اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يرتبطُ فتحُ مصر بِأهميَّتها السياسيَّة والاقتصاديَّة، وذلك بما لديها من خصائص وما تُوفرهُ من إمكاناتٍ على جانبٍ كبيرٍ من الأهميَّة. ويروي ابن عبد الحكم أنَّ عمرو بن العاص أشار على عُمر بن الخطَّاب بِفتحها وقال: «إِنَّكَ إن فَتَحْتَهَا كَانَت قُوَّةً للمُسْلِمِين وَعَوْنًا لَهُم، وَهِيَ أَكْثَرُ الأَرْضِ أَمْوَالًا وَأَعْجَزَهَا عَنِ القِتَالِ وَالحَربِ». والمعروف أنَّ عمرو كان قد سافر إلى مصر في الجاهليَّة لِلتجارة، فوقف على معالِمها وعلى أوضاعها الداخليَّة، وبِخاصَّةً النزاعُ الدينيّ بين البيزنطيين الحاكمين وبين الشعب المصري الذي يُخالفهم في المذهب، وظنَّ أنَّ المصريين سوف يمتنعون عن مُساعدة الحاميات العسكريَّة البيزنطيَّة المُنتشرة في مصر إذا هاجمها المُسلمون، وممَّا زاده اقتناعًا بما يظُنَّهُ ما تناهى إلى أسماع المصريين عن سياسة المُسلمين المُتسامحة في الشَّام. اجتمع عمرو بن العاص بِعُمر بن الخطَّاب في الجابيَّة حين جاء إلى الشَّام لِيتفقَّد أحوالها بعد طاعون عمواس، وعرض عليه فتح مصر وطلب السماح لهُ بالمسير إليها. وهُنا تظهر لِأوَّل مرَّة في المصادر العربيَّة والإسلاميَّة فكرة فتح مصر وكأنَّها فكرةٌ طارئة عنَّت لِعمرو بن العاص الذي كان يسعى للحُصول على ميدانٍ جديدٍ يُظهرُ فيه نشاطه، وحسَّنها للخليفةُ عُمر. وتُجري بعض المصادر أنَّ فكرة فتح مصر تعود إلى عُمر بن الخطَّاب نفسه الذي أمر عمرو بالمسير إليها. والواقع أنَّ فتح مصر أضحى ضرورةً بعد فتح الشَّام. وقد أثارت هذه البلاد اهتمام المُسلمين الجدِّي بعد أن وقفوا على أوضاعها السياسيَّة والاقتصاديَّة والدينيَّة المُتردية، ذلك أنَّ تطلُّعات عمرو بن العاص ومن خِلالها عُمر بن الخطَّاب تكمن في فتح مصر وضمِّها إلى الدولة الإسلاميَّة من خِلال هذا الواقع. ويُمكنُ حصر الدوافع الإسلاميَّة لِفتح مصر في ثلاث نقاط:
وكان عُمر بن الخطَّاب يتخوَّف دائمًا من مُتابعة الزحف قبل أن يُرسِّخ المُسلمون أقدامهم في المناطق التي فتحوها في العراق والشَّام، خاصَّةً بعد عام الرمادة وطاعون عمواس سنة 18هـ المُوافقة لِسنة 639م، حيثُ قضى عشرات الأُلوف من الجُوع والوباء. ثُمَّ اقتنع بِفكرة عمرو بن العاص بِضرورة الزحف من الشَّام إلى مصر، كما اقتنع بعدها بِقليل بِضرورة الزحف من العراق إلى فارس. فعهد إليه بِقيادة العمليَّة ووضع بِتصرُّفه ثلاثة آلاف وخمسُمائة جُندي، وقيل أربعة آلاف أو خمسة آلاف، وطلب منهُ أن يجعل ذلك سرًّا وأن يسير بِجُنده سيرًا هنيًّا. وهكذا سار عمرو بن العاص إلى مصر مُخترقًا صحراء سيناء ومُتخذًا الطريق الساحليّ، ومع ذلك بقي عُمر بن الخطَّاب مُترددًا، حتَّى يبدو أنَّهُ عدل عن موفقته فأرسل كتابًا إلى عمرو بن العاص وهو بِرفح فلم يستلمهُ ويقرأهُ إلَّا بعد أن دخل حُدود مصر. ويعتقد البعض أنَّ تلك كانت حيلةً بارعةً جعلته يزحف نحو مصر دون أن يُخالف أمر الخليفة. وقيل أنَّ عمرو بن العاص سار إلى مصر من تلقاء نفسه، ثُمَّ استأذن عُمر بن الخطَّاب، وقيل لم يستأذنه، فغضب عليه وأرسل إليه الكتاب المذكور، فلم يقرأه إلَّا بعد دُخوله مصر، كما قيل أنَّ الكتاب وافاه وهو بالعريش داخل حُدود مصر.