وظائف التراث كما يراها هو فهي:
- أ- الوظيفة النفسية: حيث يعمل التراث كحافز للتحرر من الذل والهزيمة لتجاوز تحديات العصر. وهي آلية دفاع نفسية تعني التعويض وتبديل الواقع المرير بالذكريات المجيدة للحفاظ على توازن وتماسك الذات التي تواجه كل هذه التحديات. وتبدو هذه الوظيفة للتراث بديهية ومطلوبة، إلا أننا سرعان ما نكتشف تناقضاتها الداخلية، إذ سرعان ما يتحول هذا الحافز إلى عزاء ووعد بالانتصار القريب الذي تروج له بعض الاتجاهات للهرب من تحديات الواقع. فتصبح آلية نفس - فكرية تشهد على التراث ولا تشهد له. وهي أيضاً كأداة، قضية خلافية في بناء وإنجاز المشروع الحضاري العربي الذي يحتاج لروافع وحوامل حقيقية تستند على الواقع الموضوعي، وتنهض به ومنه. ود. جدعان لا يغفل ذلك بل يذكر ذلك بصريح العبارة ((فات مثورّي التراث الطفيليين أن الشروط الاجتماعية السياسية المحافظة أو الراجعية نفسها هي في ذاتها التي تولد نقيضها، فليس مطلوباً من التراث أن يحدث الثورة ولا هو أصلاً قائم على أساس أنه مشروع ثورة أو أنه يمكن أن يتحول إلى مشروع من هذا النوع)).
- ب- الوظيفة الجمالية: وتعني استلهام القيم الجمالية والفنية من المعطى التراثي (( التي لم تفقد مع مرور الزمن طلاوتها وسحرها وروعتها)) وهي أنجع وظائف التراث - إن كان له وظيفة - وأقربها للواقع الراهن. فاستقراء الواقع الثقافي العربي يؤكد صدق النتائج التي توصل إليها د. جدعان؛ فما من مبدع عربي إلا واستلهم جانباً ووظف جمالياته في عمله الإبداعي، بعد تجريد تلك الجماليات من سياقها الموضوعي ووظيفتها وشروطها الاجتماعية، خاصة تلك النصوص والأعمال التي تجاوزت تاريخها واخترقت الزمن عصراً بعد عصر، إلى أن وصلت إلينا عن جدارة واستحقاق، محملة بالدهشة والعجائبية والجمال. كالنصوص الصوفية وألف ليلة وليلة وشعر المتنبي وعدد لا يحصى من الشخصيات التاريخية الملهمة. وعلى مستوى القيم الفكرية يمكن استلهام بعض العناصر المهمة عند جابر بن حيان وابن الهيثم والمقدمة الخلدونية والشاطبي والسرخسي والجرجاني والتوحيدي وغيرهم. إلا أن جهود هؤلاء الأعلام ابتذلت أو ضخمت على غير العادة بفعل القراءة الأيديولوجية لتسويغ أعمالهم دعماً لخطاب الهوية الذي ينشد المغايرة والاختلاف والمفاضلة لتحقيق السبق والريادة على الآخر معيار التقدم ومحققه.
- ج - وظيفة (الاستخدام): وهي التي يسميها د. جدعان بالجدوى، فهي وظيفة عملية تعني توظيف بعض عناصر التراث الحي في علم الفقه أو علم الكلام ودمجها في البنى الفكرية المعاصرة. ولكن د. جدعان يؤكد رفعاً للإبهام والتناقض أن هذا التوظيف لا يعني الاستلهام وإنما الاستخدام وتبني بعض المواقف والقضايا والاستئناس ببعض آراء القدماء. وهذا النوع من التوظيف يعني استخدام مواقف أو حلول أو أحكام محددة وواضحة بشأن قضية مطروحة نبحث لها عن حكم أو حل.
وأما أداة د. جدعان لتنويرنا بالتراث وإنتاج ثقافة حية - كشرط منطقي موضوعي - تتحول إلى تراث حي عند الأجيال القادمة، فهي ((العقلانية النقدية)) دون إهمال الأبعاد الروحية واللاعقلية والمتيافيزيقية المرافقة للإنسان، ويقول الباحث جمال الدين فالح الكيلاني "يعود الفضل إلى المفكر فهمي جدعان في تأسيس اتجاه في الفكر العربي المعاصر، يقوم على أنسنة المقاربات الفلسفية، ومنحها طابعاً كونياً، في إطار ما يسميه العقل الوجداني.
وفي هذا المسعى، فإنه يناوئ العقل التجريبي الاختباري المجرد بوجود الإنسان، وبمصيره على الأرض. ويعتقد في المقابل أن العقل المعرفي انحرف ليصبح عقلاً أداتياً، وعقلاً تكنولوجياً، يطلب القوة والغلبة والتحكم والسيطرة، وفي اعتقاده أن الفيلسوف أو المفكر الذي يريد أن يكون "عبداً" للعقل المعرفي المجرد والعقل الأداتي سيفقد الجناح الإنساني التواصلي، وسيتحول إلى آلة مادية مستبدة".
Source: wikipedia.org