العربية  

books christian fundamentalism

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الأصولية المسيحية (Info)


ترجع بدايات الأصولية المسيحية إلى انشقاق الكنيسة إلى كنيستين شرقية وغربية وظهور العقيدة القويمة (الأرثوذكسية[؟]) في الشرق، والعقيدة الشاملة (الكاثوليكية) في الغرب. ويمكن رد الخلاف بين الكنيستين، ثم بين التيارات التي ظهرت في كل منهما في القرنين الرابع والخامس للميلاد، إما إلى مسألة الثالوث وصلة الأقانيم فيما بينها أو إلى مسألة طبيعة السيد المسيح. فقد أبت مدرسة أنطاكية أن ترى في يسوع المسيح غير إنسان حلت عليه النعم الإلهية كافة، واستبعدت التراكيب الميتافيزيقية القائلة بالإنسان الإله. وانتشرت هذه الفكرة في ديار النصرانية قاطبة ووصلت إلى الشرق الأقصى. ونشأت في مواجهة هذه التصورات «العقيدة القويمة» التي سعت إلى التوفيق بين النظرية المركزية الإلهية التي تذيب جميع الفوارق في الوحدة الإلهية وتنهي التمايزات التي لاغنى عنها لوجود المسيحية (وحدة الجوهر في اللهواختلاف الأقانيم) وهي الصيغة التي توسلها كيريلس الإسكندري ومجمع أفسس سنة 433م لإدانة نسطور. وأدت الخلافات في الغرب مباشرة أو بطريق غير مباشرة، إلى ضرورة إعادة تأسيس الكنيسة وبناء هرمها، ويعد القديس أوغسطين رائد هذا الاتجاه، فقد رأى في الكنيسة مؤسسة واجبة الوجود لتوزيع النعم الإلهية.

وعزز البابا غريغوريوس الكبير (540-604م) السلطة النهائية للكنيسة. وقد وضعت هذه «العقيدة الشاملة» العقل في خدمة الإيمان، فلا مسّوغ للعلوم، في نظرها، إذا لم تكن مفيدة لعلم الإلهيات وتفسير الكتاب المقدس وتعاليم آباء الكنيسة، وتعليم أصول العقيدة. وقالت: إن جميع المعارف والعلوم تنبثق من مصدر الحقيقة نفسه الذي انبثق منه التنزيل، وجميع المعارف والعلوم تُردُّ إلى حقائق الدين، وهذه تضمّنها الكتاب المقدس. وظل عدم التوازن بين العقل والإيمان قائماً حتى القرن الحادي عشر الذي حاول فيه القديس أنسلم (1033-1109م) إقامة نوع من التوازن بينهما. ففي نظر هذا القديس، تفرض التوراة والأناجيل والكنيسة على الإيمان عقائد محددة مثل عقائد وجود الله التجسُّد، ولا مرقاة للإنسان إليها سوى طريق النقل. ولكن متى وُجد الإيمان مال الإنسان إلى تعقُّل العقائد والبحث عن موجباتها، فالإيمان يتطلب الفهم، وفهم العقائد عن طريق النقل هو وسيط بين الإيمان المحض والمعاينة المباشرة للوجود الإلهي التي وُعد بها المصطفَوْن.

وفي القرن الثاني عشر ظهر «مصنفو الأحكام» الذين يعملون من أجل ضمان الوحدة الروحية للعالم المسيحي، وبإزائهم برزت صوفية الفكتوريين التي رأت أن المثل الأعلى للحياة الترهبية هو العزوف عن مغانم الدنيا والتنسك وصولاً إلى الكمال عن طريق الفقر والعفة والطاعة. مما وضع الكنيسة في مواجهة الرهبانية الصوفية التي تقف على النقيض منها.

في بداية القرن الثالث عشر صادق مجمع ترنت (تورنتو) عام 1215م على وجهة النظر المؤيدة لسلطة البابوات، وأنشأ محاكم التفتيش، وأجاز رهبانيات الصدقة، كرهبانية البندكتيين والفكتوريين. وفي مقابل ذلك ظهرت الحركات المناهضة التي وسمتها الكنيسة البابوية بالهرطقة واشتد نفوذها في الأوساط الشعبية واتجهت جميعها إلى نفي سلطة الكنيسة ونفوذ البابوات ورافق ذلك نوع من التحرر الاجتماعي وازدهار حركة أدبية وفكرية عملت على إحياء تراث العصور القديمة، وكانت كلها تؤذن بقدوم عصر جديد سيطلق عليه اسم «عصر النهضة».

كان القرن الثالث عشر قرن الكاثوليكية الحقة كما وصفه أوغست كونت. ففي هذا القرن اعتلى إنوشنسيوس الثالث كرسي البابوية، وأنشأ ديوان التفتيش لتطهير المجتمع من البدع والهرطقات، والحيلولة دون استقلال العلوم والفلسفة عن الكنيسة. فثَّبت رهبانيات الصدقة الفرنسسكانية والدومينكانية التي ضمت رجالاً قطعوا كل صلة لهم بالاهتمامات الزمنية، وشجع جامعة باريس وسيلة لمذهبة الحياة العقلية حول تعليم العقيدة المقدسة. وفي هذه المرحلة ظهر القديس توما الأكويني الذي حقق في عمله توازناً بين العقل والنقل، بين الفلسفة والدين[؟]، انطلاقاً من مبدأ عدم مناقضة الحقيقة لذاتها، فما من حقيقة من حقائق الإيمان يمكن أن تبطل حقيقة من حقائق العقل، وبالعكس. وقد حاول القديس توما الأكويني إعادة تأويل أرسطو مسيحياً دافعاً بالتفكير العقلي خطوة نحو الاستقلال إلى جانب اللاهوت، ومع ذلك قاوم الرشدية اللاتينية التي أدانتها محاكم التفتيش أيضاً.

أما الأصولية الإصلاحية التي أحدثت انشقاقاً جديداً في الكنيسة فقد أطلقتها دعوة مارتن لوثر (1483-1546م) الذي ميز مجال الإيمان من مجال القانون. ففي مجال الإيمان يعيش المسيحي حراً منعتقاً من كل قانون، إنه قس أو كاهن كوني، لكن هذه الحرية ليس لها أي معنى سياسي فهي روحية خالصة وداخلية. أما في مجال القانون فعلى المسيحي أن يطيع السلطة الزمنية طاعة غير مشروطة. وما دام كل مسيحي كاهنَ نفسه فلا حاجة إلى سلطة الكنيسة التي عليها أن تخلي في المجال للسلطة الزمنية. فالكنيسة الحقة هي الكنيسة الخفية ورئيسها الأعلى هو يسوع المسيح. لقد جاء الإنجيل لكل الناس، يفهمه كل مؤمن بحسب قدرته، لذا لابد من إشاعة التعليم وترجمة الكتاب المقدسإلى اللغات التي يتكلمها المؤمنون. وإن العقيدة المسيحية هي التواضع والطهارة والتقوى، والمصدر الوحيد للسيادة والتشريع الروحي وللعقائد والعبادات هو الكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) لأنه موحى به من عند الله، وليس تعاليم الكهنة. وقد ناهضت «اللوثرية»، وكذلك «الكالفنية» المتأثرة بها سلطة الكنيسة، وأكدت قداسة السلطة الزمنية، محدثة فصلاً جذرياً بين الروحي والزمني، رابطة الإيمان بالاستقامة والعمل (العمل عبادة)، فألغت نظام الرهبنة والرتب الكهنوتية وسمحت للقس بالزواج واشترطت فيهم الكفاية الثقافية واللاهوتية والسيرة الحسنة، وعدّتهم موظفين في خدمة الرعية.

استنكرت الكنيسة الكاثوليكية دعوة لوثر وحكم عليه مجمع فورمس (Worms (1521 بالطرد من الكنيسة وعده هرطيقاً، وقضى بحرمانه ومطاردة مؤيديه. غير أن اللوثرية، التي سمت نفسها «الإنجيلية» كانت تحمل في داخلها بذور انقسامها مادامت قد تركت للمؤمنين حرية تفسير الكتاب المقدس وتأويله، وما دامت قد ربطت التنظيم الاجتماعي والسياسي بالعقل البشري الذي يمكنه أن يعمل إيجابياً، من دون أن يستغني عن النظام الروحي أو يستقل عنه. لذلك تكاثرت الفرق اللوثرية (البروتستنتية) حتى بلغت عام 1648 أكثر من 180 فرقة أشهرها الانغليكانية واللوثرية والكالفنية والطهريون (البيورتانيون) والأساسيون والمنهجيون وغيرها. وتجدر الإشارة إلى أن كلمة الأصولية Fundamentalism تشير في اللغات اللاتينية إلى حركة عرفتها البروتستنتية في القرن العشرين تؤكد عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ، لا في قضايا العقيدة والأخلاق فحسب، بل في كل ما يتعلق بالتاريخ ومسائل الغيب، كقصة الخلق وولادة المسيح ومجيئه ثانية إلى العالم والحشر الجسدي وغيرها وحاولت تنزيه الكنيسة عما لحق بها من بدع.

ويلاحظ أن أهم الخلافات التي أدت إلى تعدد الفرق المسيحية كانت تدور حول مسائل من النوع الذي أدى إلى اختلاف الفرق الإسلامية كالعقل والنقل والقدرية والجبرية وحرية الإنسان وعلاقة السلطة الزمنية بالسلطة الروحية وغيرها. مما يدفع إلى القول إن الأصولية ظاهرة عالمية وتاريخية لم يخل منها دينياً[؟] من الأديان أو مذهب من المذاهب في أي حقبة تاريخية. وكما في الأصولية الإسلامية، ثمة في المسيحية أصوليات سلفية وأخرى إصلاحية مارست جميعها أو واجهت، درجات متفاوتة من العنف بحسب الأحوال التي نشأت فيها، وأبرز مثال على ذلك الحروب الدينية التي شهدها الغرب. وفي النصف الثاني من القرن العشرين برزت الأصولية الكاثوليكية التي ترى في الكنيسة «شعب الله» وتسعى إلى إقامة عالم كنسي مركزي (حاضرته الفاتيكان) وتضفي على البابا وعلى تعاليمه وتصرفاته صفة القداسة، وتغلق الباب في وجه أي حوار حول مسائل العقيدة أو الحياة الاجتماعية، وتقصر حق تفسير النصوص المقدسة على الكورية Coria البابوية ورجال الإكليروس، وتنسب إلى البابا والكرادلة والمطارنة صفة العصمة، وهي تتسم كغيرها من الأصوليات بالعودة إلى الماضي، وبالرغبة في فرض قانونها عنوةً، وبادعائها امتلاك حقيقة مطلقة وناجزة في شؤون الدين والدنيا.

تجلت هذه «الأصولية» المتشددة في موقف الفاتيكان من لاهوت التحرير في أمريكة الجنوبية بوجه خاص، حتى غدت مرادفة للاهوت الهيمنة مقابل لاهوت التحرير الذي يربط تحرير الإنسان التاريخي اجتماعياً وسياسياً بالتحرر من الخطيئة، ويضع مفهوم الخطيئة الاجتماعية (الفقر والاستغلال والاستعمار والاستبداد) مقابل مفهوم الخطيئة الشخصية (الخطيئة الأصلية)، ويقدمه عليه. ويعمل على تحرير الإيمان من الاستعمار، وعلى تنسيب الثقافة الغربية، للحفاظ على القيمة العالمية للمسيحية بوصفها ديانة شرقية استولى عليها الغرب وطبعها بطابع فلسفته وحقوقه وثقافته، وقدمها على هذا النحو إلى الشعوب الأخرى، في إطار تصوره أنه «مركز» العالم الحديث وسيِّده. وفي هذا السياق يرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر روجيه غارودي أن جميع الأصوليات غير الغربية كانت ردود فعل على أصوليات غربية قدمت نفسها بوصفها نموذج التقدم، كالأصولية الوضعية والأصولية العلمانية، أو بوصفها ذات قيمة عالمية كالأصولية الكاثوليكية. وأن الاستعمار الجديد كان نفياً للثقافات الوطنية المحلية، وكانت أصولية «الهوّية» نفياً لذلك النفي، فارتدت هي أيضاً رداء رفض شامل. وهو يرى أن مكافحة الأصولية (بالمعنى المستخدم اليوم في الإعلام الغربي) إنما تبدأ بالنقد الذاتي، وبأن يكافح الغرب أصوليته الخاصة أولاً.

لقد عانت الأمم والشعوب غير الأوربية الأصوليات الغربية التي استهدفت ثقافتها وتاريخها وهويتها الحضارية، ووجودها أحياناً، كما في القارة الأمريكية التي أبيد معظم سكانها الأصليين، وما تزال سياسة التمييز العنصري قائمة إزاء الملونين وغير الأوربيين في الولايات المتحدة الأمريكية. وعانت الأمة العربية هذه الأصوليات بدءاً من الحروب الصليبية وصولاً إلى حركة الاستعمار التي بدأت بحملة نابليون على مصر (1798م) وما رافقها من بعثات «تبشيرية» ومحاولات فرض الثقافة واللغة ونمط الحياة الغربية عليها إضافة إلى الصهيونية وأطماعها في الأرض العربية. و«الأصولية» في كل مكان وزمان تستثير «الأصولية» المضادة وتغذيها. والغرب هو أول من جعل من الأصولية غطاء أيديولوجياً، أو قناعاً لسياسة الاستعمار والهيمنة، وللعنف السياسي وإرهاب الدولة بوجه خاص.

Source: wikipedia.org