If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد تمام فتح مصر، كتب عُمر بن الخطَّاب إلى واليه عمرو بن العاص يسألهُ عن أوضاع البلاد طالبًا منه أن يصفها إليه وكأنَّهُ حاضرها ويراها بنفسه. فكتب عمرو بن العاص إليه يشرح أحوال مصر، فوصف له تباين بيئاتها ما بين الصحاري والأراضي الزراعيَّة، مُبينًا إليه حُسن الأراضي المعطاء وحُسن النيل وخيراته الكثيرة، مُقترحًا عليه ثلاث أشياء لِإصلاح أحوالها بعد أن أنهكها الروم واستنفذوا مواردها طيلة سنواتٍ وسنوات، وهي: أن لا يُقبلُ قول خسيسُها في رئيسها، وأن يؤخذ ثُلث ارتفاعها ويُصرف في عمارة ترعها وجُسورها، وأن لا يُستأدى خراج ثمرها إلَّا في أوانها. وفي الحقيقة فإنَّ الفتح الإسلاميَّ لِمصر كان لهُ عدَّة آثار على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة.
تعرَّض المصريّون قبل الفتح الإسلامي لاضطهادٍ قاسٍ على أيدي البيزنطيين، ومن ثُمَّ رأوا في القُوَّة الإسلاميَّة الداخلة، الأمل بالخلاص ممَّا هُم فيه، فساندوها، ورحَّبوا بِدُخول المُسلمين أرض مصر، لكنَّ هذه المُساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حياديَّة. وشكَّلت انتصاراتُ المُسلمين وإخضاعهم البلاد نصرًا دينيًّا للمصريين المسيحيين حيثُ غادر البلاد عددٌ كبيرٌ من البيزنطيين. ولمَّا استقرَّت الأوضاع، وكانت أخبار العهدة العُمريَّة الخاصَّة ببيت المقدس ونصارى الشَّام قد تسرَّبت إلى مصر، لقي المصريّون من الحُكم الجديد ما شعروا معهُ بكثيرٍ من الحُريَّة. ولعلَّ أوَّل عملٍ قام به عمرو بن العاص بعد استقرار الأوضاع الداخليَّة؛ الإعلان بين الناس جميعًا أنَّ لا إكراه في الدين، وأنَّ حُريَّة العقيدة أمرٌ مُقدَّس، فلن يُتعرَّض لِأحدٍ في حُريَّته أو في ماله بسبب دينه أو مذهبه، وخيَّرهم بين الدُخول في الإسلام والبقاء على دينهم، فمن يدخل في الإسلام يكون لهُ ما للمُسلمين وعليه ما عليهم، ومن يبقى على المسيحيَّة أو اليهوديَّة فعليه الجزية، ولا يُفرض عليه الإسلام بالقُوَّة. والواقع أنَّ عُمرًا انتهج سياسة المُساواة الدينيَّة بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرَّا في مصر. وتذكر روايات المصادر أنَّ كثيرًا من كنائس الملكانيين بقيت موجودة واستمرَّت في إقامة الشعائر الدينيَّة وأنَّ عددًا كبيرًا من الملكانيين فضَّلوا البقاء في مصر؛ وأنَّ أُسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتَّى مات لم يمسَّهُ أحدٌ بأذى، وأنَّ البطريرك القبطي بنيامين الذي عاد إلى الإسكندريَّة بعد أن قضى ثلاثة عشر سنة لاجئًا مُتخفيًا خشية أن يُقبض عليه، أُعيد إلى مركزه وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينيَّة وهو مُطمئن، وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحُجَّة والإقناع، واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيّون بعد خُروجهم وضمَّها إلى كنائس البطريركيَّة، ولمَّا عاد إلى الإسكندريَّة قال لِأتباعه: «عُدّتُ إِلَى بَلَدِيَ الإِسْكَندّرِيَّة، فَوَجَدْتُ بِهَا أَمْنًا مِنَ الخَوْف، وَاطمِئْنَانًا بَعْدَ البِلَاء، وَقَد صَرَفَ اللهُ عَنَّا اضطِهَادَ الكَفَرَةِ وَبَأسِهِم». ويذهب المُفكّر والباحث اللُبناني إدمون ربَّاط إلى القول بأنَّ السياسة القائمة على عدم الإكراه في الدين إنما هي سياسة إنسانيَّة «ليبراليَّة» استمالت قُلوب المسيحيين إلى الإسلام وجعلت النصارى يُفضلون العيش في ظلِّه، فلِأوَّل مرَّة في تاريخ الشوام والمصريين عُمومًا والمسيحيين خُصوصًا، خرجت دولة لِفتح بِلادهم دون أن تفرض عليهم اعتناق دينها بالقُوَّة، وذلك في زمنٍ كان يقضي المبدأ السائد إكراه الرعايا على اعتناق دين مُلوكهم، بل وحتَّى على الانتماء إلى الشكل الخاص الذي يرتديه هذا الدين.
كان من ضمن بُنود الصُلح الذي أُبرم بين المُسلمين والروم السَّماح لليهود بالإقامة في الإسكندريَّة، ويذهب البعض إلى القول بأنَّ سماح عمرو بن العاص لليهود بالإقامة في الإسكندريَّة - أهم مراكز نشاطهم - كان مُكافأةً لهم، لِعدم تدخُلهم في قتال المُسلمين، والتزامهم الحياد طوال أحداث الفتح. وقد ذكر عمرو في كتابه للخليفة عُمر بن الخطَّاب أنَّ عدد اليهود بالإسكندريَّة حوالي أربعين ألفًا، وهُم يُؤدون الجزية. على حين تُشيرُ روايةٌ أُخرى إلى أنَّهُ كان يوجد بالإسكندريَّة نحو سُتمائة ألف يهودي وأنَّ كثيرًا منهم هرب إلى بلاد الروم فبلغ عدد من بقي منهم ويُؤدون الجزية نحو خمسين ألف يهودي. ويذكر أحد المصادر أنَّهُ قد رحل حوالي سبعين ألف يهودي من الإسكندريَّة عند دُخول عمرو بن العاص فيها، ولم يُشر هذا المصدر إلى سبب رحيلهم ولا إلى أيِّ جهةٍ ذهبوا، وقد يكونُ بعضهم قد ترك الإسكندريَّة إلى غيرها من المُدن المصريَّة، وقد يكونون قد غادروا الأراضي المصريَّة. ويُرجِّح بعض المُؤرخين الاحتمال الأوَّل لأنَّ موقف اليهود من الفتح الإسلامي كان موقف حياد، ولم يقوموا بأيَّة مُقاومة أو عملٍ عدائيّ ضدَّ المُسلمين حتَّى يخشوا بطشهم، بل وعلى العكس من ذلك كانوا يكرهون الحُكم البيزنطي، وعليه يرى أصحاب هذا الرأي إلى أنَّ هؤلاء اليهود فضَّلوا الإقامة في غير الإسكندريَّة من المُدن المصريَّة حتَّى تتسع دائرة نشاطهم في ظل الحُكم الإسلامي الجديد. كان من أثر الحُريَّة الدينيَّة والمُعاملة السمحة أن أقبل كثيرٌ من المصريين على النظر في المذاهب المُختلفة، ثُمَّ انتهى أكثر هؤلاء إلى قُبول الإسلام والدُخول فيه، ومع مُرور الزمن اعتنقت الغالبيَّة العُظمى من المصريين الإسلام، وبقيت فئة على المسيحيَّة، وفئةٌ أصغر على اليهوديَّة، وقد تحوَّلت مصر مع تعاقب القُرون إلى إحدى أهم وأبرز البُلدان الإسلاميَّة في العالم، وإحدى أبرز معاقل الإسلام من الناحيتين البشريَّة والدينيَّة، نظرًا لِحجم سُكَّانها الكبير ولِاحتضانها بعض أهم المراكز الدينيَّة الإسلاميَّة، كما استمرَّت في ظل العُهود الإسلاميَّة المُتتالية إحدى أبرز وأهم معاقل المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة في العالم لِاحتضانها الكُرسي البابوي القبطي الأرثوذكسي.
خلت بِخُروج البيزنطيين بعض الوظائف الحُكوميَّة التي كان يشغلها هؤلاء. ولِأنَّ المُسلمين لم يكن لهم عهد بعد بالشؤون الإداريَّة، وكان يهُمهم أن تستمر الإدارة في العمل، وأن تُجمَّع الضرائب، بِغض النظر عمَّا يختص بالعاملين في الحقل الوظيفي؛ فقد فتحوا أبواب العمل أمام القادرين والراغبين من المصريين. والمعروف أنَّ الإدارة الإسلاميَّة الجديدة احتفظت بِثلاثة موظفين بيزنطيين في مراكز إداريَّة كبيرة هي: حاكميَّة مصر السُفلى وتولَّاها مينا (ميناس)، وحاكميَّة منطقة الفيُّوم وتولَّاها فيلوخينوس، وحاكميَّة الريف الغربي وتولَّاها سنيوتوس. وبِفعل هيمنة المُوظفين المصريين على العمل الإداري، أضحت اللُغة القبطيَّة اللُغة الرئيسيَّة في الإدارة، ولُغة الدواوين، فحلَّت بذلك محل اللُغة اليونانيَّة. وحافظ المُسلمون على الأساليب البيزنطيَّة في تدوين الدواوين وجمع الضرائب، فانتعشت الثقافة القبطيَّة مُجددًا وأخذت تملأ الفراغ الذي نتج عن الخُروج البيزنطي. واعتنى المصريّون بِتعلُّم اللُغة العربيَّة لِأنَّها كانت لُغة الفاتحين، واحتفظ المُسلمون بِقيادة الجُند والقضاء. هذا وقد جُعلت مصر ولايةً من ولايات دولة الخِلافة الراشدة، وولَّى عُمر بن الخطَّاب عمرو بن العاص عليها. ومع مُرور السنين ونتيجةً للتثاقف طويل الأمد، استعرب المصريّون وأصبحت اللُغة العربيَّة لُغتهم الأُم، واقتصر استعمال اللُغة القبطيَّة على التراتيل والترانيم الدينيَّة المسيحيَّة، وفي كتابة بعض النُصوص المُقدَّسة.
كانت مصر تتعرَّض بين سنةٍ وأُخرى لِضائقةٍ اقتصاديَّة ناتجة عن انخفاض ماء النيل ممَّا يُسببُ خللًا في المُعادلة الاقتصاديَّة، وقد عانى المصريّون كثيرًا من هذه الظاهرة، وقد أدرك عمرو بن العاص ذلك، فخفَّف عن المصريين كثيرًا من الضرائب التي فرضها البيزنطيّون عليهم. والمعروف أنَّ الضرائب البيزنطيَّة، كانت كثيرة ومُتنوعة، وتناولت مُعظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وسوَّى بينهم في أدائها، كما أعفى بعضهم منها.
ويُذكر في هذا المقام أنَّ الخليفة كتب إلى عمرو أن يسأل المُقوقس في خير وسيلةٍ لِحُكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه المُقوقس بالشُروط التالية: أن يُستخرج خراج مصر في وقتٍ واحدٍ عند فراغ الناس من زُروعهم، وأن يُرفع خراجُها في وقتٍ واحد عند فراغ أهلها من عصر كُرومهم، وأن تُحفر خُلجانها كُلَّ سنة، وأن تُصلح جُسورها وتُسدُّ ترعها، وألَّا يُختار عاملٌ ظالمٌ لِيلي أُمورها. ونتيجة لِهذه التوصيات رسم المُسلمون خطَّة جباية الخِراج، واعتنوا بِهندسة الرَّي، من حفر الخلجان وإصلاح الجُسور، وسد الترع، وبناء مقاييس للنيل، وإنشاء الأحواض والقناطر. ولعلَّ من أشهر ما قام به عمرو، هو حفر قناة سيزوستريس التي تصلُ النيل بالبحر الأحمر، وتُسهِّلُ الاتصال بشبه الجزيرة العربيَّة، وتُؤمِّنُ طريقًا أفضل للتجارة الشرقيَّة، وعُرفت بخليج أمير المؤمنين.
ولم يُقسم المُسلمون أرض مصر بين الفاتحين ولكن اكتفوا بفرض الضرائب على المصريين، وتركوها في أيدي الشعب يتعهدها فتُثمر. وبعد حين مُسحت الأراضي، واحتفظت الحُكومة بِسجلَّاتها، وأنشأت عددًا كبيرًا من الطُرق وعنيت بصيانتها، وأُقيمت الجُسور حول الأنهار لمنع فيضانها. كما أبطل المُسلمون إحدى العادات السيِّئة التي كانت موجودة قبل الفتح وهي عادة ما تُسَّمى بِعروس النيل وهي إلقاء فتاة بكر في النيل في شهر بؤونة حتى يجري ويفيض:
وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسَّنت حالة المصريين وزادت ثرواتهم، واطمأنَّوا على أرواحهم ومُمتلكاتهم ومُستقبلهم، ونعموا بالهُدوء والاستقرار، وازدادت إلفتهم بالمُسلمين مع مُرور الوقت، ودخل كثيرٌ منهم في الإسلام. وكان الرأي السَّائد آنذاك أن يبقى المُسلمون على رباطهم لا يشتغلون بالزراعة ولا يحلُّون بالبلاد كأهلها، فلمَّا اطمأنوا في البلاد أخذ ذلك الحظر يُرفعُ عنهم، وأُبيح لهم أن يمتلكوا الأراضي.
بعد أن فرغ عمرو بن العاص من فتح الإسكندريَّة وأجلى البيزنطيين عنها وطردهم من مصر، همَّ أن يستقرَّ بها لِما فيها من عُمران، فيجعُلها عاصمةً للولاية التليدة كما كانت زمن الروم، وكتب بذلك إلى عُمر في المدينة المُنوَّرة، لكنَّ عُمرًا أمره أن ينزل بالمُسلمين منزلًا لا يحول بينه وبينهم نهرٌ ولا بحر سواء في الشتاء أو الصيف. والواقع أنَّ الإسكندريَّة لم تكن صالحة لِأن تكون حاضرة مصر الإسلاميَّة، إذ أنَّ انتقال السيادة عليها من البيزنطيين إلى المُسلمين المُنطلقين من شبه الجزيرة العربيَّة، يُحتِّم على هؤلاء أن يختاروا مكانًا لِإقامتهم يقع إمَّا على ساحل البحر الأحمر، وإمَّا في مكانٍ يسهلُ معهُ الاتصال ببلاد العرب، ولمَّا لم يكن للمُسلمين عهدٌ بالبحر بعد، لِذلك كان الاختيار الثاني هو الحل المُناسب. كان عمرو قد أقام فسطاطهُ (بيتٌ من أدم أو شعر) في أرضٍ فضاء ومزارع بين حصن بابليون وجبل المُقطَّم أثناء حِصار الحصن المذكور. فلمَّا فتح الحصن وقرَّر الزحف نحو الإسكندريَّة أمر بِنزع هذا الفسطاط، فإذا بِيمامةٌ قد باضت في أعلاه، فتركها حتَّى تكبُر فراخها وتطير. فلمَّا عاد من الإسكندريَّة بعد فتحها أمر جُنوده أن ينزلوا عند الفسطاط وأن يختطّوا دورهم فيها، فسُمِّت تلك البُقعة بالفسطاط. وهكذا أسَّس عمرو بن العاص مدينةً جديدةً للمُسلمين في سنة 21هـ المُوافقة لِسنة 642م، وبنى فيها أوَّل جامعٍ في مصر عُرف باسمه لاحقًا، وسُمي أيضًا جامعُ الفتح أو الجامع العتيق. ويُستبعد أن تكون مدينة الفسطاط قد جُعلت عند اختطاطها مدينةٌ كبيرة أو أنَّهُ كان يُقصدُ منها أن تكون عاصمةً للمُسلمين، لكنَّها وإن ابتدأت صغيرة، فقد نمت نُموًّا سريعًا بعد سنةٍ من تأسيسها، فقد رأى المُسلمون أنَّهم يستطعون البناء خارج أسوار الحصن ويتوسَّعون لا يخافون شيءًا بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأمنوا الغدر من أن يأتيهم من جانب المصريين. وسُرعان ما نزلت في الفسطاط عدَّة قبائل عربيَّة مثل: أسلم، وبلي، ومعاذ، وليث، وعنزة، وهذيل، وعدوان، وغيرهم، وقد نزل فيها المصريّون أيضًا واختلطوا مع العرب المُسلمين وامتزجوا تدريجيًّا، حتَّى أصبحت المدينةُ الجديدة حاضرةُ مصر.