If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
الزرنيخ هو عنصر كيميائي رمزه As وعدده الذرّي 33؛ ويقع ضمن عناصر الدورة الرابعة وفي المجموعة الخامسة عشر (المجموعة الخامسة وفق ترقيم المجموعات الرئيسية) في الجدول الدوري، وهو يقع في المرتبة الثالثة في مجموعة النتروجين. يصنّف الزرنيخ كيميائياً ضمن أشباه الفلزّات؛ وتوجد منه متآصلات (أشكال) مختلفة في الطبيعة، ولكن الشكل الأكثر شيوعاً وأهميّةً بالنسبة للصناعة هو الشكل الرمادي. يندر العثور على الزرنيخ على العموم بشكله العنصري الطبيعي؛ ولكنّه بالمقابل يدخل في تركيب العديد من المعادن، وذلك غالباً مع الكبريت في معادن الكبريتيدات.
عُرف الزرنيخ ومركّباته منذ التاريخ القديم، وانتشرت المعارف المتعلّقة به في مختلف الحضارات. يُعدّ الزرنيخ من العناصر السامّة، ولا يعرف له دورٌ حيويٌّ بالنسبة للبشر؛ وهو يوجد بآثارٍ ضئيلةٍ طبيعياً في الجسم. تؤدّي زيادة التركيز من الزرنيخ اللاعضوي إلى التسمّم؛ حيث يقوم هذا العنصر بدور مكسّر ومطفّر للكروموسومات (الصبغيات) في الجسم.
يشيع استخدام الزرنيخ في الصناعة، وخاصّةً في إشابة أشباه الموصلات في الصناعات الإلكترونية؛ بالإضافة إلى استخدامه في تحضير مركّب زرنيخيد الغاليوم، الذي له تطبيقات مهمّة في مجال الكهرضوئيات؛ كما يدخل الزرنيخ في تركيب السبائك مع الرصاص؛ وكذلك في صناعة المبيدات وفي إنتاج مستحضرات حفظ الخشب؛ إلّا أنّ التطبيقات الأخيرة في تناقص، بسبب سمّيّة الزرنيخ ومركّباته؛ بالإضافة إلى خطر تلوّث المياه الجوفية.
عُرفت كبريتيدات الزرنيخ (مثل الرهج الأصفر ورهج الغار) وأكاسيده منذ القدم، وكانت لها تطبيقات مختلفة. كما كان الزرنيخ يُمزَج أحياناً مع البرونز خلال العصر البرونزي، ممّا كان يجعل السبيكة أكثر صلابةً (وهي تعرف حالياً باسم البرونز الزرنيخي). حوالي 300 سنة قبل الميلاد وَصفَ زوسيموس من بانوبوليس كيفية تحميص رهج الغار «sandarach» للحصول على «سحابة من الزرنيخ» (ثلاثي أكسيد الزرنيخ)، والتي استحصل منها على الزرنيخ الرمادي بتفاعل اختزال. وقبل سنة 815 للميلاد؛ وصف جابر بن حيان كيفية فصل وعزل الزرنيخ بشكل مفصّل، كما تمكن ألبرتوس ماغنوس لاحقاً سنة 1250 من وصف عملية فصل عنصر الزرنيخ من تسخين ثلاثي كبريتيد الزرنيخ. عرف الصينيون الآثار السامّة للزرنيخ، حيث وصفت موسوعة بنتساو كانغمو في القرن السادس عشر الميلادي استخدام الزرنيخ ومستحضراته مبيداتٍ للآفات في حقول الأرز. لم تكن في البداية أعراض التسمّم بالزرنيخ موصوفةً بالدقّة الكافية، لذلك انتشرت في التاريخ حالات القتل المتعمّد بالزرنيخ، إلى أن طُوّرت اختبارات الكشف، وأشهرها وأكثرها حساسية هو اختبار مارش. نظراً لشيوع استخدام الزرنيخ في حالات القتل في العائلات المالكة أثناء التنازع على العرش، ونظراً لسمّيته الشديدة وسهولة إخفائه، فقد أطلق عليه اسم «سمّ الملوك» وكذلك «ملك السموم».
كان يوهان شرودر من أوائل من نشر عن هذا العنصر في العصور الحديثة، حيث نشر سنة 1649 أسلوبين للحصول على الزرنيخ. يعدّ سائل كاديت المدخِّن أوّل مركّب عضوي فلزّي جرى تحضيره بشكل مصطنع، وذلك سنة 1760 من الكيميائي لوي كلود كاديت دي غاسيكو، عند قيامه بمفاعلة أسيتات البوتاسيوم مع ثلاثي أكسيد الزرنيخ. منح بيرسيليوس العنصر الرمز As سنة 1814 من الاسم الإغريقي للعنصر «Arsenikós». كان أبيض الزرنيخ (أكسيد الزرنيخ) في العصر الفيكتوري مستخدماً ضمن مستحضرات التجميل، حيث كان يُظنُّ أنّ دَعكَه على البشرة يؤدّي إلى تحسينها؛ كما شاع استخدام أبيض الزرنيخ في تحضير الخُضُب، حيث كان يضاف من أجل زيادة النصوع. من الخُضُب الزرنيخية التي شاع استخدامها في البداية منذ اكتشافها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كلٌ من أخضر باريس وأخضر شيله؛ ولكن مع انتشار المعارف عن سمّيّة الزرنيخ قَلَّ انتشار استخدامها لغرض التلوين؛ ولكن بالمقابل بدأ منذ أوخر القرن التاسع عشر استخدام الزرنيخ ومركّباته في تحضير المبيدات، مثل مركّب زرنيخات الكالسيوم (زرنيخ الجير) وزرنيخات الرصاص الهيدروجينية (زرنيخ الرصاص)، قبل أن تُطَوَّر طرقُ تحضير المبيدات العضوية لاحقاً، مثل DDT سنة 1942.
على العموم فإنّ عنصر الزرنيخ قليلُ الانتشار في غلاف الأرض الصخري؛ وهو من العناصر المحبّة للسيليكات حسب تصنيف غولدشميت، حيث يكون تركيزه أكبر بالقرب من سطح الأرض من باطنها. يكون تركيز الزرنيخ في القشرة الأرضية قريباً من وفرة عنصرَي اليورانيوم والجرمانيوم؛ وذلك بمقدار حوالي 1.5 جزء في المليون (0.00015%) وسطياً من تركيبها، وهو بذلك يقع في المجال الأوسط بين العناصر الكيميائية من حيث ترتيب الوفرة فيها. يمكن أن يُعثَر على الزرنيخ في الطبيعة نتيجةً للثورات البركانية التي تنشر أكسيد الزرنيخ الثلاثي على شكل هباءٍ جوّي؛ ولكن لا تتجاوز تراكيز الزرنيخ الوسطية في الهواء مقدار 3 نانوغرام/م3 في الجوّ، و100 مغ/كغ في التربة، و10 ميكروغرام/الليتر في الماء العذب.
يمكن أن يُعثَر على الزرنيخ بشكله العنصري الحرّ في الطبيعة، فهو بذلك من المعادن وفق تصنيف الجمعية الدولية للمعادن؛ لكن ذلك نادر الحدوث ومحدود الانتشار، إذ حتى سنة 2011 سُجّل فقط 330 موقعاً جغرافياً حاوياً على الزرنيخ العنصري الحرّ. بشكلٍ أكثر شيوعاً يدخل الزرنيخ في تركيب عددٍ معتبَرٍ من المعادن، وذلك غالباً على شكل معادن الزرنيخيد أو معادن الزرنيخات؛ وكذلك بشكلٍ كبيرٍ مع معادن الكبريتيدات ومعادن أملاح السلفو. على العموم هناك حوالي 565 معدناً معروفاً للزرنيخ.
من الأمثلة النمطية لمعادن الزرنيخيدات كلٌّ من معادن لولينغيت FeAs2 وألغودونيت Cu6As ودوميكيت Cu3As، وسكوتيروديت CoAs3. تعدّ المعادن من النمط MAsS واسعة الانتشار، مثل معادن أرسينوبيريت FeAsS وكوبالتيت CoAsS وغيرسدورفيت NiAsS. من الأمثلة الأخرى الأخرى المعروفة لمعادن الزرنيخ كلٌّ من رهج الغار As4S4 والرهج الأصفر As2S3، وأرسينوليت As4O6 وإينارغيت Cu2CuAsS4 وبروستيت Ag3AsS3 وراملسبيرغيت NiAs2 وسافلوريت CoAs2 وسبيريليت PtAs2. غالباً ما توجد معادن الزرنيخات بالترافق مع معادن الفوسفات. يوجد هناك أيضاً عددٌ من أشكال عضوية مختلفة للزرنيخ في الطبيعة.
يُستحصَل على هذا الفلز من إجراء عملية تحميصٍ للمعادن الحاوية على الزرنيخ، خاصّةً معدن أرسينوبيريت بغياب الهواء، ممّا يؤدّي إلى تسامي الزرنيخ العنصري تاركاً وراءه أكاسيد الحديد؛ ثمّ بإعادة تكثيفه مرّةً أخرى للحصول على الطور الصلب منه:
يمكن الحصول على الزرنيخ ناتجاً ثانوياً أثناء تنقية بعض الفلزّات، مثل النحاس بشكلٍ أساسيٍّ، بالإضافة إلى الذهب والرصاص؛ وذلك بإجراء اختزال حراري لأكسيد الزرنيخ الثلاثي As2O3 بوجود فحم الكوك أو الحديد. يُنقّى الزرنيخ من الشوائب المرافقة مثل الكبريت والكالكوجينات الأخرى بالمعالجة الحرارية تحت الفراغ (وسط مخلّى من الهواء)، أو في جَوٍّ من الهيدروجين، أو بتقطير مصهور مزائج الزرنيخ مع الرصاص. في الأسلوب الأخير المذكور يقوم الرصاص بانتزاع الكبريت من خامات الزرنيخ ويتشكّل كبريتيد الرصاص في حين يتسامى الزرنيخ ويفصل عن المزيج، ويُستحصَل بذلك على درجة نقاوة 99.999%؛ لكنّ ذلك ليس كافياً لتطبيقاتٍ حسّاسةٍ مثل صناعة أشباه الموصلات، حيث يجب أن تكون النقاوة مرتفعة جدّاً إلى درجة 99.99999%؛ وللوصول إليها يتمّ على سبيل المثال إجراء اختزال بالهيدروجين لمركّب كلوريد الزرنيخ الثلاثي المعادِ تقطيره عدّةَ مرّات:
يمكن أيضاً الحصول على الزرنيخ مرتفع النقاوة من تشكيل مركّب الأرسين AsH3؛ ثمّ بتسخينه إلى درجات حرارة حوالي 600 °س، حيث يتفكّك حرارياً إلى مكوّناته العنصرية من الزرنيخ والهيدروجين.
تعدّ الصين (وفق إحصائيات سنة 2014) أكبرَ منتجٍ للزرنيخ في العالم، وذلك وفق بيانات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية؛ ومن الدول ذات الإنتاج المعتبَر من الزرنيخ كلٌّ من المغرب وروسيا وبلجيكا، بالإضافة إلى دول أمريكا الوسطى والجنوبية مثل بوليفيا وتشيلي والمكسيك والبيرو.
يُصنّف عنصر الزرنيخ ومركّباته اللاعضوية مثل ثلاثي الأكسيد ضمن المواد السامّة حسب توجيهات الاتحاد الأوروبي للمواد الخطرة (67/548/EEC)؛ كما تُصنِّفُ الوكالة الدولية لبحوث السرطان تلك الأنواع الكيميائية ضمن القائمة الأولى من المسرطنات. إذ يعمل الزرنيخ الثلاثي على الإخلال بعمليّة ترميم الدنا وبعملية توصيل الإشارة، بالإضافة إلى تعطيل عمل الجينات الكابتة للورم. تأتي سمّيّة الزرنيخ من إلفة الزرنيخ الثلاثي اللاعضوي تجاه ذرّة الكبريت في الثيول، وهي مجموعة وظيفية تأتي في النهايات الطرفية للحمض الأميني سيستئين، وفي تركيب عوامل مرافقة حيوية مثل حمض الليبويك ومرافق الإنزيم-A، والتي تتوضّع في المواقع النشطة الفعّالة في ع