اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تساءل محمد بنيس، منذ بداياته في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عن وضعية الشعر بالعربية في المغرب الحديث، والعلاقة بين الشعر واللغة. وهو السؤال الذي أصبح علامة على مساره الشعري والثقافي، منذ الأعداد الأولى من مجلة الثقافة الجديدة. وقد تحول مع الزمن إلى سؤال جذري، يتسع ليشمل الشعر و الثقافة و الحداثة و الحرية ، ما دام السؤال يفتح الطريق نحو كل من النقد والمغامرة. مع ذلك، فإنه كثيراً ما ألح على الابتعاد عن الاعتقاد بان موقفه هذا صادر عن التشاؤم، حسب ما توحي به تأويلات تناهض السؤال. ويتضح الإلحاح في العديد من كتاباته، منها ما جاء في تقديم كتاب الحداثة المعطوبة : "لا أقصد من ذلك أنني متشائم. لا. إنني متسائل.".
لقد كان محمد بنيس يدرك أيضاً، منذ تلك البدايات، أن الشعر بالعربية في المغرب الحديث مخنوق بتقليدية ضاغطة. أما الشعر المغربي المكتوب بالفرنسية فكان ينطلق، آنذاك، في اتجاهات مفاجئة من النقد والمغامرة. على أن موقفه من اللغة يختلف عن موقف الكتاب المغاربيين الفرنكفونيين. ولأن الشعر في رأيه محايث للغة، فهو يتشبث بالعربية، لغة موروثه الثقافي، دون أن يكون تشبثه هذا مستنداً إلى حماسة إيديولوجية أو أسطورية. إنه لا يعتقد أن الفرنكفونية مؤهلة للجواب عن أسئلة التحديث في المغرب، بل يرفض السياسة الفرنكفونية (التي تمثل بالنسبة له شكلا للعولمة الاستعمارية)، فيما هو يحافظ على صلته باللغة الفرنسية ويخصها بالاعتبار، إذ أنه ينظر إليها بما هي مكان ثورة شعرية تعطي لغته العربية قوة ذات قيمة عليا.
من هنا جعل من تحديث اللغة العربية في المغرب المهمة الأسبق، في كل عملية تقصد تحديث شعر وثقافة. ويعني تحديث اللغة لديه، بالدرجة الأولى، تحريرها من هيمنة التقليد، الذي يضغط على المجتمع وذهنيته. ويصل تحديث اللغة في الشعر أعلى درجات الكثافة، إذ أنه ينقل اللغة من الوضوح إلى الغموض، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن الممكن إلى المستحيل. هكذا يولي محمد بنيس، في أعماله المختلفة، أهمية خاصة لقضايا تحديث اللغة وحرية التعبير، معتمدا في ذلك على القيم الأساسية للحداثة. فقد كان منذ شبابه يتبع، لأجل بلوغ هذا الهدف، أثر الشعراء الذين عاشوا من أجل تحديث لغتهم وقصيدتهم، وجعلوا من الحياة الإنسانية، في أسرارها كما في قلقها وإشراقاتها، فضاء الكتابة.
وبإنصاته لإبدالات الزمن، استطاع محمد بنيس أن يعمق، منذ التسعينيات من القرن الماضي، موقفه من الصلة بين الشعر واللغة. لقد لاحظ مع العولمة، التي أخذت في الظهور منذ نهاية القرن العشرين ، أن أبرز مخاطرها يتمثل في هجران الشعر. وقد استدعته الملاحظة إلى أن يتتبع، عن قرب، التهديد الذي يتعرض له الشعر. إن "هجران الشعر، اليوم، هو هجران اللغة قبل كل شيء. هجران متعدد، تتضاعف التباساتهُ، مثلما يتعذر التمييز فيه بين زمن العولمة وبين الشعر.". وقد أتى، من أجل مقاومة هجران الشعر، بفكرة "استئناف الوعد"، ليواجه بصيغة إيجابية ما تشجع عليه العولمة من الاستغناء عن كل من الشعر واللغة: "إن استئناف الوعد، بما هو فكرةٌ شعرية ضرورية لكل وجود إنساني، تتقدم، اليوم، انطلاقاً من إقامة القصيدة في لانهائي اللغة ومجهولها.". وبهذا المعنى، فإن القصيدة تسهر على اللغة. فـ"مصير القصيدة، مصير الكلام. كلٌّ منهما يصاحب سواه، في زمن يعرّضُ الكلام للانقطاع عن نفسه، عن الذات وعن الآخر، عن المستقبل.". ويضيف، في مكان آخر، موضحاً معنى مسؤوليته كشاعر تجاه ما يفعله زمن العولمة بكل من الشعر واللغة: "وأن أترك الكلمات تتكلم بلانهاية دلالتها ومجهولها هو مسؤوليتي تجاه الزمن الذي أعيش فيه. مقاومة تكادُ تتوارى خلفَ خطابات تنفي الشعر وتنفي اللغة وتنفي الحوار بين الثقافات والحضارات.".