If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يبني ميلان كونديرا روايته الأولى على أساسين اثنين اعتمدهما في معظم ما كتب، إن لم نقل كل ما كتب، هما الهزل (على مستوى المعنى) وتعددية الأصوات (على مستوى المبنى). تنقسم الرواية إلى سبعة أقسام، وهو عدد الأقسام أو الفصول التي تتكوّن منها كلّ أعمال كونديرا، باستثناء قلّة قليلة منها. وليس عبثاً هذا التنظيم «الأوركسترالي» في البناء الفني لروايات كونديرا الذي يكتب بروح الموسيقيّ الذي في داخله، هو الذي تعلّم عزف البيانو صغيراً متتلمذاً على أبيه لودفيك كونديرا، الموسيقي ورئيس جامعة جانكيك للموسيقى والآداب.
يتبدّل الرواة بتبدّل فصول الرواية. لودفيك، هيلينا، جاروسلاف، كوستكا. ومن خلال صيغة المتكلم، تتناوب أربع شخصيات على سرد الأحداث، أو بالأحرى الحدث المتصل أولاً وأخيراً ببطل الرواية لودفيك. «مزحة» عابرة تصنع فجأة انفجاراً في حياة، بل حيواتٍ عدة. تُبدّل مصائر أربعة أشخاص وتُغيّر مساراتهم.
إنها مصادفات عجيبة تتسبّب فيها رسالة من سطرين كتبهما لودفيك - بدافع الهزل - إلى زميلة يُحبّها هي ماركيتا، الحزبية الجميلة: «التفاؤل أفيون الشعب. العقل السليم يُعفّنه الغباء. عاش تروتسكي. (لودفيك)».
تنطلق الرواية مع عودة لودفيك إلى المكان الأوّل، مدينته التي يعيش بعيداً عنها منذ خمسة عشر عاماً. «هكذا بعد سنوات عديدة، وجدتُ نفسي في مدينتي من جديد». يستخدم لودفيك زمن الحاضر في حديثه عن عودته إلى مدينته وتحضيراته للقاء ما، ليعود من ثمّ، إلى الماضي (الفصل الثالث) واصفاً لحظة القبض عليه بتهمة خيانة الحزب والتهكّم عليه. فيستعيد البطل/ الراوي لحظة مثوله أمام لجنة الانضباط الحزبي. يتوقف عند تفاصيل استجوابه في مقرّ سكرتارية الحزب، الذي اعتبره خائناً، عدواً للاشتراكية، ساخراً من تفاؤلها، متحاملاً على مشاريعها. «أنت ترى أنّ الأفيون هو تفاؤلنا. لقد كتبت ذلك إلى ماركيتا. وتابع الثاني: كم أودّ أن أعرف ماذا سيكون ردّ فعل عمّالنا من الصدمة التي تفوق كلّ تصوّر إن علموا بأنّ تفاؤلهم أفيون. وأضاف الثالث: بالنسبة إلى التروتسكيين، لم يكن التفاؤل البنّاء دوماً إلاّ أفيوناً، وواضح أنك تروتسكيّ. يا إلهي، من أين جئتم بهذا الحكم؟ قلتُ محتجاً... تعلمون أنّ ماركيتا تأخذ كلّ شيء على محمل الجدّ وقد كنا دوماً نسخر منها لإغاظتها... تدخّل الثاني: ولكن حدّثنا قليلاً، ما الذي كانت تأخذه على محمل الجدّ؟ أهو الحزب مثلا، التفاؤل، السلوك، أليس كذلك؟ كلّ هذه الأمور التي تأخذها هي على محمل الجدّ لم تكن تبعث فيك أنت إلاّ الضحك»...(ص 48). أما هو، فلا ينفكّ يدافع عن نفسه بأنه حزبيّ أصيل، لكنه في الوقت نفسه، شخصية مرحة تميل تلقائياً إلى الدعابة والهزل.
تتميّز العمارة الروائية عند كونديرا بالتطابق بين الأسلوب والمدلول. ففي رواية «المزحة»، (صدرت باللغة التشيكية عام 1965)، يُقابل صاحب «فالس الوداع» صرامة تلك الحقبة من تاريخ بلاده ليس بفحوى الرواية فحسب، إنما بشكلها أيضاً. فيختار مفردات يصحّ القول فيها إنها تأسيسية، تعدّد استخدامها في هذه الرواية، وهي حاضرة غالباً في مجمل أعماله، نذكر منها على سبيل المثل: لا مبالاة، ازدراء، خفّة، هزل، دعابة، ضحك، مزحة، مزاح، تهكّم، سخري، تفاهة، بلاهة...