English  

كتب التأويل الاعتزالي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

التأويل لدى المعتزلة (معلومة)


أراد المُعْتَزِلة وهم الفرقة المعروفة من فرق علم الكلام، أن يُبعدوا عن الله تعالى كل ما يُوهِم التَّجسيم أو التَّشبيه، وأن يؤكدوا وحدانيته من كل وجه، وعدله وحرية المرء في أعماله؛ ليكون مسئولًا حقًّا وعدلًا عنها، وأن يبعدوا الخرافات والأَسَاطير عن الدين، ومن ثم صرفوا كثيرًا من الآيات عن مَعَانيها الحَرْفِيَّة الظاهرية إلى معانٍ أُخرى مَجَازية، واستعانوا في هذه السبيل الوعرة الشاقة بالقرآن نفسه في آيات أخرى وباللغة يجدون بها ما يُسَاعدهم في تقرير المعاني التي يرونها.

ومِنْ أَجل ذلك نجد بينهم وبين فيلون وابن ميمون تشابهًا كبيرًا من ناحية الغاية من التأويل من بعض النواحي، وإن كان المُعتزلة لم يكن من هدفهم أن يعملوا لإظهار اشتمال القرآن على أمهات الأفكار والآراء الفلسفية اليونانية، كما كان صنيع المتقدمين.

ومن الميسور أن نأتي بمُثل كثيرة لتآويل المُعتزلة في القرآن، ولكن نرى أنَّ هَذا ليس ضروريًّا هنا؛ إذ لا يتَّصِل اتصالًا كبيرًا بموضوع عملنا الأصلي، ويكفي أن نَذْكُر أنَّه يمكن الرجوع في ذلك إلى:

«محاضرات» الشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر المتوفى سنة 436ه.

«الكشاف» لمحمود بن عمر الزمخشري الذي جاء بعد سابقه بقرن من الزَّمان، ويُعتبر هذا الكتاب المثل الأعلى للتفسير الاعتزالي.

ومع أنَّ هذا الكتاب كله تآويل اعتزالية؛ فلا ضرورة للإشارة إلى مواضع مُعَيَّنة منه، ولكن مع هذا نُشِيرُ إلى تأويله لهذه الآيات من باب التمثيل:

  • الآية 255 من سورة البقرة:  اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ   
  • الآية 18 من سورة آل عمران:  شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ   
  • الآية 129 من سورة آل عمران:  وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ   
  • الآية 172 من سورة الأعراف:  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ   
  • الآية 72 من سورة الأحزاب:  إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا   
  • الآية 11 من سورة فصلت:  ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ   

إلى غير ذلك من الآيات التي لا تكاد تُحصر، والتي سلط عليها المعتزلة التأويل بكل سبيل، وذلك لتتفق معانيها في مذهبهم المعروف.

على أنَّه مع هذا ما ينبغي لنا — وقد أشرنا إلى هذا آنفًا — أن نقول بأنَّ المعتزلة بما أوَّلوا من آيات القرآن تأويلًا مجازيًّا، كانوا يُريدون أن يُظهِروا ما رأوه حقًّا من فلسفة اليونان في القرآن، كما كان الأمر بالنِّسبة إلى صنيع فيلون الإسكندري، وابن ميمون الأندلسي في التوراة.

وكذلك ليس لنا أن نقول بأنهم تأثَّروا بهذين المُفكرين اليهوديين في طريقة التأويل، وإن كان الشبه غير قليل بين طريقة الأولين وطريقة المعتزلة. كل ما في الأمر على ما نعتقد أنَّ المسألة كما ثارت في اليهودية والمسيحية، وضعت كذلك بالنسبة للإسلام، أي إنه يجب تنزيه الله تعالى عن كل ما يُوهم أنَّ له شبهًا كثيرًا أو قليلًا بالإنسان، ومعنى هذا تنزيهُه عن الصفات الجسمية والعواطف البشرية، كأن يكون له وجه أو يدان أو عينان أو قدمان، أو يكون له حركة وينتقل من مكان إلى آخر، أو أن يحس ما يحسه الإنسان من الغضب والمكر والفرح ونحوها من الإحساسات والعواطف البشرية.

ولكن القرآن وكذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، اشتملا على نصوص كثيرة تُشير إذا أخذت حرفيًّا إلى التجسيم والتشبيه، وما يكون من ذلك من الصفات والعواطف والإحساسات البشرية؛ فيجبُ إذن صرفها عن معانيها الظاهرية الحرفية إلى معانٍ أُخرى مجازية، وبخاصة أنَّ القرآن نفسه استعمل التمثيل أحيانًا في تفهيمنا ما يُريد.

ومن ذلك قوله تعالى (سورة البقرة: 28):  إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ    وقوله تعالى (سورة الحشر: 21):  لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ   

على أنَّ المسألة وإن اتخذت نفس الوضع لدى كثير من رجال الديانات الثلاث؛ فإنَّ الأسباب قد تختلف كثيرًا أو قليلًا، لم يكن في رأينا من الأسباب لدى المُعتزلة الاعتزازُ بأنَّ التوراة اشتملت على ما ثبت صحته من الفلسفة اليونانية، أو ما عرفوا منها، كما كان الأمر بالنسبة لفيلون مثلًا؛ بل الأمر أنَّ المعتزلة فرقة من رجال علم الكلام لهم مذهبٌ خَاصٌّ، فأرادوا أن يجدوا له مثل غيرهم مِنَ المُتكلمين المسلمين أدلة من القرآن على ما ذهبوا إليه. وقد وجدوا الأمر يسيرًا أحيانًا فلم يَحتاجوا إلى التأويل المجازي، ووجدوه عسيرًا أحيانًا بالنِّسبة لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فعملوا على تأويلها، وساعدهم على ذلك ما هو معروف في البيئة الإسلامية من أن كثيرًا من آيات القرآن تحتمل الواحدة منها معاني كثيرة مختلفة.

على أنَّ هذه الفكرة نفسها، وخشية القطع برأي في تفسير القرآن، جعلا بعض العلماء المسلمين يترددون في تعيين المعنى المراد من بعض الآيات، ومن هنا جاءت تسميتهم «بالوقوف»، ومنهم المتكلم المشهور عبيد الله بن الحسن العنبري.

أمَّا موقف أهل السنة في مقابل هؤلاء المعتزلة، فمن الممكن إيجازه في أنهم ينقدون بشدة طريقة المُعتزلة في تأويلهم القرآن تأويلات يظهر فيها الميل إلى الرَّأي والتعسف، وهذا الموقف يظهر لنا واضحًا جدًّا في تفسير الإمام المتكلم المتفلسف فخر الدين الرَّازي المتوفى سنة 606ه، وتفسيره هذا يُعتبر بحق في نظر كثير من الباحثين نهاية ما وصل إليه إنتاج المسلمين الفكري في هذه النَّاحية، ومنه نعرف أنَّ المؤلف قد عُني عناية شديدة بتفنيد آراء المعتزلة التي عملوا بكل جهدهم للاستدلال لها، إن لم نَقُل لأخذها من القرآن.

المصدر: wikipedia.org