If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
حال عودته إلى فلسطين، عمل السكاكيني صحفياً في جريدة الأصمعي المقدسية كما درَّس اللغة العربية في مدرسة الصلاحية في القدس. وامتد نشاطه إلى تدريس الأجانب اللغة العربية في ما يعرف بالأميريكان كولوني (the American Colony) في القدس. إلا أنه قرر أن ينشيء مدرسته الخاصة في القدس عام 1909 أسماها بمناسبة اعتماد دستور الإمبراطورية العثمانية الجديد المدرسة الدستورية.
ما أن افتتحها حتى ذاع صيتها بسبب توجهها الوطني وبسبب منهاجاً رائداً في ذلك الوقت اتبعه خليل السكاكيني فيها. لم يعتمد فيها نظام الدرجات، ولم يتبع أسلوباً لتعليم والموسيقى والتربية البدنية.
تمسُّك خليل السكاكيني بعروبته دعاه لمطالبة كنيسة الروم الأرثودكس في القدس إلى تعريب لغتها وتعريب الصلوات فيها وطالبها بأن لا يُصلى فيها باللغة اليونانية وأن لا تستخدم فيها إلا اللغة العربية، ونشر في هذا الصدد منشوراً عام 1913 بعنوان "النهضة الأرثوذكسية في فلسطين". هذا الأمر دعا الكنيسة إلى إعلان إبعاده منها.
من خلال مهنته في التدريس والتفتيش بالاساس، خاض السكاكيني نضاله ضد اعداء شعبه؛ ولكن ليس فقط، إذا كان له دور مميّز في الصحافة والنشاط السياسي في اطار الحركة الوطنية الفلسيطينية، ضد الانتداب ومبدأ الوصاية، وهذا ما جعله يقول في احدى المناسبات: " اني أفضل ان نكون مستقلين ندبر انفسنا بانفسنا، ولو ارتكبنا كل يوم مئات من الاغلاط. تقول جمعية الامم المتحدة لا تستطيعون ان تحكموا انفسكم بانفسكم، ولا بد لكم ان تنتدبوا احدى الدول العظمي لتدربكم على الاستقلال. إذا لم نتعلم الاستقلال بانفسنا فلا يعلمنا اياه احد. بل ذلك المعلم الصالح إذا دخل بلادنا فلا يخرج منها الا مكرها". هذا عمليًا يفسر فهمه لاتفاقية سايكس بيكو على انها بداية التجزئة، وانها ستقود إلى الضعف والتفكك، وفي هذا قال: "لا نستطيع ان يكون لنا وجود قومي الا إذا بقيت بلادنا لنا من اقصاها إلى اقصاها وجمعتنا الوحدة العربية". وكما الانتداب البريطاني يعني في عرفه تجقيق وعد بلفور عام الصادر 1917، فان هذه التجزئة في مفهومه كانت تعني عمليًا تحقيق الحلم الصهيوني في فلسطين. لقد كان يرى السكاكيني ان الوحدة السورية تسد الطريق امام المطامع الصهيونية، وهذا يلتقي تمامًا مع قرارات الاجتماع التحضيري المعقود في القدس عام 1919 مع قادة الرأي في فلسطين في بحث امر زيارة لجنة كنغ كراين، والتي جاء على رأسها: " ان تكون سوريا التي تمتد من جبال طورس شمالا إلى ترعة السويس جنوبا مستقلة استقلالا تاما ضمن الوحدة العربية"، لِيَلي ذلك القرار :" ان تكون فلسطين التي هي جزء لا ينفك عن سوريا منطقة مستقلة داخليا تختار حكامها من الوطنيين بنفسها حسب رغائب اهلها وحاجات البلاد". لقد كانت التجزئة هاجس السكاكيني الاوّل، فادركها وحاربها في ميادين النضال المختلفة.
اما هاجسه الثاني، فهو الخطر الصهيوني الداهم المدعوم من بريطانيا بدون شروط، وقد رأى السكاكيني ان هذا الخطر يهدد الوطن العربي باكلمه، وفي هذا قال: " إذا لم نتحد في مقاومة الصهيونية ذهبت فلسطين من ايدينا وعرضنا غيرنا للخطر، وإذا خسرت امة بلادها فقد خسرت كل شيء. إذا اردنا ان يكون لنا مستقبل مجيد فيجب ان نحتفظ ببلادنا بكل قطعة منها، وما دام لنا بلاد فمستقبلنا مضمون". وهكذا، فقد كان الخطر الصهيوني على فلسطين والامة العربية مثار اهتمامه الاساسي.
آمن خليل بتحديث وسائل التعليم واستخدام الوسائل البصرية، وكتب عدة مؤلفات تشرح منهجه. كما أنه أعد وألف الكثير من كتب المناهج الدراسية في مجال اللغة العربية. وكان من أهمها كتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي الذي يبدأ بدرس كلمتي (رأس - روس) المدعمة بالصور والشرح. وقد درس هذا الكتاب عشرات الآف من الطلاب من بدايات العشرينات وحتى عدة سنوات بعد وفاته وإلى منتصف الستينات.
في نوفمبر 1918، أثناء الحرب العالمية الأولى طالبت الحكومة المواطنين الأمريكيين بتسليم أنفسهم وإلا عدّوا جواسيس. أحد معارف السكاكيني، آلتر ليفين الذي كان يهودياً أمريكياً لم يسلم نفسه، بل التجأ إلى بيت خليل السكاكيني الذي آواه لعدة أيام إلى أن اكتشفت الشرطة أمره فتم اعتقالهما ونقلا إلى السجن في دمشق.
قضى خليل السكاكيني في السجن حوالي شهرين ونصف، تم بعدها إطلاق سراحه بالكفالة ثم تمت تبرئته لاحقاً، إلا أن احتلال إنجلترا لفلسطين حال دون عودته، فأقام في دمشق حوالي 10 أشهر حتى آب/أغسطس 1918، حين غادرها مع مجموعة من الرجال للانضمام إلى الثورة العربية الكبرى في الحجاز. ثم جاء مصر، لكن السلطات الإنجليزية منعته من دخول فلسطين فأقام في مصر نحو شهرين حتى تمكن من العودة إلى القدس.
عين عام 1919 مديراً لدار المعلمين في القدس لكنه استقال احتجاجا على تعيين هربرت صموئيل اليهودي الأصل ليشغل منصب المندوب السامي لبريطانيا في فلسطين. بعد مغادرة هربرت صموئيل فلسطين عاد للعمل مفتشاً عاماً للغة العربية في فلسطين. وبدأ بكتابة مقالاته وأشعاره السياسية المعارضة في المقتطف والهلال والسياسة الأسبوعية.