English  

كتب نشوء منصب قاضي القضاة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

نشوء منصب قاضي القضاة (معلومة)


  • طالع أيضًا: الدولة العبَّاسيَّة
  • العصر الذهبي للإسلام

خلال العصر العبَّاسي تعقَّد القضاء بسبب تعقّد الحياة الاجتماعيَّة في الدولة الإسلاميَّة، وخاصة في العاصمة بغداد التي عرفت أساليب جديدة في الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة والفكريَّة والاقتصاديَّة. ففي هذا العصر نشطت وازدهرت حركة الترجمة والتعريب والنقل من اليونانيَّة والسريانيَّة والهنديَّة والفارسيَّة إلى العربيَّة، وصُهرت قوميات كثيرة في البوتقة الإسلاميَّة ذات الصبغة العربيَّة، فتعددت الآراء والمشارب والنظرات إلى الأمور الحياتيَّة والمعيشيَّة، كما اكتمل تدوين المذاهب الإسلاميَّة الكبرى: الحنفيَّة والجعفريَّة والمالكيَّة والشافعيَّة والزيديَّة والحنبليَّة، والتي تناولت وعالجت تلك الأمور كلٌ منها بأسلوب يختلف بعض الشيء عن الآخر، وعلى هذا الأساس كان منصب القاضي يتطلَّب معرفة تامَّة بالشريعة الإسلاميَّة وبالنواحي الدقيقة فيها والتي عالجتها المذاهب المتنوعة، وعندما كثرت الحاجة إلى القضاة لم يعد ممكنًا إيجاد عدد كافٍ من الذين لهم معرفة واسعة بالفقه والشرع، فأصبحت الطريقة في اختيار القاضي تعتمد على اتصافه بالأمانة والفطرة السليمة، ويستطيع القاضي ضمان معرفة الفقه باختياره مستشارين مثقفين، أو تأخير حكمه حتى يزوَّد برأي صائب من أحد الفقهاء أو القضاة الضالعين في القضاء.

وهكذا يُعتبر منصب القاضي هو الأساس الذي خرج منه منصب قاضي القضاة، حيث يختاره الخليفة عادةً من بين القضاة. وكان الخليفة هارون الرشيد أوَّل من استحدث منصب قاضي القضاة، الذي يُعتبر من مستحدثات الدولة العبَّاسيَّة والتي حاولت منذ عصر الخليفة أبو جعفر المنصور تأكيد الحاجة إلى فصل السلطة القضائيَّة عن السلطة التنفيذيَّة، وذلك بتدعيم الاستقلال القضائي والديني في الدولة، فاعتمدت في كثيرٍ من إداراتها على النظم الفارسيَّة، ومن بين ذلك المنصب القضائي الساساني «موبدان موبد»، وتعريبه قاضي القضاة أو رئيس القضاة، وهو أعلى الوظائف الدينيَّة قدرًا ورتبة. وأوَّل من قُلِّد هذا المنصب كان الإمام أبو يوسف يعقوب بن حبيب الأنصاري، تلميذ الإمام أبو حنيفة النعمان، وقد استقلَّ في أمور القضاء، وأصبحت له الرئاسة على جميع القضاة، وأصبحت بغداد، حاضرة الخِلافة، هي مقر قاضي القضاة. أمَّا عن كيفيَّة اختيار أبو يوسف ليتبوأ المنصب، فقد حصل أنه قصد بغداد بعد وفاة استاذه أبي حنيفة، فجيء به إلى أحد قادة الخليفة يستفتيه في حنث يمين، فأفتاه أنه لم يحنث فوهب له دنانير ودارًا بالقرب منه. ثم طلب هارون الرشيد فقيهًا يستفتيه بعد أن شاهد ابنه يزني، فجاء له هذا القائد بأبي يوسف، فسأله عن رأيه في إمام شاهد رجلًا يزني إن كان يحدّه، فأفتاه أبو يوسف أنَّ الحدود لا تُقام بشهادة الإمام، فإذا رأى الحاكم أو الخليفة أو القاضي رجلًا قد زنا لا ينبغي أن يقيم عليه حد الزنا برؤيته لذلك حتى تقوم عنده بينة وشهود، أو إذا أقرَّ الزاني بفعله، وحيث أنَّ الابن لم يقر بفعله كما لم يثبت الزنا عليه بشهادة أربعة من الرجال فقد سقط عنه الحد. وهكذا سرَّ هارون الرشيد من فتوى أبي يوسف وأمر له بمال جليل ورزق في الفقهاء كل شهر وأخذ يستشيره في أمور الدين حتى اختاره ليكون قاضيًا للقضاة بعد أن لم يرَ عالمًا أرجح منه عقلًا وأغزر علمًا.

بذلك استقل أبو يوسف في أمور القضاء والقضاة في الدولة، فأصبح هو الذي يُعيّن القضاة ويُراقب أعمالهم ويعزلهم عند الاقتضاء، حتى لُقِّب بقاضي قضاة الدنيا، لأنه كان يستنيب القضاة في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة. وكان زي القضاة والعلماء هو العمامة الفارسيَّة، فكان أبو يوسف أوَّل من ابتكر زيًّا خاصًّا بالقضاة وهو عِبارة عن عمامة سوداء وطيلسان، بعد أن كان ملبوس الناس قبل ذلك شيءًا واحدًا، لا يتميَّز أحد عن أحد بلباسه. ومنذ تعيين أبي يوسف في منصب قاضي القضاة لأوَّل مرَّة في الإسلام، بدأ القضاء في العصر العبَّاسي يأخذ شكل سلطة يتولاها قاضي القضاة، يليه وظائف قضائيَّة مختلفة لتسهيل أمور القضاء في مناطق الدولة الواسعة، فاتساع الدولة أدَّى إلى إيجاد منصب قاضي القضاة يليه القاضي، فخليفة القاضي، ثمَّ مساعدوا القاضي (أمين، كاتب، خادم)،(1) فالشهود العدول، ثمَّ الوكيل على أبواب القضاة، وكل ذلك بهدف تنظيم القضاء الذي تحوَّل إلى هيئة يتدرَّج فيها المرشَّح للقضاء من خليفة قاضي إلى قاضي فقاضي قضاة، وهو أعلى منصب قضائي في الدولة.

وكان يوجد قاضي قضاة واحد في بغداد زمن الدولة العبَّاسيَّة، وإذ اتسعت الدولة كثيرًا، فقد أصبح لأمصار الأقاليم التي غدت عواصم لإمارات ودويلات مُستقلَّة قاضي قضاة أسوةً ببغداد، فكان قاضي قضاة القاهرة زمن الدولة الفاطميَّة، وكذلك زمن الدولة الأيوبيَّة، واضطرَّت الظروف إلى إيجاد قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة عند أهل السنَّة والجماعة سواء في القاهرة أو دمشق زمن السلطنة المملوكيَّة. أمَّا في الأندلس والمغرب فكان قاضي القضاة يُعرف باسم "قاضي الجماعة".

لقب قاضي القضاة

رُويَ في صحيح مسلم حديثٌ عن النبي محمد قال فيه "إن أخنع (أبغض) اسم عند الله رجل تسمى ملكَ الأملاك"، وقاسَ عليه علماء السَلَفِيّة تحريمَ التسمّي ب "أمير الأمراء" و"سلطان السلاطين"، واختُلفَ في إلحاق تسمية "قاضي القضاة"، هل تجوز؟ أم لا؟، رأى بعض المالكية إلحاق التسمي بقاضي القضاة، وحُكِيَ أن قاضي القضاة عز الدين بن جماعة الشافعي رأى أباه في المنام، فسأله عن حاله؟ . فقال: ما كان عليَّ أضرَّ من هذا الاسم، فأمر الموقعين أن لا يكتبوا له في السجلات قاضي القضاة، بل قاضي المسلمين، وقال الشيخ عبد الله بن أبي جمرة المالكي "يلتحق بملك الأملاك، قاضي القضاة وإن كان اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل المغرب من ذلك، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة". وقال بكر أبو زيد الحنبلي "قد يكون هناك إنسان يعمل قاضيًا، ويضرب به المثل في العدل، فيطلق الناس عليه كلمة: "قاضي القضاة"، وهذا لا يجوز بهذه الصفة؛ لأن "قاضي القضاة" بهذا المعنى الشامل العام لا يصلح إلا لله عز وجل، فمن تسمى بذلك، فقد جعل نفسه شريكًا لله عز وجل فيما لا يستحق إلا لله عز وجل، وهو القاضي فوق كل قاضٍ، والحكَم، وإليه يرجع الحكم كله، وإن قيد بزمان أو مكان فهذا جائز، لكن الأفضل ألا يفعل؛ لأنه قد يؤدي إلى الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وإنما جازَ هذا؛ لأن قضاء الله لا يتقيد، فلا يكون فيه مشاركة لله عز وجل، وذلك مثل: "قاضي قضاة العراق" أو "قاضي قضاة الشام"، أو "قاضي قضاة عصره". وكان الماوردي الشافعيّ منع جواز تلقيب ملك الملوك للملك الذي كان في زمانه، علماً بأنه كان يقال للماوردي نفسه "أقضى القضاة"، والسبب أن المقصود بلقبه هو "أقضى القضاة في زمانه" ليس أقضى القضاة عموماً. وقال بدر الدين العيني الحنفي "يمتنع أن يقال أقضى القضاة لأن معناه أحكم الحاكمين، وهذا أبلغ من قاضي القضاة لأنه أفعل تفضيل قال: ومن جهل أهل زماننا من مسطري سجلات القضاة يكتبون للنائب أقضى القضاة وللقاضي الكبير قاضي القضاة.".

المصدر: wikipedia.org
 
(1)
قضاة مصر

قضاة مصر