العربية  

books parasites of bird nests

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

متطفلات الأعشاش الطيريَّة (Info)


كثيرٌ من الطيور الاجتماعيَّة تتناسلُ مع أكثر من شريك، فتتزاوج الأنثى مع عدَّة ذكور، والأخيرة مع عدَّة إناث، ويُعتبر هذا السوك نوعًا من أنواع التطفّل على الأعشاش، إذ أنَّ الذكور المُفرخة خارج نطاق الزوجيَّة الطبيعيَّة تُعتبر بأنَّها استغلت الذكور الأخرى، الشريكة الأصليَّة للإناث التي تزاوجت معها، لتُنشأ صغارها وتعتني بها، وهُناك نوعٌ آخر أكثر وضوحًا من هذا التطفّل، هو عندما تضع الإناث بيضها في أعشاش أزواج أخرى. يُعرف هذا التطفّل بالتطفّل داخل النوع (ضمن نوع الحيوانات نفسه، لا يتعداه إلى نوع آخر)، وقد لوحظ عندَّ بعض أنواع البط، حيث تُقدم الأنثى على وضع بيضها في أعشاش إناثٍ أخرى، ومن أبرز الأنواع التي تفعل ذلك: ذهبيَّة العين المألوفة(Bucephala clangula).

من أشهر أنواع الطيور المُتطفلة على أعشاش الأنواع الأخرى: الوقواقات في العالم القديم وأستراليا، وشحارير البقر والبطة سوداء الرأس (Heteronetta atricapilla) في العالم الجديد، والهويدات ودليلة المناحل في أفريقيا. اقترح العُلماء سبعة أصولٍ مُستقلَّة لعادة التطفّل على أعشاش الأنواع الأخرى عند الطيور، وعلى الرغم من أنّ الجدال حول تاريخ وسبب تطوّر هذا السلوك ما زال قائمًا، فقد أظهرت التحاليل الوراثيَّة العرقيَّة أن هُناك أصلين لهذه العادة عند العُصفوريَّات أو الجواثم (واحدة عند شحارير البقر الأمريكيّة، والأخرى عند الشراشير الأفريقيَّة)، وثلاثة أصول عند وقواقات العالمين القديم والجديد، وأصلٌ واحد عند دليلة المناحل للعالم القديم؛ وآخرٌ عند نوعٌ واحد فقط من الطيور المائيَّة، ألا وهي البطة سوداء الرأس.

مُعظم متطفلات الأعشاش الطيريَّة أنواعٌ اختصاصيَّة، أي لا تتطفَّل إلاّ على أعشاش نوعٌ واحد من الطيور، أو مجموعة صغيرة من الأنواع المُقرَّبة، ولا يخرجُ عن هذه القاعدة إلاَّ أربعة أنواع من أصل خمسة من شحارير البقر، فهيَ مُتطفلات عموميَّة، تستغلّ طائفة واسعة من الطيور الأخرى؛ فشُحرُور البقر بُني الرأس على سبيل المثال يتطفَّلُ على أعشاش 221 نوعًا من الطيور. تضعُ المُتطفلات الطيريَّة بيضةً واحدةً في العادة في عُش مضيفها، غير أنَّ البعض، وبالأخص شحارير البقر، قد تتطفّلُ عدّة إناث منه على نفس العُش الأجنبي.

يُعتبرُ الوقواق المألوف نوعًا مُميزًا من مُتطفلات الأعشاش، فالنوع ككل يتطفَّل على أعشاش طائفةٍ واسعة من الطيور، لكنّ كُل أنثى على حدى تتطفّلُ على أعشاش نوعٍ مُعيَّن فقط. يظهرُ أن المورثات التي تتحكم بلون البيض تنتقل من جيلٍ إلى آخر عن طريق الأم فقط، مما يسمح للإناث أن تضع بيضًا مُتماثلاً مع بيض أسلافها في أعشاش الطيور المُتخصصة بالتطفّل عليها، فلا تشك الأخيرة بالبيض الغريب أو تتعرَّف عليه حتى مع مرور الأجيال. غالبًا ما تعود الأنثى لتتطفَّل على عُش النوع الذي رخمها وحضنها صغيرة.

إنَّ آليات انتقاء أنثى الوقواق لعُش المُضيف ما تزال غير واضحة نوعًا ما، على الرغم من اقتراح عددٌ من العُلماء عدّة نظريَّات حول هذا الموضوع، ومن هذه: أنَّ الأنثى ترث تفضيل نوعٍ دون آخر من والدتها، أو أنَّها تتطبَّع بطباع الفراخ الصغيرة في عُش مضيفتها عندما تكون في رعايتها فتسعى خلفها عندما تكبر، أو أنها تعود إلى مكان فقسها وتختارُ عُشًا بطريقة عشوائيَّة، أو أنها تختار العُش ذي الموقع الأفضل لتضع بيضها فيه، أو ذي الموئل المُفضَّل. ومن بين هذه الافتراضات كُلها، بيَّنت التجارب التحليليَّة قُرب آخر اثنين إلى الصحَّة.

التكيفات الشائعة عند المُتطفلات الطيريَّة

تضع جميع المُتطفلات الطيريَّة بيضًا مُحاكيًا، أي شبيهًا، ببيض الأنواع المُستضيفة، وهناك بعض الأدلَّة حتى، التي تدعم النظريَّة القائلة بأنَّ شُحرُور البقر بُني الرأس قد تكيَّفت إناثه لتضع بيضًا يُحاكي لونه لون جميع الأنواع التي تتطفّل على أعشاشها.

تُقدمُ مُعظم المُتطفلات الطيريَّة على إزالة إحدى بيوض النوع المُستضيف قبل أن تضع بيضتها في العُش. وبَعضُ الأنواع تفعلُ ذلك خلال ذات الزيارة، وبعضها الآخر في زيارةٍ أوليَّة قبل وضع البيضة. وهذه الخطوة تحول دون معرفة الطائر المستضيف أنَّ أحدهم قد تطفَّل على حضنته، وتُقلّلُ من حدَّة المُنافسة مع الفراخ الأخرى مُستقبلاً.

تدوم فترة رخم بيوض مُعظم مُتطفّلات الأعشاش الطيريَّة فترةً وجيزةً، ويكون نموَّها سريعًا للغاية، الأمر الذي يسمح لها بالتقدم بالنمو على أشقائها وشقيقاتها بالتبني، فتتمكن من الهيمنة عليهم والاسئثار بحصَّة الأسد من الغذاء، وبحال كانت تلك الفراخ من نوعٍ يقلُّ حجمًا بكثير عن الطائر المُتطفّل، فإنها ستنفقُ جوعًا على الأرجح. تُقدمُ بعض المُتطفلات على قتل جميع الفراخ الأخرى في العُش، أو الفتك ببيوضها، بعد فترةٍ وجيزةٍ من الفقس، وهي تفعل ذلك عبر إسقاطها من العُش أو عبر نقرها بخطّافين على فكها السفلي، يسقطان بعد بضعة أيَّام من فقسها.

"فرضيَّة المافيا"

لطالما تسائل العُلماء عن السبب الذي يُرغم الأغلبيَّة الساحقة من الأنواع المُستضيفة على قبول الفرخ الدخيل والاعتناء به حتى يبلغ أشدَّه. فهذه الطيُورُ الدخيلة لا تختلفُ في الحجم عن أبويها المُتبنيين اختلافًا واضحًا فحسب، بل إنَّه من المُحتمل تقليصها لنسبة النجاح التناسلي الخاصَّة بتلك الأخيرة، لذا فإنَّ السؤال الذي يَطرح نفسه هو: "ما عسى أن تكون الفائدة المرجوَّة من وراء الاعتناء بها؟". أنتجت الدراسات الهادفة إلى تفسير هذا الأمر ما أصبح يُعرف باسم "فرضيَّة المافيا"، وهي تدور حول تلاعب المُتطفّل بغريزة النوع المُستضيف وإرغامه على تربية الفرخ غصبًا عنه، فكثيرٌ من المُتطفلات إن اكتشفت أنَّ بيضتها قد كُسرت أو رُميت خارج العش، تعمد إلى تدميره والفتك بالبيوض أو الفراخ فيه، الأمر الذي يُرغم الأبوين المُستضيفين على إعادة الكرَّة من البداية، أي إنشاء العُش والتفريخ، مما يُفقدها وقتًا ثمينًا تعرف غريزيًا أنَّ عليها استغلاله في إنشاء صغارها، فتذعنُ في المرَّة التالية لسلوك المُتطفلات.

رجَّح العلماء أنَّ نوعين من المُتطفلات على الأعشاش يُظهران هذا النمط السلوكيّ العدائي بشكلٍ واضح، وهما: شُحرُور البقر بُني الرأس (Molothrus ater) من أمريكا الشماليَّة، والوقواق المُرقَّط الكبير (Clamator glandarius) من أوروبا. تضعُ أنثى الأخير أغلب بيوضها في أعشاش العقعق الأوراسيّ (Pica pica)، وتبيَّن من خلال المُراقبة الميدانيَّة أنها دائمًا ما تعود لتتفقد العُش وترى أحوال البيضة، وهذه خطوةٌ مُسبقة توحي باستعدادها لتدمير العُش إن أصاب بيضتها أي سوء، مما يُفيد بصحَّة فرضيَّة المافيا. أجرى بعض العلماء تجربةً استمرَّت من شهر أبريل حتى شهر يوليو، في عاميّ 1990 و1992 على التوالي، في هضبة هويا دي گواديكس المُرتفعة في إسبانيا، فتابعوا تأثير استئصال بيوض الوقواق على نسبة النجاح التناسليّ للعقعق، ودرسوا ردود فعل تلك الطيور؛ فاعتبروا أنها تقبَّلت البيضة بحال أبقتها في العُش، ورفضتها إن اختفت بين الزيارة والأخرى، وهجرتها إن كانت لا تزال موجودةً في العُش لكنها باردة. قِيسَ مِقدارُ النجاح التناسليّ عند العُقعق عبر عدد القراخ التي بقيت حيَّة حتى زيارة العلماء الأخيرة، وهي تلك التي تسبقُ تريّش الفراخ وخروجها من العُش. أظهرت الدراسات أنّ الأعشاش التي أُزيلت منها بيوض الوقواق تعرَّت للتخريب وفراخها للقتل وبيوضها للتكسير بنسبةٍ أكبر من تلك التي أُبقي على البيض فيها، ولجأ العلماء إلى وضع بيوضٍ لدائنية اصطناعيَّة تُشبه بيوض الوقواق في نفس أعشاش طيور العقعق التي تمت دراستها، للتأكد من أنَّ من يُدمّرُ الأعشاش رافضة البيض هي الوقواقات، فتبيَّن صحَّة هذا الأمر.

أُجريت تجربةٌ أُخرى مُماثلة خلال الفترة المُمتدة من عام 1996 حتى عام 2002، وتناولت العلاقة بين شحارير البقر بُنيَّة الرأس وإحدى مُستضيفات بيوضها، ألا وهي الهازجة الكاتبة (Protonotaria citrea)، فوضعوا بيوضًا اصطناعيَّة في أعشاش بعض الهازجات التي تمَّت مُراقبتها، وراقبوا تلك التي ترفضها وتلك التي تتقبلها، فتبيَّن أنَّ 56% من الأعشاش التي لفظ أصحابها البيوض تعرَّضت للسلب، مُقابل 6% من الأعشاش التي تقبَّل أصحابها البيضة الأجنبيَّة. كما تبيَّن أنَّ 85% من الأعشاش التي أُعيد إنشائها بعد أن تعرَّضت للسلب، قد تمَّ تدميرها. كذلك تبيَّن أنَّ نسبة التفريخ عند الزوجين الأصليين قد انخفضت بحوالي 60%، مُقارنةً بتلك الخاصة بالأزواج التي تقبَّلت البيضة.

فرضيَّة موقع العش

وفقًا لهذه الفرضيَّة، تختار أنثى الوقواق مجموعةً من الأنواع المُستضيفة ذات أعشاشٍ بمواقع شبيهة بموقع عشها، وخصائص بيض شبيهة بتلك الخاصَّة بها. وأنها تقوم بمراقبة عدد منها وتختار العُش الأفضل من بينها.

أظهرت الأبحاث التي أجريت على مجموعات الأعشاش التي تتطفّلُ عليها الوقواقات أنَّ هناك شبهًا بين بيوض الأخيرة والبيوض النمطيَّة للأنواع المُستضيفة، وأنَّ نسبةً قليلةً من بيوض الأعشاش المُتطفَّل عليها لم تكن تتشابه بشكلٍ تام تقريبًا مع شكل بيوض الوقواق، وحتى في الأعشاش ذات البيوض اللامُتناغمة، تبيَّن أنها تتشابه مع بيوض أنواعٍ مُستضيفة أخرى، مما يدعم فرضيَّة موقع العش.

تعرَّت هذه الفرضيَّة للنقد من قبل بعض العلماء الذين قالوا أنها لا تُفسّر ماهيَّة الآليَّات التي تختار الوقواقات عبرها الأعشاش، أو ماهي الدلائل التي تستعين بها للتعرّف على موقعٍ مُلائم.

Source: wikipedia.org