If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ولعل من دلائل التغيير الذي خضعت له المجتمعات البدائية، ذلك التعقيد الشديد الذي يميز بعض مؤسساتها، والذي لا يمكن مقارنته أحيانا بما لدی المجتمعات المتقدمة. فنظام القربی مثلا، لدى الأمريكيين من أهل المجتمع الصناعي المعقد، هو نظام شدید البساطة ولا يقارن بنظام القربي الشديد التعقيد لدى سكان أستراليا الأصليين. وهناك أنظمة سياسية عالية التنظيم لدى بعض الشعوب الأفريقية، كما هو الحال في داهومي وأوغندا. وفيما يتعلق بالناحية الدينية، فإن تعقد الحياة الدينية لدى الثقافات البدائية، لا يقارن أبدا بالحياة الدينية المسطحة لدى شعوب المجتمعات الصناعية الحديثة. يقول أحد الباحثين في الديانات الأفريقية:
وفي الواقع، فلقد كان لدى رواد الأنثروبولوجيا الحديثة بعض الحق في توجههم إلى المجتمعات البدائية في معرض بحثهم عن الأصول والبدايات، وذلك بسبب قلة المعلومات التي كانت متوفرة حتى ذلك الوقت عن عصور ما قبل التاريخ. أما الآن وبعد ازدياد معلوماتنا عن تلك العصور بما يكفي لأن تدرس بذاتها وبشكل مباشر، فإن الوثائق الجديدة المتوفرة لدينا هي التي يجب أن تستنطق وتستجوب أولا، في أي معرض للحديث عن طفولة الجنس البشري الإنساني وثقافاته الأصلية، وبعد ذلك يمكن إجراء التقاطعات بين ما تعطيه هذه الوثائق من شهادات وبين معلوماتنا المباشرة عن المجتمعات البدائية.
غير أن مما يؤسف له، أن تزايد الوثائق المادية عن ثقافات العصر الحجري، قد رافقه أفول النجم الأنتروبولوجيا النظرية ودراساتها الطموحة ذات الطابع الشمولي، وتحول العلماء إلى الدراسات الميدانية ذات الطابع التفصيلي، والتي ينتج عنها تقارير ملأى بالمعلومات المدققة عن الحياة اليومية للجماعات المدروسة. كما غلب على هذه الدراسات توجهها إلى العلاقات والمظاهر المادية من دون الاهتمام بالوسط الفكري لتلك الجماعات.
وهكذا لم تجد المعلومات المتزايدة عن ثقافات العصر الحجري الاهتمام الذي كانت ستلقاه لو أنها ظهرت قبل قرن من الآن. ففيما عدا الملاحظات التي يدونها علماء الآثار الذين يشعرون بضرورة وضع تفسيرات أولية للقاهم الأثرية في مواقع الإنسان القديم، وهي ملاحظات غير منتظمة في بنية شمولية، فإن الوسط الفكري للثقافات الأصلية لم يلق ما يستحقه من عناية واهتمام. ومع ذلك ينبغي أن نعترف بفضل عدد من الباحثين الذين قدموا مساهمات قيمة في محاولة لفهم الحياة الروحية لثقافات العصور الحجرية، ومن أبرزهم لوروا غورهان في كتاب «ديانات ما قبل التاريخ»، وجاك كوفان في كتابه «ديانات العصر الحجري الحديث» الذي استمد مادته من وثائق مواقع العصر النيوليتي في سورية، إضافة إلى عمل ب.م. غوف التوثيقي الهام والذي اقتصر على منطقة وادي الرافدين وعنوانه «رموز إنسان ما قبل التاريخ في وادي الرفدين». وذلك إضافة إلى المؤلفين الأفاضل الذين ترجمنا لهم في هذا الجزء الأول من موسوعتنا هذه، رغم ما تميزت به دراساتهم من حذر علمي شديد، وخوف من التعميم.