If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ذهب ابن جبير إلى عكا ليستقل سفينة مبحرة إلى صقلية، وكان معه عدد من المسلمين ومجموعة من الفرنج "والنصارى المعروفين بالبلغريين" من حجاج بيت المقدس، "وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الفرنج". وصادف وهم في السفينة حلول أحد اعياد المسيحين فاحتفلوا بمناسبته وأسرجت الشموع وصلى بهم القساوسة ووعظوهم بشرائع دينهم.
وحدث أن مات اثنتان من المسلمين ومثلهما من "البلغريين" وتبعهم بعد ذلك خلق كثير، وقد ورث هؤلاء الموتى "رئيس المركب؛ لأنها سنة عندهم؛ إذ لا سبيل لوارث من ميراثه"، وبعد رحلة استغرقت اربعاً وثلاثين يوماً، لا تقل أخطارها عن سابقاتها، وصلوا إلى جزائر "الرمانية" وظلوا أربعة ايام حيث جدد الركاب الماء والزاد وباعهم أهل الجزيرة الخبز واللحم والزيت بأثمان عالية بالرغم من أن الخبز "لم يكن براً خالصاً، وإنما كان خليطاً بالشعير يضرب للسواد".
وبالقرب من مسينا كادوا أن يغرقوا لولا إغاثة ملك صقلية "غليام" لهم، إذ اشرف بنفسه على عمليات الإنقاذ، كما أمر الملك ـ الذي يقرأ ويكتب العربية ـ بدفع أجرة نقل فقراء المسلمين من المركب إلى البر.
وفي بلارمة ـ حاضرة صقلية ـ يصادف عيد الميلاد، ويحتفل به الناس رجالًا ونساءً، ويلاحظ ابن جبير ان زي "النصرانيات [مثل] زي نساء المسلمين، فصيحات الألسن، ملتحفات، متنقبات خرجن في هذا العيد، وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائعة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الأخفاف المذهبة وبرزن.... حاملات جميع زينة نساء المسلمين".
وبعد سفر دام سبعة أيام وصلوا مدينة "اطرابنش"، وصادف وجوده فيها حلول عيد الفطر، الذي احتفل المسلمون من اهلها به، وخرجوا إلى الجامع "بالطبول والبوقات" بحرية تامة دون مضايقة من سكانها النصارى.
ظل ابن جبير مع خمسين رجلاً من المسلمين في جزيرة "اطرابنش" أيامًا تزيد على العشرة، بانتظار ملاءمة الريح لسير السفينة. وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة أقلعوا بثلاث سفن،وبعد مخاطر وأهوال رست سفنهم بجزيرة خالطة ثم أقلعت إلى قرطاجنة، ومنها إلى الأندلس، حيث ألقى ابن جبير في النهاية عصاه في غرناطة.