اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم تكن هناك شروطٌ مُعينة في بادئ الأمر، لتقليد قاضي القضاة، فالظروف لعبت دورها عندما احتاج هارون الرشيد إلى أحد الفقهاء ليستفتيه في أمر زنا ابنه، فجاء أبو يوسف حيث أُعجب بفتواه وأصبح من المقربين إليه، حتى ابتكر له منصب قاضي القضاة لأوَّل مرَّة في الإسلام. وهكذا كانت المعرفة بالشريعة والفقه والفِطرة السليمة ضروريَّة في هذا الاختيار. والحقيقة أنَّ الشروط التي يجب توافرها في القاضي تطابق شروط اختيار قاضي القضاة، مع مراعاة شرط الخبرة والسن. وحدد الماوردي الشروط المعتبرة بالشرع، والتي يجب توافرها فيمن يلي القضاة، وهي على الإجمال سبعة:
واعتبر الماوردي القضاة موازين العدل وحرَّاس السنَّة النبويَّة باتباعها في أحكامهم، وهنا أضاف صفات لا بد من مُراعاتها في اختيار القضاة بعد الشروط المعتبرة فيهم بالشرع، وهي: أن يكون القاضي حسن العلانيَّة، مأمون السريرة، كثير الجدّ، قليل الهزل، شديد الورع، قليل الطمع. وعلى القضاة الاقتداء بالأئمَّة، ومشاورة أهل العلم والرأي. وفي البداية كانت المعرفة بالمذهب الحنفي، مذهب أهل العراق، من أهم الشروط لتقلّد القضاء، وقد عمل قاضي القضاة أبو يوسف في هذا الاتجاه، ولكن المعرفة بالمذاهب الأربعة عند أهل السنَّة تبدو ضروريَّة لتمييز قاضي القضاة وتدعيم مكانته.
ولا يوجد شرط السن في تقليد القضاء، فقد تقلَّد البعض منصب القاضي في سن العشرين، أو الثانية والعشرين، أو الثانية والثلاثين. ومع ذلك يبدو أنَّ سن الأربعين كان يُعتبر "حدّ التكهّل والحِنكة"، فمن المُستحب أن تبدو الهيبة والوِقار والسن على القاضي حتى لا يُقال إنه ما زال فتى قليل الحِنكة. أمَّا منصب قاضي القضاة فلم يتقلده أحد في العشرين أو الثلاثين من عمره، وإن لم تحدد سنًّا مُعينة لتوليه، فقد جرت العادة على أن يتقلَّد هذا المنصب قاضٍ له خبرته الطويلة في القضاء وله هيبته ووِقاره وسنِّه، فأبو جعفر أحمد بن إسحق بن البهلول التنّوخي تقلَّد منصب قاضي القضاة في بغداد وهو في الخامسة والستين من عمره، وأبو عمر محمد بن يوسف الأزدي وأبو السائب عتبة بن عبيد الله الهمذاني وهما في الرابعة والسبعين، وأبو جعفر الثقفي وقد ناهز الثمانين.
وبالرغم من ذلك، فقد تقلَّد البعض منصب قاضي القضاة في سن مبكِّرة، ويرجع ذلك إمَّا لحظوتهم عند الخليفة أو لمكانتهم في القضاء. ويبدو أنَّ أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف الأزدي هو أوَّل من تقلَّد هذا المنصب في بغداد دون أن يبلغ الأربعين من عمره، فيذكر التنّوخي أنَّ الخليفة الراضي بالله ذهب إلى الموصل سنة 327هـ الموافقة لسنة 938م ومعه قاضي القضاة أبو الحسين عمر (المولود سنة 290هـ الموافقة لسنة 903م)، أي كان عمره وقتذاك حوالي سبعة وثلاثون سنة، ويبدو أنَّه تقلَّد هذا المنصب قبل هذا التاريخ، وذلك نتيجة حظوته عند الخليفة الراضي. وفي القاهرة تقلَّد علي بن النعمان قضاء القضاة وهو في السابعة والثلاثين، كما تقلَّد شقيقه محمد بن النعمان هذا المنصب وهو في الرابعة والثلاثين، وذلك نتيجة حظوتهما عند الخليفة الفاطمي، ولمكانة أبيهما النعمان الذي يُعتبر مؤسس النظام القضائي في الدولة الفاطميَّة.