اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أتمَّ المُسلمون بِقيادة مُوسى بن نُصير وطارق بن زياد افتتاح أغلب شبه الجزيرة الأيبيريَّة سنة 95هـ المُوافقة لِسنة 714م، ثُمَّ أوقفت الأعمال العسكريَّة بِأمرٍ من الخليفة الوليد بن عبد الملك وعاد قائدا الفتح سالِفا الذِكر إلى دمشق لِأسبابٍ اختلف المُؤرخون على تحديدها. وقبل أن يُغادر مُوسى بن نُصير عيَّن ابنه عبد العزيز واليًا على الأندلُس طيلة مُدَّة غيابه، وأمرهُ بِمُتابعة الجهاد لِتوطيد الفتح، وترك معهُ جيشًا ونفرًا من أنجاد المُسلمين ووُجوههم منهم حبيب بن أبي عُبيدة الفهري حفيد عقبة بن نافع. لم يمكث عبد العزيز بن مُوسى طويلًا في إشبيلية، إذ أنَّ مُقتضيات الفُتُوح أجبرته على الخُرُوج لِفتح أقاليم غربيّ الأندلُس والمناطق الواقعة في شرقيّ البلاد وشمالها. فخرج على رأس جيشٍ يُرافقه دليلٌ من رجال يُليان باتجاه الأقاليم الغربيَّة، ففتح يابرة الواقعة بِالقُرب من لشبونة، وشنترين الواقعة على نهر تاجة، وقُلمريَّة قُرب ساحل المُحيط الأطلسي، وأستورقة المُجاورة لِجُليقية، وتوقَّف عند حُدود هذه المُقاطعة الجبليَّة لِينعطف نحو الجنوب حيثُ لا زالت بعض المواقع الهامَّة خارج نطاق السيطرة الإسلاميَّة، ففتح مُدن ريَّة ومالقة وغيرها من القُرى التابعة لها، وسيطر على كامل مُقاطعة ريَّة، وفرَّ مُعظم المُدافعين القوط والإفرنج إلى الجبال للاحتماء بها. وأخضح إلبيرة، وترك فيها حاميةً عسكريَّةً مُشتركةً من المُسلمين واليهود الذين كانوا مُتواجدين فيها، ثُمَّ توجَّه نحو مرسية في الشرق ووطَّد الحُكم الإسلامي فيها وأخضعها رسميًّا لِلإدارة الأُمويَّة. ثُمَّ عمل عبد العزيز بوصيَّة أبيه، فأرسل الغزوات إلى طرَّكونة وجرونة على الشاطئ الشمالي الشرقي، وإلى بنبلونة في الشمال الشرقي، وإلى أربونة على خليج ليون من ساحل إفرنجية الجنوبي. وبِذلك استُكملت عمليَّاتُ الفُتُوح في عهد عبدُ العزيز بن موسى، ولم يبقَ خارج نطاق السيطرة الإسلاميَّة سوى بضعة جُيُوب، وطُويت صفحة العهد القوطي نهائيًّا في البلاد، وافتُتحت صفحة العهد الإسلامي فيها.
قضت سياسة المُسلمين، بعد أن فتحوا شبه جزيرة أيبيريا ووصلوا إلى سُفُوح جبال البرتات، بِعُبُور هذه الجبال الفاصلة بين الأندلُس والمملكة الإفرنجيَّة في غالة وغزو المناطق الجنوبيَّة لِهذه المملكة، بِهدف حماية مُكتسباتهم في الجنوب. ذلك أنَّ بعض بقايا القوط تمركزت في مُقاطعة سپتمانية الواقعة في جنوبي غالة، وهي على وشك التنسيق مع القوط في أقصى شمال غربيّ الأندلُس، على الجانب الآخر من الجبال، لِطرد المُسلمين من البلاد، فكان إخضاعُ هذا الإقليم وسُكَّانه من القوط لِسُلطان المُسلمين ضرورة عسكريَّة. والمعروف أنَّ إقليم سپتمانية ظلَّ بعيدًا عن سيطرة الفرنجة مُنذُ أيَّام كلوڤيس، مُؤسس المملكة الإفرنجيَّة كما أُسلف، الذي فشل في ضمِّه إلى أراضي مملكته، ثُمَّ جاءت أحداث انقسام الأُسرة الميروڤنجيَّة الحاكمة بِسبب ما جرى من اقتسام المملكة بين ورثته، الأمر الذي أدَّى إلى استمرار ابتعاد الإفرنج عن الإقليم، وترك القوط ينعمون بِالسيطرة عليه، وظلَّ تابعًا لهم حتَّى نُسب إليهم وعُرف باسم «بلاد القوط» (باللاتينية: Gothia أو Marca Gothica). ويُعدُّ حرص المُسلمين على ضمان سلامة مُمتلكاتهم بِفتح مناطق الأطراف المُجاورة تفكيرٌ سليم في حقل السياسة العسكريَّة حيثُ ظلَّ القوط يُشكِّلون خطرًا عليهم ويُهددون مُمتلكاتهم.
أدرك مُوسى بن نُصير من قبل أهميَّة فتح هذا الإقليم لِتأمين الخُطُوط الدفاعيَّة لِلولاية الإسلاميَّة الجديدة من الشرق والشمال، فصمَّم على ضمِّه إلى المُمتلكات الإسلاميَّة، واتخاذه حاجزًا يقي المُسلمين الهجمات من الشمال والشمال الشرقي، غير أنَّ مشروعه لم يتحقق ووقف عند سُفُوح جبال البرتات بِسبب استدعائه إلى دمشق. ويبدو أنَّ الإشارات المُتناثرة الواردة في بُطُون الكُتب التاريخيَّة من أنَّ مُوسى بن نُصير أراد عُبُور جبال البرتات والتوغُّل في عُمق القارَّة الأوروپيَّة وُصوُلًا إلى دمشق عن طريق القُسطنطينيَّة، أمرٌ بعيدُ الاحتمال ويخرج عن نطاق التفكير السليم، غير أنَّهُ يُمكن القول إنَّ الفُتُوح الإسلاميَّة بِعامَّة مُنذُ أن انطلقت في أيَّام أبي بكرٍ الصدِّيق، لا تتوجه إلى ميدانٍ جديدٍ إلَّا بعد أن تدعم قواعدها وتُثبِّت أقدامها في المناطق التي تفتحها، ثُمَّ تجعل منها مناطق صالحة لِلانطلاق واستئناف الجهاد، ولم تشُذ الفُتُوح في الغرب عن هذه القاعدة العامَّة، وهي التقدُّم في خُطى مُتدرِّجة ومُتتابعة وفقًا لِمُقتضيات الظُروف الداخليَّة والخارجيَّة. وكرَّس مُعظم الوُلاة، الذين تعاقبوا على حُكم الأندلُس، وقتهم وجُهدهم في مُتابعة هذه الرسالة على الرُّغم من المُشكلات الداخليَّة التي كانوا يُواجهونها، كما أنَّ قراراتهم بِهذا الشأن لم تتأثَّر بِتوجُّهات سُلطة الخِلافة المركزيَّة في دمشق أو سُلطة الولاية في القيروان، وإنما بِحتميَّات التطوُّر السياسي والعسكري على الأرض وبِالواقع الجديد الذي فرض سياسات توسُّعيَّة يُمكن ألَّا تتفق مع توجُّهات الخليفة الأُموي أو والي إفريقية المُقيم بِالقيروان.