If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تعد البيئة التي نشأ فيها أبو الحسن اليوسي عاملا مساعدا في تشبع هذا الأخير بثقافة صوفية روحية، فقد وجهه الشيخ أبو إسحاق اليوسفي منذ صغره إلى الارتباط بأعلام الولاية عن طريق تمكينه من كتاب "المورد العذب وبحر الدموع" لابن الجوزي، الذي كان يضم حكايات الصالحين ومناقبهم، هذا بالإضافة الطابع الأسري الذي كان يحياه أبو الحسن داخل بيئته الخاصة، إذ كان والده من رجالات الصلاح، محبا لأهل الخير من الأولياء والصلحاء، معروفا بفراسة صادقة لا تخطئ، كل ذلك كان له نوع أثر في تشكيل شخصية صوفية أخلاقية متزنة، كان لها كبير وقع على ثقافة العصر. ومن العلامات البارزة التي صاحبت أبى الحسن اليوسي، وطبعت شخصيته الصوفية، تلك المظاهر الراسخة في الممارسة الصوفية، والمتعلقة بزيارة أضرحة الصالحين، منذ صغره، مما يبرز قوة حضور الثقافة الصوفية داخل البيئة التي كان يقطن فيها، حيث قال لما أثم ختم القرآن،: "رجعت لبلادنا فذهبت لزيارة الولي الصالح سيدي أبي يعزى، وقد وقع في سمعي أن الناس يطلبون الحوائج عنده، فحضر في عقلي ثلاث حوائج: العلم، والمال، والحج، وذلك مبلغ عقلي في صغري، فحصل لي ذلك ولله الحمد"، وقد حدث في كتابه المحاضرات عن أسلافه، أن ثلاثة من صلحاء الغرب قد جرب عندهم قضاء الحاجات: الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ أبو يعزى يلنور، والشيخ أبو سلهام، ولا شك وأن تلك الزيارات كانت تحرك في وجدان اليوسي نوعا من الشعور بالمكانة الخاصة التي يتنزلها الأولياء في سلم الترقي، حتى أصبحوا محلا للبركة، ونماذج يتوسل بصلاحها لقضاء الحاجات. وتشكل الزاوية بمنطقها التربوي الأخلاقي عاملا رئيسا في ترسيخ الوعي الصوفي ممارسة وتدريسا، فقد كانت الطرق الصوفية في عصر اليوسي مراكز شامخة للتأطير العلمي، ونشر القيم الإنسانية من خلال نماذج تربوية مؤثرة -بكيانها الأخلاقي- في المجال المغربي، وذلك استجابة للبيئة العامة المميزة لطبيعة المجتمع، التي يغلب عليها البساطة والوضوح، والتركيز على ما تحته عمل، أو ما كان باعثا على العمل، لذلك نجد المشرب الشاذلي الذي استمد عناصره من مدرسة الإمام الجنيد، له حضور داخل صوفية المغرب، وفي بيئة اليوسي على الخصوص، لذلك نجده يعرف التصوف بهذا المشرب الأخلاقي بقوله: "وأخصر التعريفات ما قاله الشيخ زروق رضي الله عنه: العمل لله بما يرضى من حيث يرضى" ويذكر من خلال فهرسته الأسانيد الشاذلية التي ينتسب إليها شيخه سيدي محمد بن ناصر الدرعي الذي كان عمدته في الطريق الصوفي، قال الإفراني: "وأما علم الباطن فعمدته فيه هو الإمام أبو عبد الله بن ناصر الدرعي، هو طبيب علته ومبرد غلته، قال في الفهرسة: وهذا الشيخ هو الذي أخذنا عنه العهد والورد، وإليه ننتسب، وكل من نذكره سواه، فإنه على طريق انتفاع ما... وقد أذن له في تلقين الأوراد نيابة عنه، فكان يلقنها في حياته، فهرع الناس إليه وأقبلوا إليه يزفون، ووقع له من إقبال الخلق عليه ما لم يعهد مثله"
وكانت الزاوية الدلائية مجال تكوين شخصية اليوسي علميا وتربويا، بل كانت له عناية خاصة من طرف رئيسها الفقيه الفاضل أبو عبد اله محمد الحاج، الذي كان عنده بالحظوة التامة