اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يتَّصلُ فتحُ الأندلُس، في كثيرٍ من جوانبه، بِسياسة الفُتُوح في المغرب، وأنَّ الأسباب التي دفعت المُسلمين إلى عُبور المضيق لها علاقة بِالأوضاع التي عاش في ظلِّها السُكَّان قبل الفتح، وهي دينيَّة وجُغرافيَّة وسياسيَّة وشخصيَّة. يعتبرُ الكثير من المؤرخين أنَّ المصادر التاريخيَّة التي تتناول فتح الأندلُس ينبغي التعامل معها بحذرٍ ودقَّة: فالمصادر العربيَّة والإسلاميَّة الأولى كُتبت بعد تمام فتح الأندلس بفترةٍ طويلة، ممَّا يعني احتماليَّة تأثُّر الكُتَّاب والمُؤرخين المُسلمين آنذاك بِالأفكار والتوجُّهات والأجواء العامَّة التي كانت سائدة في البلاد، فعلى سبيل الِمثال يعود كتاب أحمد بن مُحمَّد المُقري حامل عنوان «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» إلى القرن السابع عشر الميلادي عندما كانت الإمبراطوريَّة الإسپانيَّة ألد عدوٍ لِلمُسلمين. أمَّا بِالنسبة لِلمصادر المسيحيَّة الأوروپيَّة، فإنَّ المصدر الوحيد المُعاصر لِلحدث هو «تأريخ عام 754» (باللاتينية: Continuatio Hispana)، ويعتبرهُ المؤرخون الغربيُّون من المصادر الموثوقة ولكن غامضة في نفس الوقت.
وصل المُسلمون إلى أوج قُوَّتهم بعد أن سيطروا على المغرب واستتبَّ الأمن في الدولة الأُمويَّة بعد أن استقرَّ الأمر لِبني أُميَّة وانتهت الفتن والثورات التي قامت في الدولة، وابتدأ العصر الأُموي الثاني. وأدَّى هذا الاستقرار إلى تركيز الحُكومة المركزيَّة في دمشق على استئناف نشاط الفُتوح والغزوات وتوسيع رقعة ديار الإسلام ونشر الدين الجديد بين سُكَّانٍ جُدد. وكان البربر الذين اعتنقوا الإسلام بعد تمام فتح المغرب ودخلوا في الجُيُوش الإسلاميَّة كجُنُودٍ مُحاربين يتوقون لِلغزو والجهاد، وقُدِّر لِبعضهم أن يُصبح أكثر حماسةً لِلإسلام من العرب أنفُسهم. وقد أدرك والي إفريقية موسى بن نُصير هذه النزعة فاستغلَّها بِتوجيههم إلى الفُتوحات الخارجيَّة. وكان من الطبيعي أن يكون المُسلمين قد فكَّروا بعد وُصولهم إلى بحر الزقاق أن يجتازوه وينساحوا في البلاد الواقعة خلفه لِنشر الإسلام فيها. والمعروف أنَّ موسى بن نُصير قد وضع الخطط لِنشر الإسلام في أوسع بُقعة مُمكنة، والرَّاجح أنَّهُ تطلَّع إلى الأندلُس بعد تثبيت أقدام المُسلمين في المغرب الأقصى، فراح يُتابع أخبارها ويستقصي أوضاع أهلها. وأضحت مدينة طنجة مركز عمليَّات المُسلمين في تلك المرحلة الاستطلاعيَّة بِسبب قُربها منها، وبِفعل موقعها على بحر الزقاق المُؤدي إلى تلك البلاد. وكان مولى مُوسى بن نُصير القائد طارق بن زياد الذي فتح ما تبقَّى من مُدن في المغرب الأقصى قد أثبت حُسن ولائه لِلإسلام من واقع تعبئة شُعُور مُواطنيه من البربر المُسلمين لِلقيام بِالعمل الجهادي المُقبل، وهو فتحُ الأندلُس، وإرسال ما يصل إليه من أخبارها إلى القيادة العُليا في القيروان.
كان أمام مُوسى بن نُصير خياران: توجيه الفُتوحات نحو الصحاري المغربيَّة الجنوبيَّة المُؤدية إلى البلاد السودانيَّة (السنغال والنيجر وغانا المُعاصرة)، أو عُبُور المضيق نحو أيبيريا. ولمَّا كانت الأقاليم السودانيَّة تُشبه تمامًا الطبيعة العربيَّة الصحراويَّة من ناحية القحط وصُعوبة المسالك، وكان المُسلمين قد عرفوا وفتحوا بلادًا غنيَّة في الشَّام ومصر والعراق وفارس والمغرب، واستفادوا من مواردها الاقتصاديَّة والبشريَّة، فضَّلوا توجيه أنظارهم نحو الأندلُس خاصَّةً بعد أن علموا ما كانت عليه هذه البلاد من الغنى.
علم موسى بن نُصير، عن طريق واليه على طنجة طارق بن زياد، بِأوضاع الأندلُس المُتردية بِفعل الصراع على السُلطة بين لُذريق وأولاد غيطشة، بِالإضافة إلى تطلُّع السُكَّان إلى المُسلمين في شمالي أفريقيا لِإنقاذهم من متاعبهم، وبخاصَّةً اليهود الذين كانوا يتعرَّضون لِلاضطهاد. وكتب أولاد غيطشة إلى يُليان عامل الروم السابق على طنجة وسبتة يلتمسون مُساعدته لِلإطاحة بِنظام لُذريق بعد أن سلبهم مُلكهم، ورُبَّما أوحوا إليه بِفكرة الاستعانة بِالمُسلمين بعد أن علموا بِأنَّ هؤلاء قد أشرفوا على البحر عند طنجة، ورُبما اشتركوا في الوفد الذي ذهب إلى إفريقية لِمُقابلة موسى بن نُصير وطلب المُساعدة منه، مُعتقدين بِأنَّ المُسلمين سيكتفون بِالغنائم ويعودون إلى المغرب، ويستعيدون هُم الحُكم وأملاك والدهم الخاصَّة التي تُقدَّر بِثلاثة آلاف ضيعة سُميت بعد ذلك بـ«صفايا المُلوك».
تجري الرواية التي توردها كُل المصادر العربيَّة والإسلاميَّة القديمة، أنَّ يُليان صاحب طنجة وسبتة السَّابق كان حاقدًا على لُذريق بِسبب اعتداء الأخير على شرف ابنته فلوريندا لا كافا. والمعروف أنَّهُ كان من عادة أشراف القُوط ونُبلائهم أن يُرسلوا بنيُهم وبناتُهم إلى القصر الملكي في طُليطلة لِيكونوا في خدمة مُلوكها، ولِيتأدبوا بِآداب المُلوك، فيقضون مُدَّةً من الزمن حتَّى يبلغوا سن الزواج، حتَّى إذا ما قُرِّر عقد قران بعضهم على البعض الآخر، تولَّى الملك تجهيزهم، وكان الرجال يُندبون أحيانًا في مُهمَّاتٍ سياسيَّةٍ وعسكريَّة، أمَّا البنات فكُنَّ يُلازمن القصر. وكان يُليان قد أرسل ابنتهُ «لاكافا» أو «فلورندة»، إلى قصر طُليطلة، جريًا على العادة لِتتربَّى في البلاط الملكي تربية الأميرات، فأُعجب بها لُذريق، فلمَّا تمنَّعت غن الزواج به اغتصبها، فاشتكت لِأبيها الذي ثارت ثائرته لمَّا عرف، فذهب إلى طُليطلة وأحضر ابنته وقال: «لَا أَرَى لَهُ عُقُوبَة وَلَا مُكِافَأة إلَّا أن أُدخِلَ عَلَيهِ العَرَب»، وحلف وقال: «وَدِينُ المَسِيح لَأُزيلَنَّ مُلكَهُ وَلَأَحفِرَنَّ تَحتَ قَدَميه». لِذلك أخذ يُليان يسعى لِلاستعانة بِالمُسلمين وإدخالهم إلى الأندلُس لِلقضاء على حُكم لُذريق. وأدَّى يُليان دور الوسيط بين المُسلمين وآل غيطشة، فاتصل بِطارق بن زياد في طنجة وعرض عليه غزو الأندلُس، وبيَّن له حُسنها وفضلها وما تويه من الخيرات، وهوَّن عليه حال رجالها ووصفهم بِالضُعف. وتجري رواياتٌ أُخرى أنَّ يُليان لم يكن يتوقَّع، حين طلب المُساعدة من المُسلمين، أن يستقر هؤلاء في الأندلُس، ويبدو أنَّهُ خطَّط فقط من واقع الاستعانة بهم إلى خلع لُذريق وإعادة أولاد غيطشة إلى الحُكم. يُستنتج من هذه القصَّة أنَّ يُليان كانت تُنازعه دوافع شخصيَّة حين قرَّر الاستعانة بِالمُسلمين، وسواء كانت تلك الدوافع معنويَّة أخلاقيَّة أو سياسيَّة نابعة من عدم اتفاقه مع لُذريق وانحيازه لِأبناء غيطشة الذين كانوا يُفكرون في كُل وسيلة للانتقام، فإنَّ النتيجة واحدة.
بادر طارق بن زياد بالاتصال بِمُوسى بن نُصير في القيروان، وأبلغهُ بما عرضهُ عليه يُليان لاتخاذ القرار بِشأن ذلك. والواقع أنَّهُ لم يكن لدى موسى بن نُصير ما يدعوه إلى رفض هذه الفكرة في الوقت الذي لم يكن واردًا امتداد حركة التوسُّع نحو الجنوب والانتشار في مجاهل الصحراء الكُبرى في حركةٍ مُكلفةٍ بلا طائل، فاتجهت أنظاره إلى الأندلُس لِلأسباب سالِفة الذِكر وفي مُقدمتها السبب الاقتصادي الذي من شأنه أن يعود بِالنفع على الإسلام والمُسلمين، بِالإضافة إلى أنَّ هذا الأمر قد يتطوَّر إلى واقع فتح إسلامي شامل لِهذه البلاد يُدخلها في دائرة الدولة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ عملًا ضخمًا من هذا النوع، لا بُدَّ من دراسته بِصُورةٍ مُتأنية والوُقوف على كافَّة تفاصيله. وفعلًا جرت اتصالات بين مُوسى بن نُصير ويُليان، وعُقد اجتماعٌ بينهما وقف خلاله مُوسى بن نُصير على أوضاع الأندلُس والخدمات التي يُمكن أن يُقدمها يُليان، كما كان لا بُدَّ من أن ينال هذا العمل مُوافقة الخليفة في دمشق. لِذا اقترح مُوسى على يُليان أن يذهب هو أولًا إلى استكشاف ساحل الأندلُس وأن يُحاول النُزول في مكانٍ أمينٍ منه، خشيةً من أن يكون يُليان قد دبَّر لِلجيش الإسلامي مهلكًا، فأبحر يُليان في خريف سنة 90هـ المُوافقة لِسنة 709م في عصبةٍ من أتباعه من سبتة ونزل على ساحل الجزيرة الخضراء، فقتل وسبى وغنم وأقام بها أيَّامًا يشُنُّ الغارات، وشاع الخبر عند المُسلمين فأنسوا بِيُليان واطمئنَّ لهُ مُوسى بن نُصير. عند هذه النُقطة، كتب مُوسى بن نُصير إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك يُبلغه بما عرضه يُليان وما آلت إليه حملته ويستأذنه في العُبور. تردَّد الوليد بن عبد الملك في بادئ الأمر، خشيةً على المُسلمين من أن يُغرَّر بهم، وأمر مُوسى بن نُصير بِأن يتروَّى في الأمر، وأن يختبر البلاد بِالسرايا. والحقيقة أنَّ فتح الأندلُس كان نتيجة خطَّة موضوعة نوقشت بين الخليفة وواليه على إفريقية، وأقرَّها الأوَّل ضمن سياسة التوسُّع بعد فتح طنجة المُشرفة على الأندلُس. ويبدو أنَّهُ كان لِسياسة الدولة الإسلاميَّة العامَّة وعلاقتها بِالروم البيزنطيين، وتأثير الحملة على هذه العلاقات، وبِخاصَّة في المجال البحري والسيطرة على الجُزُر في الحوض الغربي لِلبحر المُتوسِّط؛ تأثيرٌ على قرار الخليفة. وبعد نُضوج الظُروف التي هيَّأت لِلمُسلمين انتصارًا آخر، وتنفيذًا لِأوامر الخليفة، اختار موسى بن نُصير أحد القادة المُسلمين، وهو أبو زرعة طريف بن مالك المعافري، وسيَّره على رأس أربعمائة راجل ومائة فارس، في أربع سُفن أعدَّها يُليان، لِلإغارة على الشواطئ الأندلُسيَّة المُقابلة، وذلك في شهر رمضان سنة 91هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) سنة 710م. نزل المُسلمون في جزيرةٍ صغيرةٍ اسمها «پالوماس» سُمِّبت مُنذ ذلك الحين بِجزيرة طريف، والرَّاجح أنَّ طريفًا اجتمع فيها بِجماعةٍ من مُؤيدي الملك السابق غيطشة ومعهم أحد أحبار اليهود ويُدعى يعقوب، كان يتخفَّى بِزي الخُدَّام ويعمل في قُصُور آل غيطشة، حيثُ تقرَّر أن تقوم قُوَّة قوطيَّة مُعارضة لِلملك لُذريق بِمُساعدة المُسلمين وحراسة المضيق. وشنَّ طريف، من مركزه بِتلك الجزيرة، عدَّة حملات استطلاعيَّة ناجحة على سواحل الأندلُس الجنوبيَّة وبِالأخص الجزيرة الخضراء، درس خلالها تحصيناتها وتحرَّى أوضاع سُكَّانها ومدى علاقتهم بِالحُكَّام القوط، ثُمَّ عاد إلى طنجة مُحمَّلًا بِالغنائم. أكَّدت حملة طريف بن مالك صدق يُليان حين عرض المُساعدة على المُسلمين، وكشفت عن ضعف المُقاومة في الأندلُس، وأقنعت مُوسى بن نُصير بِسُهُولة العُبُور والنُزول على الشاطئ دونما أخطار بحريَّة جديَّة. ونتيجةً لِذلك قرَّر البدء بِتنفيذ عمليَّة الغزو.