If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في سنة 32 هـ، وقع سكان قبرص تحت ضغط رومي أجبرهم على إمداد جيش الروم بِالسُفُن لِيغزوا بها بلاد المُسلمين، وبذلك يكون القبارصة قد أخلُّوا بِشُرُوط الصُلح، وعلم مُعاوية بِنقض أهل قبرص للصلح، فعزم على الاستيلاء على الجزيرة ووضعها تحت سُلطان المُسلمين، فاتفق مُعاوية مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح - والي مصر حينئذٍ - أن يلقاه من الجانب الآخر من الجزيرة، فهجم عليها جيش مُعاوية من جهة وعبد الله بن سعد من الجانب الآخر، فقتلوا خلقًا كثيرًا، وسبوا سبيًا كثيرًا وغنموا الغنائم، فاستسلم حاكم قبرص وطلب الصلح، فأقرَّهم مُعاوية على صُلحهم الأوَّل، وخشى مُعاوية أن يتركهم هذه المرة بغير جيشٍ يُرابط في الجزيرة فيحميها من غارات الأعداء ويضبط الأمن فيها حتَّى لا تتمرَّد على المُسلمين، فبعث إليهم اثني عشر ألفًا من الجُنُود، ونقل إليهم جماعة من بعلبك، وبنى هُناك مدينة، وأقام فيها مسجدًا، وأجرى مُعاوية على الجُنُود أرزاقهم. وكان أهل قبرص ليس فيهم قُدرات عسكريَّة وحاميتهم ضعيفة، وهم مُستضعفون أمام من يغزوهم، قال إسماعيل بن عيَّاش: «أَهلُ قِبرِص أَذِلَّاء مَقهُورُون يَغلِبُهم الرُّومُ عَلَى أَنفُسِهِم وَنِسَائِهِم، فَقَد يَحِقُّ عَلَينَا أَن نَمنَعَهُم وَنَحمِيهُم».
ولما جيء بِالأسرى جعل أبو الدرداء الأنصاري يبكي، فقال له جبير بن نفير: «أَتَبْكِي وَهَذَا يَوْمٌ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟» فقال: «وَيْحَكَ إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ أُمَّةً قَاهِرَةً لَهُمْ مُلْكٌ، فَلَمَّا ضَيَّعُوا أَمْرَ اللَّهِ صَيَّرَهُمْ إلى ما ترى، سلط الله عليهم السبي، وإذا سلط على قوم السبي فَلَيْسَ للَّه فِيهِمْ حَاجَةٌ، وَقَالَ مَا أَهْوَنَ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِذَا تَرَكُوا أَمْرَهُ؟!»
وأثناء تقسيم الغنائم، مر رجلان يسوقان حمارين، فقال لهما عبادة بن الصامت: «مَا هَذان الحِمَارَان؟» فقالا: «إِنَّ مُعَاوِيَةَ أَعطَانَاهُمَا مِنَ المَغنَمِ، وَإِنَّا نَرجُو أَن نَحِجَّ عَلَيهِمَا»، فقال لهما عبادة: «لَا يِحِلُّ لَكُمَا ذَلِكَ وَلَا لِمُعَاوِيَةَ أَن يُعطِيكُمَا»، فرد الرجلان الحمارين على مُعاوية، وسأل مُعاوية عبادة بن الصامت عن ذلك فقال عبادة: «شَهِدتُ رَسُولَ الله في غزوة حنين وَالنَّاسُ يُكلِّمُونَهُ في الغَنَائِم فَأَخَذ وَبَرَةً مِن بَعِيرٍ وَقَالَ: "مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيكُم مِن هَذِه الغنائم إلَّا الخُمُس، وَالخُمسُ مَردُودٌ عَلَيكُم" فَاتَّقِ الله يَا مُعَاوِيَة وَاقسِم الغَنَائِمَ عَلَى وَجهِهَا وَلَا تُعطِ مَنهَا أَحدًا أَكثَرَ مِن حَقِّه»، فقال له مُعاوية: «قَد وَلَّيتُكَ قِسمَة الغَنَائِم لَيسَ أَحَدٌ بِالشَّامِ أَفضَلُ مِنكَ وَلَا أَعلَم، فَاقسِمهَا بَينَ أَهلِهَا وَاتَّقِ الله فِيهَا»، فقسَّمها عبادة بين أهلها وأعانه أبو الدرداء الأنصاري وأبو أمامة الباهلي.