعًا، بشكل يشبه نوعًا ما انسكاب الماء من صينية مكعب الثلج. وهذا هو ما حدث لتيتانيك التي تعرضت لضرر في مخزن المقدمة وثلاث أنبار أمامية وغرفة الغلاية رقم 6، ما مجموعه خمس مقصورات. تم تصميم تيتانيك فقط لتطفو مع غمر المياه لأي مقصورتين، ولكنها كانت يمكنها أن تظل طافية مع ثلاث أو حتى أربع (الأربعة الأولى) مقصورات معينة مفتوحة على المحيط. ومع غمر المياه لخمس مقصورات فسوف تغمر المياه قمم الحواجز وسيستمر غمر الماء للسفينة.

شعر القبطان سميث بالتصادم في حجرته وذهب على الفور إلى الجسر. وباطلاعه على الموقف قام باستدعاء توماس أندروز باني تيتانيك، الذي كان ضمن فريق من المهندسين من هارلاند آند وولف لمراقبة رحلة الركاب الأولى للسفينة. كانت السفينة تسجل خمس درجات إلى الميمنة ودرجتين إلى أسفل في المقدمة في خلال دقائق قليلة بعد التصادم. ذهب سميث وأندروز إلى الأسفل ووجدا أن أنبار الشحنات الأمامية وغرفة البريد وملعب الإسكواش وقد غمرتهم المياه، في حين أن غرفة الغلاية رقم 6 كانت ممتلئة إلى عمق 14 قدم (4.3 م). وكان الماء ينسكب على غرفة الغلاية رقم 5، وكان أفراد الطاقم هناك يكافحون من أجل ضخها للخارج.

وفي خلال 45 دقيقة من التصادم دخل السفينة ما لا يقل عن 13,500 طن كبير (13,700 ط) من المياه، كان هذا كثيرًا جدًا بالنسبة لمضخات الصابورة والآسن الخاصة بتيتانيك؛ فالقدرة الإجمالية للضخ لكل المضخات مجتمعة كانت فقط 1,700 طن كبير (1,700 ط) في الساعة. وأبلغ أندروز القبطان بأن المقصورات الخمس الأولى قد غُمرت وبالتالي فقد حُكِم على تيتانيك بالموت. ومن خلال تقديره فيمكنها أن تظل طافية لمدة لا تزيد عن ساعتين تقريبًا.

من وقت التصادم إلى لحظة غرقها دخل ما لا يقل عن 35,000 طن كبير (36,000 ط) من الماء إلى تيتانيك، وهو ما أدى إلى تضاعف إزاحتها من 48,300 طن كبير (49,100 ط) إلى أكثر من 83,000 طن كبير (84,000 ط). لم يتقدم التدفق بوتيرة ثابتة، ولم يتوزع الماء بالتساوي في جميع أنحاء السفينة، بسبب ترتيب المقصورات المغمورة بالمياه. كان ميلان السفينة في البداية باتجاه الميمنة سببه تدفق الماء غير المتماثل للجانب الأيمن كما تدفق الماء إلى أسفل في الممر في قاع السفينة. وعندما غمرت المياه الممر بالكامل قام الميلان بتصحيح نفسه ولكن السفينة لاحقًا بدأت في الميلان باتجاه الميناء بواقع عشر درجات حيث أن هذا الجانب أيضًا غُمِر بشكل غير متماثل.

تغيرت زاوية هبوط تيتانيك بدرجة كبيرة سريعًا من الدرجة صفر إلى حوالي أربع ونصف درجة خلال الساعة الأولى بعد التصادم، ولكن المعدل الذي انخفضت به السفينة تباطأ بشكلٍ كبير في الساعة الثانية ووصل إلى نحو خمس درجات. وهذا أعطى للعديد من هؤلاء الذين كانوا على متنها شعور زائف بالأمل بأن السفينة قد تبقى طافية لفترة كافية لإنقاذهم. وبحلول الساعة 01:30 ازداد معدل غرق القسم الأمامي حتى وصلت تيتانيك إلى زاوية سُفلية بنحو عشر درجات.

15 أبريل 1912

إشارات الاستغاثة والاستعدادات لإطلاق قوارب النجاة (00:05–00:45)

في الساعة 00:05 من يوم 15 أبريل، أمر القبطان سميث بالكشف عن قوارب النجاة وحشد الركاب. كما أمر أيضًا مُشغِّلا اللاسلكي بالبدء في إرسال نداءات الاستغاثة، والتي وضعت السفينة على الجانب الغربي من حزام الجليد بشكل خاطئ ووجهت المُنقذين إلى موقع تبين أنه غير دقيق بنحو 13.5 ميل بحري (15.5 ميل / 25 كم). وتحت الطوابق كانت المياه تتدفق إلى أدني مستويات السفينة. فعندما غرقت غرفة البريد قام فارزوا البريد بمحاولة غير مجدية في النهاية لإنقاذ 400,000 عنصرًا من البريد محمولًا على متن تيتانيك. وفي مكان آخر، كان يمكن سماع صوت الهواء وهو يخرج بسبب فيضان المياه المتدفقة للداخل. وفوقهم ذهب المضيفون من باب إلى باب يوقظون النائمون من الركاب وأعضاء الطاقم - لم يكن لدى تيتانيك نظامًا للعناوين العامة - وأخبروهم بأن يذهبوا إلى طابق القوارب.

كانت دقة الحشد تعتمد بشكل كبير على درجة الركاب؛ كان مضيفو الدرجة الأولى مسؤولون عن عدد قليل من الكبائن، بينما كان على المسؤولون عن ركاب الدرجتان الثانية والثالثة إدارة أعداد كبيرة من الناس. قدم مضيفو الدرجة الأولى مساعدات عملية وساعدوا من هم مسؤولون عنهم على الارتداء وإحضارهم على سطح السفينة. ومع وجود عدد أكبر بكثير من الناس للتعامل معهم؛ حصر مضيفو الدرجتان الثانية والثالثة جهودهم في الغالب على فتح الأبواب وإخبار الركاب بأن يضعوا أحزمة النجاة وأن يذهبوا إلى الأعلى. وفي الدرجة الثالثة ترك الركاب بشكل كبير أجهزتهم الخاصة بعد إبلاغهم بالحاجة إلى الحضور على السطح. كان العديد من الركاب وأفراد الطاقم غير راغبين في الامتثال، إما بسبب رفض الاعتقاد بأن هناك مشكلة أو تفضيل دفء داخل السفينة على الهواء الليلي شديد البرودة. لم يتم إخبار الركاب بأن السفينة كانت تغرق، رغم أن بعضهم لاحظ أن السفينة كانت تميل.

في حوالي الساعة 00:15، بدأ المضيفون يأمرون الركاب بارتداء أحزمة النجاة. وبالرغم من ذلك مرة أخرى أخذ العديد من الركاب الأمر على أنه مزحة. وقام البعض بلعب كرة القدم بقطع الجليد المتناثرة على سطح مقدمة السفينة.

وفي طابق القوارب عندما بدأ الطاقم بتجهيز قوارب النجاة، كان من الصعب سماع أي شيء بسبب ضوضاء بخار الضغط العالي الذي كان يتم إطلاقه من الغلايات عبر الصمامات والأقماع أعلاه. وصف لورانس بيزلي الصوت بأنه "هدير قاسي يصم الآذان جعل من المحادثة أمرًا صعبًا؛ إذا تخيل أحد 20 قاطرة تنفخ البخار المكتوم فإن هذا سيعطي بعض الفكرة عن الصوت البغيض الذي قابلنا بينما كان نصعد على السطح العلوي". كان الضوضاء عاليًا جدًا لدرجة أن أفراد الطاقم اضطروا إلى استخدام إشارات اليد للتواصل.

كان لدى تيتانيك 20 قارب نجاة، بينهم 16 زورقًا خشبيًا على الرافعات، و8 على جانبي السفينة، و4 قوارب قابلة للطي لها قيعان خشبية وجوانب خيشية. تم تخزين القوارب القابلة للطي مقلوبة رأسًا على عقب مع طوي الجوانب إلى الداخل، وكان يجب فتحها ونقلها إلى الرافعات لإطلاقها. اثنان منهم كانا مُخزَّنان أسفل القوارب الخشبية والاثنان الآخران كانا مُوْثَقان على سطح كبائن الضباط. وكان موقع الأخيران يجعل إطلاقهما أمرًا بالغ الصعوبة، حيث كان وزنهما عدة أطنان وكان يجب تحريكهما باليد لأسفل إلى طابق القوارب. في المتوسط، كان يمكن لقوارب النجاة أن تستوعب 68 شخص على كل منها، وكلها معًا كانت تساع 1,178 شخصًا - بالكاد نصف عدد الأشخاص الذين كانوا على متنها وثُلث العدد الذي رُخِّصت السفينة لحمله. والنقص في قوارب النجاة لم يكن بسبب نقص المساحة ولا بسبب التكلفة. فتيتانيك صُمِّمت لكي تستوعب حتى 68 قارب نجاة، ما يكفي لجميع من هم على متنها - وكان سعر الـ32 قارب نجاة الإضافيين يبلغ حوالي 16,000 دولار أمريكي (ما يعادل 405,738 دولار أمريكي في سنة 2017)، وهو جزء ضئيل من مبلغ الـ7.5 مليون دولار أمريكي الذي أنفقته الشركة على تيتانيك. وفي حالة الطوارئ كان القصد من قوارب النجاة في ذلك الوقت أن تُستخدَم لنقل الركاب من السفينة المنكوبة إلى السفينة المجاورة. ولذلك كان من المألوف لعابرات المحيطات أن يكون عدد قوارب النجاة أقل بكثير من اللازم لتستوعب جميع ركابها وأطقمها، ومن بين 39 عابرة محيطات بريطانية وزنها أكثر من 10,000 طن كبير (10,000 ط)، كان لدى 33 منها عدد قليل جدًا من أماكن قوارب النجاة لتستوعب الجميع على متنها. فقد رغبت وايت ستار لاين في أن يكون للسفينة مكان واسع للتنزه مع منظر للبحر غير منقطع، والذي كان يمكن أن يسده صف متواصل من قوارب النجاة.

القبطان سميث كان بحارًا خبيرًا خدم لمدة 40 عامًا في البحر، منها 27 سنة في القيادة. كانت هذه أول أزمة في حياته المهنية، وكان يعلم بأنه حتى لو كانت كل القوارب ممتلئة بالكامل فإن أكثر من ألف شخص سيبقون على السفينة بينما هي تنزل لأسفل مع قليل أو عدم وجود فرصة للنجاة. وعندما بدأ سميث يفهم فداحة ما على وشك أن يحدث، بدا أنه أصبح مشلولًا بسبب التردد. هو أمر الركاب والطاقم بالاحتشاد، ولكن اعتبارًا من تلك اللحظة فصاعدًا؛ أخفق في أن يأمر ضباطه بوضع الركاب في قوارب النجاة؛ ولم ينظم الطاقم بشكلٍ كافٍ؛ وأخفق في نقل المعلومات الهامة لضباطه وطاقمه؛ وكان يعطي أوامر مبهمة أو غير عملية أحيانًا ولم يعطي أبدًا الأمر بالتخلي عن السفينة. حتى أن بعض ضباطه على الجسر كانوا غير مدركين لبعض الوقت بعد التصادم بأن السفينة كانت تغرق. الضابط الرابع چوزيف بوكسهال لم يكتشف الأمر حتى الساعة 01:15، بالكاد قبل ساعة من نزول السفينة لأسفل. بينما جورج راو أحد المسؤولين عن الدفة كان غير مدركًا تمامًا للحالة الطارئة التي بعد بدء الإخلال، فاتصل بالجسر من محطة المراقبة الخاصة به ليسأل لماذا رأى للتو قارب نجاة يرحل. لم يخبر سميث ضباطه بأن السفينة لم يكن لديها قوارب نجاة تكفي لإنقاذ الجميع. ولم يُشرِف على تحميل قوارب النجاة وعلى ما يبدو أنه لم يبذل أي جهد لمعرفة ما إذا كان يتم اتباع أوامره.

لم يكن الطاقم كذلك مستعدًا لحالات الطوارئ، حيث أن التدريب على قوارب النجاة كان ضئيلًا للغاية. تم إجراء تدريب واحد فقط على قوارب النجاة أثناء توقف السفينة في ساوثهامپتون، كان تدريبًا سريعًا تآلف من قاربين تم إنزالهما، كل منهما كان عليه ضابط واحد وأربع رجال الذين قاموا فقط بالتجديف حول الرصيف لبضع دقائق قبل العودة إلى السفينة. وكان من المفترض أن يتم تزويد القوارب بإمدادات الطوارئ ولكن ركاب تيتانيك اكتشفوا لاحقًا أنهم لم يتم تزويدهم بالمؤن إلا جزئيًا على الرغم من الجهود التي بذلها كبير خبازي السفينة تشارلز چوجهين وطاقمه من أجل ذلك. لم يتم إجراء أية تدريبات على قوارب النجاة أو الحرائق منذ أن تركت تيتانيك ساوثهامپتون. وكان من المقرر إجراء تدريب على قوارب النجاة صباح الأحد قبل غرق السفينة، ولكن تم إلغاءه لأسباب غير معروفة من قِبل القبطان سميث.

تم نشر قوائم على السفينة لتعيين أفراد الطاقم إلى محطات قوارب نجاة محددة، ولكن عدد قليل منهم فقط يبدو أنهم قرأوها أو عرفوا ما كان يُفترَض منهم أن يفعلوه. معظم أفراد الطاقم لم يكونوا بحارة، وحتى بعض هؤلاء لم تكن لديهم خبرة سابقة في التجديف بالقوارب. وقد واجهوا الآن المهمة المعقدة التي تتمثل في تنسيق إنزال 20 قاربًا يحملون ما يُحتمَل أن يصل إلى 1,100 شخصًا لمسافة 70 قدم (21 م) أسفل جانبي السفينة. وقد علَّق توماس إي بونسال وهو مؤرخ للكارثة، بأن تنظيم عملية الإخلاء كان سيئًا للغاية بحيث "حتى لو كان لديهم عدد قوارب النجاة التي يحتاجون إليها، فمن المستحيل أن نرى كيف كان بإمكانهم إطلاقها" نظرًا لضيق الوقت والقيادة السيئة.

وبحلول الساعة 00:20، بعد مرور 40 دقيقة على التصادم، كان تحميل قوارب النجاة قيد التنفيذ. وقد تذكَّر بعدئذ الضابط الثاني لايتولر أنه لاحظ سميث يقف بالقرب من الجسر وهو ينظر إلى المحيط في حالة من الذهول تشبه الغيبوبة. وبحسب لايتولر "صرخت بأعلى صوتي، "ألم يكن من الأفضل أن نجلب النساء والأطفال إلى القوارب، سيدي؟" فسمعني وأومأ بالرد". وبعد ذلك أمر سميث كل من لايتولر ومردوك "ضعا النساء والأطفال وإنزلاهم بعيدًا". تولي لايتولر مسؤولية القوارب على جانب الميناء وتولى مردوك مسؤولية تلك التي على الجانب الأيمن. فسَّر الضابطان أمر الإخلاء "النساء والأطفال" بشكل مختلف؛ فأخده مردوك بمعنى النساء والأطفال أولًا، بينما أخذه لايتولر بمعنى النساء والأطفال فقط. وأنزل لايتولر قوارب نجاة بمقاعد فارغة إذا لم يكن هناك نساء وأطفال ينتظرون الركوب، بينما سمح مردوك لعدد محدود من الرجال بالركوب إذا كان كل النساء والأطفال القريبين قد صعدوا. كلا الضابطان لم يعرفا كم عدد الأشخاص الذين يمكن حملهم بأمان في القوارب عندما كانا يقومان بإنزالها وكلاهما أخطأ بعدم ملئها بسبب الحذر. وكان بإمكانهما إنزالها بأمان تام بإكمال العدد 68 شخصًا، خاصةً مع الظروف الجوية والبحرية الملائمة للغاية. ولو تم ذلك كان يمكن إنقاذ 500 شخصًا إضافيًا؛ وبدلًا من ذلك تم ترك المئات معظمهم من الرجال على متن السفينة حيث تم إطلاق قوارب النجاة وبها العديد من المقاعد شاغرة.

في البداية كان عدد قليل من الركاب غير راغب في ركوب قوارب النجاة ووجد الضباط المسؤولون عن الإخلاء صعوبة في إقناعهم. قال المليونير چون چاكوب أستور "نحن أكثر أمانًا هنا من ذلك القارب الصغير". ورفض بعض الركاب بشكل قاطع الركوب. أما چيه بروس إسماي الذي أدرك الحاجة المُلِحَّة للوضع جاب على ميمنة سطح السفينة يحث الركاب والطاقم على الصعود على متن القوارب. تم إقناع عدد قليل من النساء والأزواج والرجال العزاب بركوب قارب النجاة رقم 7، الذي أصبح أول قارب نجاة يتم إنزاله.

رحيل قوارب النجاة (00:45–02:05)

في الساعة 00:45، أبحر قارب النجاة رقم 7 بعيدًا عن تيتانيك وعلى متنه 28 راكبًا (على الرغم من أنه كان يسع 65 راكبًا). وكان قارب النجاة رقم 6 على جانب الميناء هو التالي الذي تم إنزاله في الساعة 00:55، وكان عليه 28 شخصًا كذلك. من بينهم مارجريت "موللي" براون "غير القابلة للغرق". أدرك لايتولر أنه كان يوجد بحار واحد فقط على متنه (روبرت هيتشنز المسؤول عن الدفة) وطلب متطوعين. تقدم الرائد آرثر جودفري پيوشن إلى الأمام ونزل لأسفل بواسطة حبل إلى قارب النجاة؛ كان هو الراكب الذكر الوحيد الذي سمح له لايتولر بالركوب خلال إخلاء جانب الميناء. دور پيوشن سلط الضوء على مشكلة رئيسية خلال الإخلاء: فبالكاد لم يكن هناك أي بحارة لإدارة القوارب. بعضهم تم إرسالهم إلى الأسفل لفتح أبواب السلالم للسماح بإجلاء المزيد من الركاب، لكنهم لم يعودوا أبدًا. ومن المحتمَل أنهم حوصروا وغرقوا بسبب المياه الصاعدة في الطوابق السفلية.

في الوقت نفسه، كافح أفراد الطاقم الآخرون للحفاظ على الخدمات الحيوية مع استمرار تدفق المياه إلى الطوابق السفلى من السفينة. عمل المهندسون والوقَّادون على تنفيس البخار من الغلايات لمنعها من الانفجار عند تلامسها مع الماء البارد. وأعادوا فتح الأبواب المانعة للماء من أجل تركيب مضخات محمولة إضافية في المقصورات الأمامية في محاولة غير مجدية للحد من السيل. وحافظوا على تشغيل المولدات الكهربائية للحفاظ على الأضواء والطاقة في جميع أنحاء السفينة. المضيف إف دِنت راي تفادى بصعوبة الانجراف بعيدًا عندما انهار جدار خشبي بين مكان إقامته وغرف الدرجة الثالثة في الطابق E. مما أدى إلى وصول الماء إلى خصره. مات مهندسان، هما هربرت هارڤي وچوناثان شيفارد (الذي كان قد كسرت ساقه اليسرى للتو بعد سقوطه في فتحة دخول قبل دقائق) في غرفة الغلاية رقم 5 في حوالي الساعة 00:45 عندما انهار باب مخزن الوقود الذي يفصله عن غرفة الغلاية رقم 6 التي غمرتها المياه وانجرفا بعيدًا بواسطة "موجة من الرغوة الخضراء" بحسب ما قاله قائد الوقَّادين فريدريك باريت الذي هرب بالكاد من غرفة الغلاية.

في غرفة الغلاية رقم 4 حوالي الساعة 01:20 بدأت المياه تتدفق من الأسفل، وهذا ربما يشير إلى أن قاع السفينة قد تعرض للثَقب بواسطة الجبل الجليدي. سرعان ما أغرقت المياه المتدفقة المضخات وأجبرت الوقَّادين ومُشَذِّبي الفحم على إخلاء غرف الغلايات الأمامية. أما في مؤخرة السفينة فقد بقي كبير المهندسين ويليام بيل وزملائه في الهندسة وعدد قليل من الوقَّادين والشحَّامين المتطوعين في غرف الغلايات 1 و2 و3 وفي غرف المحركات التوربينية والترددية. وقد استمروا في العمل على الغلايات والمولدات الكهربائية من أجل الحفاظ على تشغيل أضواء ومضخات السفينة ولامداد اللاسلكي بالطاقة بحيث يستطيع إرسال إشارات الاستغاثة. ظلوا في مواقعهم حتى النهاية تمامًا، وبالتالي ضمان عمل تيتانيك الكهربائي حتى الدقائق الأخيرة للغرق. لم ينج أي من مهندسو وكهربائيو السفينة البالغ عددهم 35. ولم ينج أيضًا أي من كتبة البريد الخمسة، الذين شوهدوا لآخر مرة وهم يكافحون من أجل إنقاذ الحقائب البريدية التي أنقذوها من غرفة البريد التي غمرتها المياه. وقد غرقوا بواسطة المياه الصاعدة في مكان ما في الطابق D.

كما واجه أيضًا العديد من ركاب الدرجة الثالثة مشهد المياه التي تتدفق إلى أماكن إقاماتهم في الطوابق E وF وG. وقد ذكر فيما بعد كارل چانسون أحد العدد الصغير نسبيًا من الناجين من الدرجة الثالثة:

«نزلت إلى حجرتي لأحضر ملابسي الأخرى وساعتي وحقيبتي، ولكن كان لدي الوقت فقط لأخذ الساعة والمعطف عندما دخلت المياه بقوة هائلة إلى الغرفة وكان عليّ أن أهرع إلى السطح مرة أخرى حيث وجدت أصدقائي يقفون بأحزمة النجاة والذعر مرسوم على وجوههم. ما الذي يجب أن أفعله الآن بدون حزام نجاة وبدون أحذية وبدون قبعة؟»

تم إنزال قوارب النجاة كل بضع دقائق على كل جانب، ولكن معظم القوارب كانت غير مليئة بشكل كبير. القارب رقم 5 رحل وعليه 41 راكبًا، ورقم 3 رحل وعليه 32، ورقم 8 رحل وعليه 39، ورقم 1 رحل وعليه 12 فقط رغم أن سعته تصل إلى 40. لم تسر عملية الإخلاء بسلاسة وتعرَّض الركاب خلالها لحوادث وإصابات. سقطت امرأة بين القارب رقم 10 وجانب السفينة ولكن أحدهم التقطها من كاحلها وسحبها وأعادها إلى طابق الممشى، حيث قامت بمحاولة ثانية ناجحة في الصعود. وكُسِرت عدة أضلاع لراكبة الدرجة الأولى أني ستينجل عندما قفز طبيب ألماني-أمريكي من ذوي الوزن الزائد وشقيقه إلى القارب رقم 5، حيث سحقاها وضرباها وفقدت الوعى. وكان نزول قوارب النجاة محفوفًا بالمخاطر. فقد غُمر القارب رقم 6 تقريبًا بالماء أثناء نزوله بواسطة تصريف المياه الخارجة من السفينة إلا أنه نجح في الابتعاد عن السفينة. والقارب رقم 3 كان يوشك على أن يتعرض لكارثة عندما عَلَقَت واحدة من الرافعات، وهُدد الركاب بالانزلاق من القارب إلى البحر.

وبحلول الساعة 01:20، أصبحت خطورة الوضع واضحة للركاب عبر الطوابق، والذين بدأوا يودعهم بعضهم البعض، حيث رافق الأزواج زوجاتهم وأطفالهم إلى قوارب النجاة. وكان يتم إطلاق مشاعل الاستغاثة كل بضع دقائق لجذب انتباه أي سفن مجاورة، وأرسل مُشغِّلا اللاسلكي بشكل متكرر إشارة الاستغاثة سي كيو دي (CQD). ثم اقترح مُشغِّل اللاسلكي هارولد برايد على زميله چاك فيليپس أنه يجب أن يستخدم إشارة إس أو إس (SOS) الجديدة، حيث أنها "قد تكون فرصتك الأخيرة لإرسالها". اتصل مُشغِّلا اللاسلكي الاثنان مع سفن أخرى لطلب المساعدة، وردت عليهما عدة سفن، أقربها كانت آر إم إس كارپاثيا التي كانت تبعد 58 ميل (93 كـم) عن تيتانيك. وكانت سرعتها أبطأ بكثير من تيتانيك، وحتى لو سارت بسرعتها القصوى 17 عقدة (20 ميل/س; 31 كم/س) ستستغرق أربع ساعات للوصول إلى السفينة الغارقة. واستجابت سفينة أخرى هي إس إس مونت تمپل (SS Mount Temple) التي غيرت مسارها واتجهت إلى موقع تيتانيك لكنها توقفت بسبب حزمة جليد.

السفينة إس إس كاليفونيان كانت أقرب بكثير، والتي حذرت تيتانيك من الجليد قبل بضع ساعات. فبسبب قلقه من وجود سفينته في حقل كبير من الجليد المجروف، قرر قبطان كاليفورنيان ستانلي لورد التوقف ليلًا في حوالي الساعة 22:00 وانتظار ضوء النهار ليجد طريقه عبر الحقل الجليدي. في الساعة 23:30، وقبل 10 دقائق من اصطدام تيتانيك بالجبل الجليدي، قام مُشغِّل اللاسلكي الوحيد لكاليفورنيان سيريل إيڤانز بإغلاق جهازه ليلًا ثم ذهب للنوم. وفي غرفة قيادتها رأي الضابط الثالث تشارلز جورڤز سفينة كبيرة باتجاه الميمنة على مسافة تتراوح بين 10 إلى 12 ميل (16 إلى 18 كم). وقد انعطفت فجأة باتجاه جانب الميناء ثم توقفت. لو كان مُشغِّل لاسلكي كاليفورنيان بقي في موقعه لخمس عشر دقيقة إضافية لربما تم إنقاذ مئات الأرواح. وبعد مرور أكثر من ساعة بقليل، رأى الضابط الثاني هربرت ستون خمس صواريخ بيضاء فوق السفينة التي توقفت. لم يكن متأكدًا من ما تعنيه هذه الصواريخ، وذهب للقبطان لورد الذي كان يستريح في غرفة الخرائط وأبلغ عن المشاهدة. ولكن لورد لم يفعل شيئًا تجاه الإبلاغ، وشعر ستون بالقلق وقال لأحد زملاءه "إن سفينة لن تُطلق صواريخًا في البحر من أجل لا شيء".

وفي ذلك الوقت كان قد أصبح واضحًا لهؤلاء الذين كانوا على متن تيتانيك أن السفينة تغرق بالفعل وأنه لن يكون هناك ما يكفي من قوارب النجاة للجميع. وكان البعض لا يزالون يتشبثون بالأمل بأن الأسوأ لن يحدث؛ قال لوسيان سميث لزوجته إلويس "إنها مسألة شكلية فقط بأن يكون النساء والأطفال أولًا. إن السفينة مجهزة بالكامل وسيتم إنقاذ كل شخص فيها". وقال هارڤي زوج تشارلوت كولير لزوجته وهي تدخل قارب النجاة "اذهبي، لوتي! من أجل الرب، كوني شجاعة واذهبي! سأحصل على مقعد في قارب آخر!".

أزواج آخرون رفضوا الانفصال. أيدا ستراوس زوجة شريك ماسيز وعضو سابق في مجلس النواب الأمريكي إيزايدور ستراوس، قالت لزوجها "لقد عشنا معًا لسنوات عديدة. فأينما تذهب سأذهب". وجلسا معًا على زوج من كراسي سطح السفينة وانتظرا النهاية. وغيَّر رجل الصناعة بنجامين جوجنهايم سترة النجاة الخاصة به وكنزته بقبعته العالية وثوبه المسائي، وقال بأنه يرغب في النزول لأسفل مع السفينة كرجل نبيل.

عند هذه النقطة، كانت الغالبية العظمى من الركاب الذين استقلوا قوارب النجاة من الدرجتان الأولى والثانية. عدد قليل من ركاب الدرجة الثالثة هم الذين صعدوا إلى سطح السفينة، لأن معظمهم كانوا ضائعون في متاهة دهاليز السفينة أو محاصرون خلف الحواجز والأقسام التي تفصل أماكن إقامة الدرجة الثالثة عن مناطق الدرجتان الأولى والثانية. هذا الفصل لم يكن ببساطة لأسباب اجتماعية، لكنه كان مطلبًا لقوانين الهجرة في الولايات المتحدة، التي تفرض فصل ركاب الدرجة الثالثة من أجل السيطرة على الهجرة ومنع انتشار الأمراض المُعدية. ركاب الدرجتان الأولى والثانية على عابرات الأطلسي ينزلوا عند الأرصفة الرئيسية لجزيرة مانهاتن، ولكن ركاب الدرجة الثالثة كان عليهم الخضوع لفحوصات صحية ومعالجة في جزيرة إيليس. وفي بعض الأماكن على الأقل، بدا أن طاقم تيتانيك قد أعاق بنشاط هروب ركاب الدرجة الثالثة. فبعض الحواجز كانت مغلقة ومحروسة من قِبل أفراد الطاقم لمنع ركاب الدرجة الثالثة من الاندفاع نحو قوارب النجاة. كتبت الناجية الأيرلندية مارجريت ميرفي في مايو 1912:

«قبل أن يحصل جميع ركاب الدرجة الثالثة حتى على فرصة لحياتهم، قام بحارة تيتانيك بتثبيت الأبواب والسلالم المؤدية من قسم الدرجة الثالثة... حشد من الرجال كانوا يحاولون الوصول إلى طابق أعلى؛ كل الضرب والتشاجر والسُباب. كان هناك نساء وبعض الأطفال يُصَلُّون ويبكون. ثم ثبَّت البحارة الكوات الم
Source: wikipedia.org