If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
مابين 2004 - 2006، أرسلت الحكومة اليمنية ست لجان للوساطة. أرسلت الحكومة وساطة في يوليو 2004 ولكنها فشلت لإن الوساطة السياسية لم تكن خطة بعض مراكز القوى وبالذات جيش علي محسن الأحمر، فكانت لجنة الوساطة تباشر عملها بينما يقوم جيش علي محسن الأحمر بمهاجمة الحوثيين. أُرسلت لجان أخرى عام 2005 نجحت إحداها في الخروج باتفاق لإيقاف القتال لفترة قصيرة. لم تحقق اللجان التي أرسلت عام 2006 أي نجاح يذكر لإستمرارية القتال وتبادل الإتهامات بالخداع. قادت دولة قطر وساطة عام 2007 ورعت محادثات بين مسؤولين في الحكومة وممثلين حوثيين في العاصمة القطرية الدوحة انتهت بتوقيع الأطراف المعنية على إتفاق لإيقاف إطلاق النار في فبراير 2008. كانت هناك آمال كبيرة معلقة على ذلك الإتفاق لطبيعته الإقليمية وتعهد دولة قطر بإعادة إعمار صعدة ولكن أسباب كثيرة أدت إلى فشل الإتفاق وإستمرار إطلاق النار. الحكومة اليمنية اتهمت الحوثيين بـ"الغدر" أما الحوثيين فاتهموها بعدم الإلتزام بتعهداتها وإلتزاماتها المنصوص عليها في الإتفاق، من الإعمار إلى إطلاق السجناء والسماح للحوثيين بالمشاركة السياسية. ولكن الأسباب الحقيقية كانت عدم رغبة علي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر بإضفاء شرعية على الحوثيين فلجان الوساطة كانت مجرد تكتيك للقضاء عليهم، والسبب الآخر هو غضب السعودية من دولة قطر والتي تراها تلعب دوراً "أكبر من حجمها". أدركت السلطة أن لجان الوساطة لم تنجح لإيقاف التحريض الحوثي عليها، وكان علي عبد الله صالح واثقاً من قدرات الجيش اليمني بإبادة الحوثيين لأسباب مذكورة أعلاه في قسم المواجهات العسكرية.استمر صالح بارسال الوساطات لتحسين صورته عالميا كحريص على السلام مع الحوثيين وأن اللجوء للقوة المفرطة أمر مبرر أمام "التعنت" و"الغدر" الحوثي، ويدل على ذلك استمرار قوات الجيش بالهجوم والقصف وفي نفس الوقت الذي تباشر فيه لجان الوساطة عملها.
أحد أوجه القصور للجان الوساطة هو بنيتها الثقافية والإجتماعية، التحكيمات بين القبائل نفسها أو بينها وبين أي ممثل كان للسلطة أمر معروف وقديم في اليمن وتسميها القبائل "أحكام الأسلاف" وتعني العادات والأعراف وهي قانون ودستور غير مكتوب بين القبائل. هناك ثلاث إتحادات معنية في هذا الصراع هي حاشد وبكيل وخولان، خولان أكبرهم من ناحية عدد القبائل ولكنهم أقل حظوة عند السلطة من حاشد وبكيل. القبائل تنظر إلى الحكومة والسلطة كقبيلة أخرى وليست معذورة من أعراف القبائل، وكل الأطراف السياسية المتصارعة سواء حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للإصلاح والحوثيين يعرفون ذلك ولا ينتقدون القبلية إلا عندما يقضي الحكم القبلي لصالح خصومهم. سبب لهذه الظاهرة هو علي عبد الله صالح، الذي تعلم من درس إبراهيم الحمدي ولم يحاول فرض سلطة الدولة على مناطق شاسعة من أنحاء البلاد، فاعتمد على نظام المحسوبيات بشراء ولائات أعيان المناطق وإخراط أقربائهم في المؤسسات العسكرية والأمنية فعلي عبد الله صالح كان يتعامل مع الجيش وكأنه ملكيته الخاصة، والسماح لأعراف القبائل بالإستمرارية كبديل عن القانون. "الدولة" نفسها هي من أسقط هيبتها أمام المواطنين بتشريعها وإعترافها بالأحكام القبلية وإعتمادها بين المواطنين أنفسهم.
مؤتمرات "الصلح والتحكيم" ذات الطبيعة القبلية بشكل عام تعتبر كل الأطراف المتنازعة سواسية بقدر الإمكان. وتلتزم الأطراف بإيقاف العنف فيما بينها وتلقي جزء من أسلحتها الشخصية على الأرض كلفتة رمزية على قبولهم التحكيم والحديث هنا عن التحكيمات بين القبائل بشكل عام. المُحكِّم هو من يقود الوساطة وينبغي عليه أن يكون طرفا مستقلا وليس صاحب مصلحة في النزاع. تاريخياً، كان الهاشميون والقضاة هم من يؤدي هذا الدور. لا تلتقي الأطراف المتنازعة وجها لوجه خلال التحكيم بل يرسلون مطالبهم وشكواهم عبر كفيل وهذه هي "أحكام الأسلاف" عند اليمنيين. الحكومة اليمنية عندما لجأت لأسلوب الوساطات لم تلتزم بأي شكل من الأشكال بهذه الأعراف، فهي لا تعتبر الحوثيين ندا مكافئاً لها ومعظم المحكمين والكفلاء كانوا يعينون من قبلها، فهدف الوساطة كان تبرئة ساحة علي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر أمام الناس والمراقبين من العالم. علي عبد الله صالح اعتبر وساطة دولة قطر سلبية كونها تساوي بينه وبين الحوثيين. وهذا أحد أهم أسباب فشل الوساطات، فالحكومة لا تريد أن تساوي نفسها بالمتمردين رغم أنها حلت مشاكلها مع قبائل أخرى بهذا الأسلوب في وقت سابق.
من المحكمين الذي أُرسلوا لقيادة لجان الوساطة عبد الله بن حسين الأحمر ومحمد بن محمد المنصور وهو أحد مؤسسي حزب الحق، وكلاهما لديهما مصلحة في النزاع وليسوا محايدين بالكلية فعبد الله بن حسين الأحمر كان شيخ مشايخ حاشد وإرتباطه بالسلطة معروف ومحمد بن محمد المنصور متعاطف مع الحوثيين بشكل أو بآخر. وهناك آخرين مثل عبد الكريم جدبان وقد كان من الحوثيين، وعبد الوهاب الآنسي وهو من حزب التجمع اليمني للإصلاح وحمود الهتار المعروف بجهوده في "توعية" السجناء الحوثيين، وأرسل علي عبد الله صالح علي محسن الأحمر إلى الدوحة خلال الإتفاق الذي رعته قطر. علي محسن الأحمر معروف بعلاقاته مع التنظيمات الجهادية والحنابلة في اليمن، فإرسال علي عبد الله صالح له كان مخططاً لإفشال الإتفاق لمعرفته أن الحوثيين لا يثقون بالجنزال الأحمر، فوفقا للعرف القبلي فإن علي محسن الأحمر ليس ضامنا . كما قامت السلطة بإرسال وسطاء قبليين يبدون للوهلة الأولى محايدين، مثل علي المنبهي وعبد الكريم منَّاع وحسين الصرابي ولكن كلهم مشمولون في جدول رواتب الحكومة، وبعضهم قد يكون محايدا بالفعل ولكن حقيقة إعتقاله من قبل السلطات ثم إرساله لقيادة لجنة الوساطة تؤثر على تصديق الطرف الآخر لمزاعم حياديته. هذه الإجرائات من جانب الحكومة ساهمت في قبولة نزاع غير قبلي أصلاً.