العربية  

books cultural radiation

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الإشعاع الثقافي (Info)


تعد الزاوية الدلائية من أهم الزوايا في المغرب ظلت قبلة العلماء في وقتها، وكان دورها حاسم في الحفاظ على العلم المغربي متوهجا رغم الأزمات التي عمت البلاد، وكان توجهها ثقافيا أكثر من ما هو صوفيا، وقد كان عنصر الموسوعية حاضرا بقوة في منهج التدريس، بحيث تم الجمع بين علوم المقال وعلوم الحال، وتم التركيز بالأساس على الرياضيات والفلك والهندسة والطب والمنطق والتاريخ، إضافة إلى علوم الشرع والأدب، فتخرج منها عدد كبير من العلماء، أمثال أحمد بن يعقوب الولالي وعلى رأسهم الحسن اليوسي، الذي قضى ما يزيد عن عشرين سنة في الزاوية الدلائية تلميذا ثم مدرسا بعد ذلك.

ومن أسباب إشعاعها العلمي، هدوء الزاوية وبعدها عن ضجيج الاضطرابات السياسية الحادة التي كانت تعاني منها باقي حواضر المغرب في تلك الفترة. كما وفرت الزاوية المأكل والمسكن للطلبة، حيث كانت تحتوي على 1400 مسكن للطلبة، والتي لم تكن تستوعب وتكفي جميع الطلبة.

وكان لكرم رؤساء الزاوية الدلائية واعتنائهم بطلاب العلم والضيوف، سبب في جلب عددا من الأساتذة من مختلف أنحاء المغرب. وعزز مكانتها وجود مكتبة علمية ضخمة، بلغ عددها أكثر من عشرة آلاف سفر.

ويعترف محمد بن الشريف العلوي وهو أحد مؤسسي الدولة العلوية، في رسالة إلى محمد الحاج الدلائي بالمكانة العلمية والأدبية لزاوية خصومه:

«لم يعرفكم أهل المغرب إلا بإطعام قصاع العصائد، وهجوِ بعضكم لبعض بما لا يسمع من بشيع القصائد، أما العلوم فقد أقررنا لكم فيها إنصافا بالتسليم، لو قصدتم بها العمل وأجرَ التعليم.»

واصل الإشعاع الثقافي للزاوية حتى بعد خرابها ودمارها على يد الرشيد بن الشريف. فأدرك العلماء الدلائيون منزلة ورفيعة في العاصمة فاس، وزاحموا علماءها على منابر التدريس والخطابة في المساجد والمدارس إلى أن تصدروا هذا الميدان، فتولى كثير من الفقهاء الدلائيين خطة القضاء والإفتاء في فاس ومكناس وتارودانت، ودَرَّسَ علماؤها في هذه المدن وفي غيرها كمراكش، وتتلمذ لهم كثير من الناس من جميع الطبقات، حتى الأمراء العلويون مثل محمد العالم بن السلطان إسماعيل، وعبد السلام بن السلطان محمد بن عبد الله.

استمرار اشعاع الزاوية بعد خرابها

خلال مخاض الدولة المركزية العلوية التي حاولَ المولى إسماعيل وأخوه المولى الرشيد، من قبله، بناءها على أنقاض الزاوية الدلائية التي تميزت سلطتها بالطابع المعرفي الديني والعلمي، فكانت إجراءات العلويين مثيرة، خصوصا بالنسبة لعلماء الزاوية الدلائية الذين حاولت السلطة الجديدة استيعابهم تحت المراقبة بنقلهم إلى مدينة فاس.

ورسم زوال هذه الزاوية طريقا ازدهر فيه أدب المأساة، أهم وأشهر من ألف في ذلك هو كبير فقهاء الدلائيين الحسن اليوسي، حيث نظم سنة 1078 هـ «القصيدة الرائية في رثاء الزاوية الدلائية» في 162 بيتا من بحر الطويل، يتأسف فيها لمصير الزاوية الدلائية. فكان لهذه القصيدة صدى في العصر عند أبناء الزاوية، إذ لم يمض غير وقت قصير حتى تصدى لها عالمان دلائيان بالشرح في مجلد كامل، وهما محمد الشاذلي ومحمد البكري.

كما ألف المؤرخ والفقيه والأديب محمد المسناوي الدلائي "مقامة" أدبية تصف رحلة خيالية إلى أطلال الزاوية الدلائية عناونها «"المقامة الفكرية في محاسن الزاوية البكرية"». رغم أنه هاجر الزاوية وهو ابن سبع سنين عند خرابها.

واستمرت الزاوية الدلائية موجودة في مخيلة أدباء لم يَرَوْها، ولا عاشوا في أكنافها، مثل الأديب المؤرخ محمد الإفراني الذي أشاد بها وبرجالها.

Source: wikipedia.org