بعد تقليد قاضي القضاة، تكثر المهام المُلقاة على عاتقه، فبالرغم من أنَّ مهمته الأساسيَّة تتعلَّق بالقضاء والقضاة، إلّا أنَّ الظروف الاجتماعيَّة أدَّت إلى زيادة أعبائه فكثرت مهامه غير القضائيَّة. وبذلك يمكن تقسيم مهام القاضي إلى نوعين: قضائيَّة وغير قضائيَّة.
المهام القضائيَّة
تتحدد المهام القضائيَّة التي يضطلع بها قاضي القضاة في تعيين القضاة وعزلهم ومحاكمة الوزراء والأشخاص الذين يهددون الحكم، وتسطير كتاب بيعة وخلع الخلفاء، وعقد خطبة وزواج الخلفاء والأمراء، وأحيانًا الحِسبة والنظر في المظالم، فضلًا عن الفتيا.
- تعيين وعزل القضاة: الخليفة هو الذي يُعيّن قاضي القضاة، الذي يُعتبر بمثابة قاضي الدولة كلها، ومن سواه من القضاة في الأقاليم والأمصار نوَّاب عنه، لذلك كانت سلطة قاضي القضاة تسمح له بتعيين القضاة في مُختلف المناطق، وعزلهم عند الضرورة. وكان الإمام أبو يوسف أوَّل قاضي قضاة يُرشّح القضاة للتعيين زمن هارون الرشيد. ثمَّ عهد المأمون إلى قاضي قضاته يحيى بن أكثم بامتحان القضاة المراد توليتهم من وجوه الفقهاء وأهل العلم في بغداد، وقد امتحن أحد المُرشحين للقضاء فقال له: «ما تقول في رجلين زوَّج كل واحد منهما الآخر أمَّه فوُلِدَ لكل واحدٍ من امرأته ولد، ما قرابة ما بين الولدين؟» فلم يعرفها. فقال له يحيى بن أكثم: «كُل واحد من الولدين عمُّ الآخر لأمّه». وأحيانًا كان أحد المُقرَّبين من الخليفة يتمتع بنفوذٍ كبير يسمح له باختيار القضاة، فكان محمد بن عمران الضبي يقوم باختيار القضاة للخليفة المعتز بالله، فيُقدّم أسماء القضاة للخليفة، فيأمر بتقليدهم القضاء، لذلك كان يجتمع إليه القضاة والفقهاء لمكانته ونفوذه في تعيين القضاة.
- محاكمة الوزراء والأشخاص الذين يهددون الخِلافة والدين: كان قاضي القضاة يُشارك في محاكمة الوزراء إذا كانت التهمة تدبير مؤامرة ضد الدولة، وفي محاكمة الأشخاص الذين يدعون الألوهيَّة أو النبوَّة، وكذلك الذين يتعرضون للنبي محمد وسائر الأنبياء والرُسل والصحابة وأهل البيت بالسبِّ والشتم، وكل من يهدف إلى إفساد العقيدة الإسلاميَّة. ففي بغداد، وفي عهد الخليفة المعتصم بالله حوكم الأفشين(2) بتهمة الزندقة سنة 226هـ الموافقة لسنة 840م، وذلك بحضور قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد، وقد حُكم عليه بالصلب بباب العامَّة. كذلك حُكم على آخرين بالإعدام بعد أن أمعنوا الاستهزاء بالنبي محمد وبالمعتقدات الإسلاميَّة، مثل داود بن سالم البعلبكي النصراني، وعلى آخرين بعد أن أصرّوا على شتم الصحابة مثل محمود بن إبراهيم الشيرازي. وبإمكان قاضي القضاة في مدينة ما عزل نائب السلطنة إذا ما أمعن في الظلم وسوء السيرة وأخذ الأموال بغير حق.
- عقد بيعة وخلع الخلفاء: كانت توكل إلى قاضي القضاة مهمَّة إحضار الشهود، ليكتب بنفسه كتاب خلع أحد الخلفاء ومُبايعة آخر. وقد عمل قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد في عقد البيعة للخليفة المتوكل على الله بعد وفاة الواثق. كما دخل قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف ومعه أربعة من الشهود، وشهدوا على المطيع لله بأنَّه قد خلع نفسه، وقرأوا عليه رقعة الخلع، ثمَّ دخلوا على ولده الأمير أبي بكر عبد الكريم وبايعوه بالخلافة، وأخيرًا جلسوا في مجلس قريب من مجلسه ووقعوا بالشهادة في كتاب الخلع. وكان قاضي القضاة يُشرف بنفسه على غسل الخليفة بعد موته، ففي بغداد، أشرف قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد على غسل الخليفة العبَّاسي الواثق بالله، وفي القاهرة أشرف قاضي القضاة محمد بن النعمان على غسل الخليفة الفاطمي العزيز بالله.
- عقد خِطبة وزواج الخلفاء والأمراء: إذا كان القضاة يقومون بعقد الخِطبة والزواج، فقد كان يُستعان بقاضي القضاة لمثل هذا الأمر فيما يختص بأبناء الخلفاء والأمراء. فقاضي القضاة الإمام أبو يوسف حضر زواج إبراهيم بن عبد الملك بن صالح من الغالية ابنة هارون الرشيد على مَهر قدره ألفيّ درهم. وسنة 448هـ الموافقة لسنة 1056م، حضر قاضي قضاة بغداد أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني عقد زواج الخليفة القائم بأمر الله من خديجة بنت أخي السلطان السلجوقي طغرل بك، على صداق مائة ألف دينار. وفي القاهرة عقد قاضي القضاة محمد بن النعمان، زواج ولده عبد العزيز سنة 375هـ الموافقة لسنة 985م من ابنة القائد جوهر الصقلي، على صداق قدره ثلاثة آلاف دينار.
- الحِسبة: وأحيانًا تولَّى قاضي القضاة وظيفة الحِسبة، التي يتولَّاها عادةً المُحتسب. ففي بغداد، كان جمال الدين بن عبد الحي بن إدريس الحنبلي قاضي قضاة الحنابلة ومُحتسب بغداد. وفي مصر، تولَّى قاضي قضاة الشافعيَّة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز الحِسبة أيضًا.
- النظر في المظالم: كذلك كان يُضاف إلى مهام قاضي القضاة، النظر في المظالم، رغم أنَّ الناظر في المظالم ينظر في كل حكم يعجز عنه القاضي والمُحتسب، وهو بذلك أقوى منهما يدًا. وقد جمَعَ قاضي القضاة أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، بين القضاء والنظر في المظالم، زمن الحاكم بأمر الله، وقد تصلَّب في الأحكام، وتشدد على من عانده من رؤساء الدولة.
- الفتيا: كان قاضي القضاة يفتي في الأمور التي تهم المصلحة العامَّة، فقد استفتى قاضي قضاة الشافعيَّة بدمشق تقي الدين السبكي، في قتل الكلاب الشاردة خوفًا من نقلها لداء الكَلَب وغيره من الأمراض القاتلة مثل الجَرب، فكتب جماعة من أهل المدينة في ذلك، فرَسَم بإخراجها -أي الكلاب - في يوم الجمعة 25 ذي الحجَّة سنة 745هـ الموافقة لسنة 1345م إلى الخندق ظاهر باب الصغير وإتلاف جيفتها لئلّا تنتن الناس بريحها.
المهام غير القضائيَّة
كان قاضي القضاة مُقرَّبًا من الخلفاء، لذلك التجأ إليه أصحاب الحاجات ليتوسَّط لهم عند الخليفة أو الوزير، مما يدل على المكانة التي وصل إليها والتي جعلته يُرافق موكب الحج، فكثرت المهام غير القضائيَّة التي كانت توكل إليه، مثل التدريس والخِطابة والنظر في الجوامع ووِكالة بيت المال ومشيخة الشيوخ، حتى وصل به الأمر أحيانًا إلى تقلّد الوزارة.
- التوسط عند الخليفة أو الوزير: كان قاضي القضاة يتقلَّد أعلى منصب قضائي، مما جعله مُقرَّبًا من الخليفة وذوي السُلطة والنفوذ، وهذا ما دفع بأصحاب الحاجات للالتجاء إليه عساه يتوسَّط لهم في بعض الحاجات، أو إنقاذ محكومٍ من السجن والإعدام. وقد ذاعت شهرة قاضي القضاة المعتزلي أحمد بن أبي دؤاد في إنقاذ المحكومين من السجن والقتل، فأنقذ أبي دلق القاسم بن عيسى العجلي من القتل على يد الأفشين، وشفع عند الخليفة المعتصم بالله الذي قبض على أموال وضياع خالد بن يزيد وأراد معاقبته وتعذيبه فأنقذه منه، كما شفع عند الخليفة الواثق في رجل من اليمامة، وفي بعض العمَّال والكتَّاب الذين سجنهم الوزير محمد بن عبد الملك فأنقذهم من السجن.
- مُرافقة موكب الحج: كانت تولى أحيانًا إلى قاضي القضاة، إمارة الحج، ففي سنة 412هـ الموافقة لسنة 1021م، تولَّى قاضي القضاة أبو محمد الناصحي إمارة الحج وسار الناس بصحبته.
- التدريس والخِطابة والنظر في الجوامع ومشيخة الشيوخ: تكثر المهام الأخرى التي كانت توكل إلى قاضي القضاة، وأهمها التدريس والخِطابة والنظر في الجوامع ومشيخة الشيوخ. ففي بغداد درَّس قاضي القضاة قطب الدين "الأحوس" بالمدرسة المستنصريَّة وغيرها من مدارس بغداد. وعندما يقوم قاضي القضاة بالتدريس، يحضر عنده القضاة والأمراء والأعيان والفضلاء.
- دار الضرب والأسوار ووِكالة بيت المال: أحيانًا كان يوكل إلى قاضي القضاة أمر دار الضرب والأسوار أو وِكالة بيت المال. ففي دمشق، فُوِّض إلى قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري النظر في الجامع ودار الضرب والأسوار. وتولَّى قاضي القضاة تقي الدين محمد الشافعي وكذلك شهاب الدين الشافعي التدريس ووِكالة بيت المال.
- الجهاد في سبيل الله: رغم أنَّ الخليفة هو الذي يدعو للجهاد في سبيل الله، فقد كان قاضي القضاة يُساعد في هذا الأمر عن طريق الخِطبة في الجوامع حيث يدعو الناس للجهاد. فعندما جاء الخبر إلى دمشق بأنَّ مراكب العدو تقترب من ساحل بيروت سنة 767هـ الموافقة لسنة 1365م، خطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة كعادته، وحرَّض الناس على الجهاد، وألبس جماعة من غلمانه اللأمة والخِوَذ، وعزم المسير مع الناس. ولم يكتفِ قاضي القضاة بذلك، بل كان أحيانًا يُشارك بنفسه في الجهاد في سبيل الله، كما فعل قاضي القضاة حسام الدين الرَّازي الحنفي عندما اشترك مع السلطان المملوكي في القتال ضد التتر في وادي الخزندار عند وادي سلميَّة بالقرب من حمص سنة 698هـ الموافقة لسنة 1298م.
- مُلازمة الخليفة: هذه المهام جعلت قاضي القضاة مُقرَّبًا جدًّا من الخلفاء، فيُسمَّى أحيانًا "قاضي الخليفة"، ويستعين به الخليفة في الأمور الخاصَّة به، فيخرج معه في أسفاره. كما كان الخليفة يصطحب معه قاضي القضاة أثناء المواكب. وهكذا كان قاضي القضاة الإمام أبو يوسف يُلازم هارون الرشيد في تجواله، وقاضي القضاة علي بن ظبيان يخرج مع الرشيد أيضًا في أسفاره، فكان معه في خراسان عندما توفي سنة 192هـ الموافقة لسنة 807م. وبلغ من درجة تقرّب بعض قضاة القضاة أنّه عند وفاة أحدهم كان السلطان أو الخليفة أحيانًا، ونائب السلطنة والقضاة والأعيان يصلون عليه ويسيرون في جنازته. وهذا كله يدل على المكانة التي توصَّل إليها قاضي القضاة لدى الخلفاء سواء في بغداد أو مصر أو دمشق، هذه المكانة التي جعلت الخليفة الراضي يحزن حزنًا شديدًا على وفاة قاضي قضاته أبي الحسين عمر ويبكي عليه، حتى مات بعده بفترة قصيرة. كما جعلت الحاكم بأمر الله الفاطمي يقف على دفن قاضي قضاته محمد بن النعمان في القاهرة سنة 389هـ الموافقة لسنة 999م.
المصدر: wikipedia.org