If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أن مسرحية أنتيغون تناقش في داخل حبكتها قضية معقدة ، ليس من السهل حسمها بوجهة نظر فردية أو من خلال تفسير أحادي ، ذلك أنها تتميز بثنائية البناء القائمة علي التقابل بين شخصيات متعارضة ، كما أنه لا سبيل إلي المصالحة في الصراع الذي قام داخلها بين أنتيغون وكريون.
و هذه الثنائية تقوم علي المواجهة أو التقابل بين الشخصيات ، فهناك خصمين لدودين " كريون ، أنتيغون " ، و أختين مختلفتين " أنتيغون ، إسميني " ، و أخوين عدوين " إتيوكليس ، بولينيكيس " و ينقسم هؤلاء إلي فريقين متضادين ، الأحباء في مواجهة الأعداء ، و هذا هو التضاد الذي أسس علي الإغريق كل أفكارهم الأخلاقية والسياسية . و في الوقت نفسه نجد أن الصراع بين الاحباء والأعداء يدور علي مستوي كل من الأسرة والدولة ، بحيث تنظر أنتيغون إلي اعتبار المحبة والعداوة إلا في نطاق الأسرة وحدها ، في حين يقصر كريون هذه الاعتبارات نفسها علي نطاق الدولة دون أن يأبه بالأسرة
يركز سوفوكليس في معظم مسرحياته علي الفعل الدرامي أكثر من الشخصية وبهذا فهو يلتقي مع نظرة أرسطو والتي يري بها أن الدراما هي الفعل وليست الشخصية وأن لو وجدت الشخصية دون فعلها لما قامت الدراما . و من ثم فإن خطة سوفوكليس ومنهجه الدرامي لا يستدعيانه أن يضع علي خشبة المسرح شخصية محورية تكون بمثابة البطل ، بحيث تستولي علي الاهتمام ، و تحتل مكان الصدارة منذ بداية المسرحية حتي نهايتها ، لكنه يستخدم في الموقف الدرامي الذي يعالجه الشخصيات الكفيلة بتصعيد المشكلة حتي ذروتها بغض النظر عن وجودها الدائم علي المسرح .
ان الصراع في مسرحية أنتيغون يدور بين إرادتين حازمتين عنيدتين ، ترتكز كلاهما علي وجهة نظر مختلفة ، يعقد صاحبها اعتقادا جازما أنها الأصوب ، لكن لكل إرادة منهما تصر علي موقفها بتهور وفردية ، حتي النقطة التي تصطدم فيها مع الطرف الآخر صداما لا سبيل فيه إلي المصالحة . و كان هذا الصدام حتميا لأن كل طرف منهما يتميز بالوعي الزائد بالنفس ، و العناد المتأصل الذي يدفع صاحبه إلي تجاهل وجهة نظر المعارضة تماما ، و إلي التعامي عن مزاياها ، بل إنه يرفض أن يري فيها المزايا أو أن يناقش هذه المزايا بموضوعية لو وجدت .
و بسبب هذا الصدام -لابسبب كون الموقف صحيحا أو خاطئا- تقع الكارثة علي الطرفين ، فتلقي أنتيغون حتفها ، و يظل كريون علي قيد الحياة ليتعذب بمصارع من يحبهم ، و يقف علي المغزي بعد أن تتزاح الغشاوة عن بصره ولكن بعد فوات الأوان .
سبب المشكلة بالمسرحية هو الموت وكذلك هو أساس الصراع ، كذلك فكرة لختيار الإرادة بين البدائل ، اتفق معظم النقاد علي أن كريون هو الشخصية التي ينطبق عليها قانون الإثم الأرسطي ، فهو الذي تجاوز الحدود بانتهاكه حرمة الدفن بإرسال نفس حية إلي حتفها دون جريرة ، لذا كان حضوره علي المسرح مستمرا حتي ختام المسرحية من أجل أن تستمد المغزي مما حاق به من مصير.
يعلم سوفوكليس أن هناك قضايا معقدة ليس للإنسان مهما بلغ من الحكمة أن يفرد فيها برأي ، و ذلك بسبب كونها قضايا ذات طبيعة تركيبية خاصة ، تجمع بين ما يخص البشر وما يخص الآلهة في وقت واحد. إن هدف سوفوكليس هو أن يجعلها نتأرجح في الحكم علي أفعال الشخصيات تبعا لتصرفاتها وردود أفعالها : ففي مبدأ الأمر نصدم مع الجوقة حينما نري مسلك أنتيغون ، و خشونة طبعها . في حين نميل إلي الإعجاب بكريون بعقلانيته ومنطقه المحكم ، لكننا تدريجيا نشعر بالأسي ، و نتعاطف مع الفتاة التعسة ، حتي مع تسليمنا بتجاوزها ، و نحس في الوقت بأن منطق كريون المحكمة ينطوي علي تجاهل للمشاعر الإنسانية وللقوانين الإلهية
غير ان سوفوكليس بهذه المسرحية لا يدين بقدر ما يعلق ، و لا يبرر بقدر ما يقسر ، بوصفه فنانا دراميا يعرف أكثر من سواه أن مجاله هو عرض المشكلة بأمانة وواقعية و ليس مجرد إصدار الأحكام