If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وفقا للدكتور/ عبد المجيد الغيلي، فهناك مبدآن للحكم الرشيد، المبدأ الأول: السيادة للقانون، والمبدأ الثاني: السلطة حق للناس جميعا. وبالنسبة للمبدأ الأول فيرى أن "السيادة للقانون، ودين الله هو مصدر القوانين، وقيم المجتمع العليا هي المرجع الإطاري للقانون". وبالنسبة للمبدأ الثاني فإن السلطة حق للناس جميعا، وليست ممنوحة لشخص أو سلالة أو طائفة أو جماعة. فالله هو الحاكم، والناس خلفاؤه، والرئيس إنما هو نائب عن الناس، يولونه ويعزلونه.
وهناك من يفرق بين مصطلحي "السيادة للقانون" و"الحكم لله"؛ فـ"السيادة" ذات المفهوم الفرنسي الدستوري الذي يعني: "السلطة العليا المطلقة التي تقيد كل السلطات الأخرى، وتقيد الدستور والقوانين، فهي السلطة المتفردة بالحكم، القائمة بذاتها، المعصومة من الخطأ". فهذا المفهوم يقتضي أن تكون السيادة لسلطة أعلى من سلطة البشر، سلطة لا تتغير ولا تتبدل ولا تخطئ، ويخضع لها الناس خضوعا كاملا، وتكون مصدرا للدستور والقوانين. فهذا مفهوم نظري، ولم يسلم من الانتقاد من علماء القانون. ونحن – المسلمين – نؤمن أن الحكم لله، فهو صاحب السيادة المطلقة، والأحكام القطعية، والأرض أرضه، والخلق خلقه، وكلمته هي العليا، وكتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن نستمد دستورنا وقوانيننا من دينه وشريعته، فشريعة الله هي المصدر لكل القوانين. وكون "الحكم لله" يعني أن الناس سواسية أحرار، لا أحد يستعلي على أحد بامتيازات أو خصائص أو صفات، لا يدين منهم أحد لأحد، ولا يخضع له، ولا يحق لأحد منهم أن يستعلي على أخيه، كلهم إخوة، وكلهم بشر يحكمهم خالقهم، ويسود بينهم شرعه، فهو دستورهم المطلق، وقانونهم المحكم. انظر عبد المجيد الغيلي، نحو حكم رشيد.
أما المرجع الإطاري فهو لقيم المجتمع العليا. وهذه القيم لم تستحق أن تكون مرجعا إلا لأنها تحظى بالإجماع المطلق، وأصلها ينبع من هدي خالقهم لهم، الذي أرسل إليهم رسله، وأنزل كتبه، وخاتم الكتب هو القرآن الكريم الذي أودع الله فيه هدايته للبشر. وهذه القيم هي التي تحكم المصالح، وتضبط الموازين، فالعدل والوفاء بالعهود ونصرة المظلوم وتأدية الأمانات إلى أهلها... قيم عليا، لا يمكن التهاون أو التفريط بها، ولو كان في ذلك ما نحسب أنه فقدان للمصالح. وهذه القيم العليا هي التي كانت تحكم المجتمع المسلم، وتحدد مصالحه، ولا أدل على ذلك من قصة أهل سمرقند، حيث تم تقديم القيمة العليا على المصلحة المتوهمة، وقام القضاء بإبطال القرار السياسي المخالف للقانون. وقد تأسس في المجتمع المسلم قضاء المظالم لإنصاف الناس من الولاة والخليفة نفسه، وكان القانون فوق الجميع، وكان القاضي يحكم بما أراه الله. كما أن عمر بن الخطاب أسس فكرة التعويض عن القرار الإداري المخالف للقانون الذي قد نفذ، وأبطل بالقانون الاستخدام السيئ للسلطة، ولم يترك الناس يتغول بعضهم على بعض بالسلطات التي في أيديهم. كما في قصته مع شارب الخمر الذي شهر به أبو موسى فاشتكى إلى عمر فعوضه، وحذر أبا موسى من تكرار فعله. انظر: نحو حكم رشيد، عبد المجيد الغيلي.
ولسريان سيادة القانون في المجتمع المسلم ثلاث ضمانات: الأول: سلطة الشعب ومبدأ فصلها واستقلال بعضها عن بعض، وحماية هذا الاستقلال بالدستور. والثاني: الإيمان برقابة الله، وبمحاسبته، ومن ثم تنشأ رقابة ذاتية عند كل فرد، فيكون قانونا على نفسه، وهذا الضمان هو أساس الحسبة في الإسلام، حيث يدفعه هذا القانون الذاتي إلى الشعور بمسؤوليته تجاه فعل الخير وكف الشر، ولو تعرض للأذى. وفي التاريخ نماذج رائعة لذلك. والثالث: أن تقوم الدولة بأداء واجباتها دون تقصير أو تسويف، فالناس لا بد أن يلمسوا التغيير بأيديهم، ويروه بأعينهم، وتحقق الحكومة تطلعاتهم نحو الأمن والاستقرار والازدهار. وعندئذ يكون للقانون لغة محترمة، لا يرفع أحد صوته فوق صوت القانون، ولا يتجاوز خطوطه. (انظر: نحو حكم رشيد، عبد المجيد محمد الغيلي).