If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عاد مُوسى وطارق إلى طُليطلة وقضيا فيها شتاء سنة 95هـ المُوافقة لِسنتيّ 713-714م، وأرسل موسى الخبر بِالفتح وبِالغنائم إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق مع علي بن رباح اللخمي ومُغيث الرومي. وفي طُليطلة سكَّ مُوسى بن نُصير الدراهم والدنانير الأندلُسيَّة الأولى، مضروبة بِاللُغة العربيَّة والألفاظ الإسلاميَّة، فجعل على إحدى وجهيها: «بسم الله. لا إله إلَّا الله وحده لا إله غيره»، وعلى الوجه الآخر: «هذا الدرهم ضُرب في الأندلُس سنة...». ولمَّا حلَّ الربيع من السنة سالِفة الذِكر، باشر مُوسى بن نُصير وطارق بن زياد تنفيذ خطَّتهما القاضية بِالسيطرة على الأقاليم الأيبيريَّة الشماليَّة المُمتدَّة من سرقسطة، في إقليم أرغون شرقًا، حتَّى ساحل جُليقية، على المُحيط الأطلسي غربًا، بِهدف إقامة حاجز دفاعي يُؤمِّن مُنجزات المُسلمين في جنوب ووسط البلاد، ولا يتم ذلك إلَّا بِالقضاء على الجماعات القوطيَّة اللاجئة إلى تلك الأقاليم، وبخاصَّة أنَّ المُسلمين كانوا يعلمون أنها المأوى الوحيد الذي التجأ إليه مُعظم الفارّين، لِذا كان مُوسى شديد الحرص على اقتحام تلك المنطقة وفتحها. كانت مدينة سرقسطة أوَّل هدفٍ لِلحملة، فاقتربت منها القُوَّات الإسلاميَّة، على حين غفلة من أهلها، ففوجئ هؤلاء بالمُسلمين يُعسكرون أمام مدينتهم، ودبَّ الذُعر بينهم، وبعث إليهم مُوسى بن نُصير من أمَّنهم وأعطاهم عهده، فطاب نُفوسهم، وفتحوا أبواب مدينتهم لِلمُسلمين. وجالت القُوَّات الإسلاميَّة في نواحي إقليم سرقسطة، مثل وشقة ولاردة وطرَّكونة وبرشلونة، وأقام مُوسى مُدَّةً في المدينة نظَّم خلالها أوضاعها الإداريَّة، وأنشأ فيها مسجدًا خطَّهُ التابعيّ حنش بن عبد الله الصنعاني، مُهندس المساجد في الغرب الإسلامي. وبِسيطرة المُسلمين على إقليم سرقسطة طُويت صفحة التاريخ القوطي في الأندلُس، ولم يبق أمامهم سوى فتح إقليم جُليقية المُمتد إلى الغرب من سرقسطة حتَّى المُحيط الأطلسي، وهو الإقليم الذي اشتمل على أشتوريس في الوسط وكنتبرية في الشرق. وفي الوقت الذي كان فيه مُوسى بن نُصير يتأهَّب لِلزحف نحو ذلك الإقليم، عاد إليه مُغيث الرومي قادمًا من دمشق، وحمل معهُ أمرًا من الخليفة إلى كُلٍ من مُوسى وطارق بِالتوقُّف فورًا عن الفُتُوح والمُثُول بين يديه، ويبدو أنَّ الخليفة شعر أنَّهُما تجاوزا حدَّ التوسُّع المُتفق عليه. رأى مُوسى بن نُصير أنَّ هذا الاستدعاء جاء في وقتٍ غير مُناسب، لِأنَّ تعقُّب القوط لم ينتهِ، وكان حريصًا على فتح جُليقية والقضاء نهائيًّا على المُقاومة القوطيَّة، كما أنَّ مُغادرة المنطقة كانت تعني المُغامرة بِمُستقبل المُسلمين في الأندلُس كُلَّها؛ لِذلك تباطأ في الاستجابة لِأوامر الخليفة، وتواطأ مع مبعوثه لِيُمهله أيَّامًا حتَّى ينتهي من تنفيذ خطَّته والدُخُول إلى إقليم جُليقية، مُقابل أن يكون شريكه في أجر فتحها، ويهبه موضعًا في مدينة قُرطُبة بِجميع أرضه، فوافقهُ مُغيث ورافقهُ في حملته على هذا الإقليم. الواقع أنَّ هذا الاتفاق مع مبعوث الخليفة دفع بِمُوسى أن ينشط في حملته هذه، ويُسرع من دون أن يُضيِّع وقتًا في حصار المُدن أو التحايُل على من يُعصي من سُكَّانها كما كان الشأن من قبل، ما طبع حملته بِطابع الشدَّة والقسوة والعُنف المقرون بِالتدمير، وهو ما أشارت إليه الروايات الإسلاميَّة، الأمر الذي أدخل الجزع والفزع في قُلُوب السُكَّان، وهُم الذين لم يكونوا أصلًا بِحاجةٍ إلى من يزيدهم ذُعرًا ورُعبًا، فتسارع أعيانهم وكبارهم إلى الطاعة وطلب الأمان والصُلح.
غادر مُوسى بن نُصير مدينة سرقسطة مُتوجهًا إلى إقليم جُليقية لِفتحه، واصطحب معهُ طارق بن زياد. وسلك المُسلمون طريقًا يمتد من الضفَّة الجنوبيَّة - اليُمنى - لِنهر إبرة والسُفُوح الجنوبيَّة لِجبال كنتبرية، ويمُر بِالعديد من المُدن مثل هارد وبرڤييسكا وأمالية وليون، وينتهي عند مدينة أستورقة. وسار طارق بن زياد على رأس قسمٍ من الجيش كطليعة، فتقدَّم باتجاه مدينة أماية وفتحها ثُمَّ فتح مدينة بارد، ودخل القسم الجنوبي من إقليم أشتوريس وفتح مدينته الرئيسيَّة أستورقة، ثُمَّ اقتفى مُوسى أثره لِيُؤمِّن ما فتحهُ حتَّى وافاه في مدينة أستورقة، حسب الخطَّة الموضوعة سابقًا، إذ أشارت الروايات الإسلاميَّة إلى نبأ تلاقيهما فيها، ومنها سارا سويًّا لِإتمام فتح أشتوريس وجُليقية، فاخترقا جبال كنتبرية من إحدى ممرَّاتها ودخلا شمالي أشتوريس، وسارا بِمُحاذاة مجرى نهر نالون واقتحما المنطقة، ثُمَّ تقدَّما نحو الشمال حتَّى أدركا حصن لوغو، الواقع شمالي مدينة أوبيط، وفتحاه، وفرَّت حاميته إلى مكانٍ جبليٍّ بِأقصى شمالي أشتوريس هو صخرة بُلاي، الواقع في جبل أوسبة الوعر في سلسلة جبال كنتبرية، وفي أعلى هذه الصخرة توجد مغارة أو كهف «كوڤا دونگا». أقام مُوسى بن نُصير عدَّة أيَّامٍ في حصن لوغو، قبل أن يستأنف حملته لِفتح ما تبقَّى من الشمال الأيبيري في أقصر وقتٍ مُمكن، بِفعل أنَّهُ كان عليه أن يستجيب لِنداء الخليفة. لِذلك استقرَّ الرأي على أن يُرسل سريَّة لِتعقُّب الفارِّين إلى صخرة بُلاي في شرقيّ أشتوريس، ثُمَّ تُواصل التوغُّل في هذا الإقليم وإلى ما يليه شرقًا في المنطقة الشماليَّة لِجبال كنتبرية، ثُمَّ تنحدر إلى الثغر الأعلى لِتوطيد أقدام المُسلمين والقضاء على أي أثرٍ لِلمُقاومة هُناك، وعيَّن طارق بن زياد على قيادتها، أمَّا هو فكان عليه اقتحام إقليم جُليقية الواقع إلى الغرب من أشتوريس. تقدَّم طارق بن زياد إلى صخرة بُلاي في أقصى شمال أشتوريس وجال هُناك ففتح بلادها ولاذ الأهالي بالصُلح والسلم وبذل الجزية، إلَّا أنَّهُ لم يتمكَّن من فتح الصخرة، غير أنَّهُ فتح مدينة خيخون الأشتوريسيَّة الواقعة على ساحل بحر كنتبرية على المُحيط الأطلسي، ومن هُناك واصل تقدُّمه شرقًا في بلاد البشكنس حتَّى أدرك الثغر الأعلى ثانيةً، ولم يفتح إقليم كنتبرية المُمتد إلى الشرق من إقليم أشتوريس مُباشرةً بِفعل أنَّهُ كان في عجلةٍ من أمره لِيلحق بِمُوسى بن نُصير. وفي تلك الأثناء اقتحم مُوسى بن نُصير جُليقية وأدرك فيها مدينةً تُعرفُ أيضًا باسم «لوغو» وفتحها. وأتاه، وهو فيها، رسولٌ ثانٍ من الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمره بِالتوقُّف فورًا عن الفُتُوح والعودة إلى دمشق، بِدون أن يُتيح لهُ فُرصة فتح ما تبقَّى من إقليم جُليقية، وبخاصَّةً قسمه الجنوبي المحصور بين نهريّ مينو شمالًا ودويرة جنوبًا.