اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
استمرَّ منصب قاضي القضاة قائمًا منذ أوائل العصر العبَّاسي، وعرف عصره الذهبي في النصف الثاني من القرن الثامن حتى النصف الأوَّل من القرن العاشر الميلادي. لكن هذا العصر لم يدم طويلًا، فبدأ منصب قاضي القضاة في الانحدار تدريجيًّا نتيجة ضعف الدولة العبَّاسيَّة وقيام الإمارات والدويلات المُستقلَّة في كنفها. ولم يحصل تطوّر يُذكر حتى زمن المماليك، عندما أوجد الظاهر بيبرس قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب الأربعة عند أهل السنَّة والجماعة، سواء في القاهرة أو في دمشق. بالرغم من ذلك، لم يسترجع قاضي القضاة الهالة والسلطة التي كانت له في العصر الذهبي للتشريع والقضاء. وفي أواخر العصر العثماني أدخل السلطان محمود الثاني ومن بعده ابنه السلطان عبد المجيد الأوَّل الكثير من النظم الأوروبيَّة إلى النظام القضائي في محاولة لتحديث النظم والأجهزة الإداريَّة للدولة، مع بقاء الشريعة الإسلاميَّة أساس القانون العثماني. وكانت الضربة القاضية من الاستعمار الأوروبي للوطن العربي بعد انهيار الدولة العثمانية. فقد حمل الأوروبيّون معهم القوانين الأجنبيَّة وأنشأوا محاكم جديدة زاحمت المحاكم الشرعيَّة لتسلبها الصلاحيَّات الرئيسيَّة، كما لعب المهاجرون إلى أوروبا دورًا في نقل الأفكار الجديدة إلى داخل أوطانهم، فاقتصر دور المحاكم الشرعيَّة على الأحوال الشخصيَّة من خِطبة وزواج وطلاق ونفقة وحِضانة وحجر ووقف... فتحوَّلت إلى محاكم الأحوال الشخصيَّة التي تفصل في القضايا العائليَّة، بعد أن كانت تفصل في كل القضايا. كما اتجهت تركيَّا، وريثة الدولة العثمانيَّة إلى تبني النظام العلماني، فكان من الطبيعي أن تتحوَّل محاكمها إلى النظم الأوروبيَّة، وتلقى محاكمها الشرعيَّة نفس مصير محاكم العرب. وورِثت البلاد العربيَّة المنسلخة عن الدولة العثمانيَّة هذا الواقع الجديد، فتطوّرت مؤسسة قاضي القضاة إلى مؤسسة مشيخة الإسلام. وأصبحت المحاكم الشرعيَّة برئاسة المفتي، وعلى المذهب الحنفي في معظم الدول العربيَّة، في حين اقتصر المذهب الجعفري على الشيعة في لبنان والعراق وإيران، والزيدي على الزيديَّة في اليمن. ولم يعد لمنصب قاضي القضاة من وجود،(4) فقد توزعت مهامه الصغيرة على المفتي والمحاكم التابعة له، في حين تولّى وزير العدل والمحاكم التابعة له المهام الرئيسيَّة والأساسيَّة التي كان يضطلع بها قاضي القضاة، والتي كانت أساس السلطة القضائيَّة في الإسلام.