English  

كتب characteristics and features of a judge

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

خصائص ومميزات قاضي القضاة (معلومة)


عند قيام قاضي القضاة بمهامه القضائيَّة وغير القضائيَّة، كان يتقيَّد بمذهب مُعيَّن في القضاء، وبِزيّ خاص به، كما كان يتقاضى أجرًا على عمله، وأحيانًا يرفض الأجر، مع الإشارة إلى تقلّد بعض أفراد العائلة الواحدة لهذا المنصب. ومع ذلك كلّه كان قاضي القضاة يتعرَّض للمُحاكمة والسجن والعزل من منصبه لأسباب مختلفة، ومن الجدير بالذِكر أنَّ البعض رفض تقلّد هذا المنصب، كما أنَّ البعض الآخر كان يتنافس على هذا المنصب مما يؤدي إلى وقوع الخِلاف بينهم، وخاصَّةً عندما أصبح لكل مذهب من المذاهب الأربعة قاضي قضاة.

الزيّ الخاص بقاضي القضاة

السَّواد هو شِعار العبَّاسيين الرسمي، ولِباس الخلفاء كان قلنسوة محددة وقباء أسود وتاج مُرصَّع بالجواهر. وكان الخليفة يلبس طوقًا وسِوارين من الذهب المنظوم بالجواهر. وكان لِباس الوزراء يتألَّف من الدراعة والقميص والمبطنة والخف وعمامة سوداء. كما كان الكتَّاب والعلماء يرتدون الدرايع والطيلسان والعمامة التي يختلف حجمها باختلاف السن والمكانة. أمَّا القضاة فلم يكن لهم زي مخصوص، وعندما تقلَّد أبو يوسف منصب قاضي القضاة زمن الخليفة هارون الرشيد، ميَّز القضاة بلِباس خاص يُعرفون به. وأصبح القاضي يعتمّ بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة. وكان قاضي القضاة يلبس السواد على هيئة عمَّال بني العبَّاس في المناسبات الرسميَّة، وخاصَّةً في احتفال يوم الجمعة حين ينوب عن الخليفة في ذلك.

وكان قاضي قضاة بغداد يضع القلنسوة(3) فوق رأسه، ويُلقي الطيلسان(3) على كتفه، ويُفضّل احتذاء النعال الهنديَّة. وعندما يكون الطقس حارًا يحمل قاضي القضاة مروحة بيده، وإذا وجد نفسه بعيدًا عن أعين الخليفة والأمراء أو في منزله فإنَّه يضع قلنسوته جانبًا بسبب الحر. وفي مصر كان قاضي القضاة يضع على رأسه طرحة. وكانت الطرحة(3) لِباس القضاة الخاص، بل شِعار قاضي القضاة، وكان لا يحملها إلّا قاضي القضاة الشافعي. وفي سنة 663هـ الموافقة لسنة 1265م من أيَّام حكم الظاهر بيبرس، تلقَّى القضاة الثلاثة الآخرون: الحنفي والمالكي والحنبلي، السماح لهم باتخاذ الطرحة. وكان قاضي قضاة دمشق يلبس الطرحة والبركان والفوقانيَّة.(3) وكان قاضي القضاة يركب البغال النفيسة، ويجعل حول السرج فرجيَّة من جوخ. وكان قاضي القضاة في الدولة الفاطميَّة يُقدَّم له من اصطبلات الخليفة بغلة شهباء يركبها دائمًا، وهو مختص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة. وزمن المماليك، كان السلطان يخلع على قاضي القضاة، خلعة صوف ويعطيه بغلة لركوبه يصل ثمنها أحيانًا إلى ثلاثة آلاف درهم. وبعد الفتح العثماني للشام ومصر سنة 922-923هـ/1516-1517م، تغيَّرت ملابس قاضي القضاة والقضاة أيضًا.

رواتب قاضي القضاة

جعل العبَّاسيّون لقاضي القضاة منصبًا رفيعًا مُستقلًّا، ويتقاضى راتبًا شهريًّا مثل سائر القضاة. فكان قاضي مصر يأخذ ثلاثين دينارًا كل شهر سنة 155هـ الموافقة لسنة 772م، ثمَّ رفعه الخليفة المأمون إلى مائة وستين دينارًا كل شهر سنة 198هـ الموافقة لسنة 813م. وقد أدخل قاضي القضاة أبو العبَّاس عبد الله ابن أبي الشوارب نظام الالتزام في القضاء حين تقلَّد قضاء بغداد مقابل دفع مائتيّ ألف درهم كل سنة إلى خزانة الأمير معز الدولة سنة 350هـ الموافقة لسنة 961م. وبالمُقابل كان يوجد قاضي قضاة يرفض تناول أجر لقاء منصبه، فعندما تقلَّد قضاء القضاة ببغداد محمد بن صالح الهاشمي سنة 363هـ الموافقة لسنة 973م، اشترط عند تولّي منصبه ألّا ينل على القضاء أجرًا. وأحيانًا، عندما يترك قاضي القضاة منصبه بسبب عجزه وكِبَر سنّه، يُرتَّب له معاش شهري. فعندما ترك بدر الدين بن جماعة قضاء قضاة الشافعيَّة في مصر سنة 727هـ الموافقة لسنة 1326م بسبب كِبَر سنّه، جبروا خاطره عندما رُتِّب له ألف درهم وعشرة أرادب قمح في الشهر.

تقلّد بعض أفراد العائلة الواحدة لمنصب قاضي القضاة

يبدو من مراجعة الأسماء التي تقلَّدت منصب قاضي القضاة، تعاقب الآباء والأبناء والإخوة على هذا المنصب في بعض العائلات، وكأنَّ مهنة قاضي القضاة تورَث. ومن العائلات الكُبرى التي كان منصب قاضي القضاة من نصيب معظم أفرادها: عائلة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، وعائلة إسماعيل بن حماد الأزدي، وعائلة النعمان... فقد تقلَّد الكثيرون من عائلة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، منصب قاضي القضاة. فالحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي، تقلَّد منصب قاضي القضاة في سامرَّاء زمن الخليفتين المعتز بالله والمهتدي بالله. وعندما توفي الحسن بن محمد سنة 261هـ الموافقة لسنة 874م، أرسل الخليفة المعتمد على الله وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى علي بن محمد، فعزَّاه بأخيه وهنّأه بتوليه القضاء، وكأنَّه ورث القضاء عن أخيه حتى أصبح علي بن محمد قاضي القضاة سنة 283هـ الموافقة لسنة 896م، وهي السنة التي توفي فيها.

تقلّد بعض العميان لمنصب قاضي القضاة

من الظواهر النادرة، تقلّد بعض العميان قضاء القضاة أو بالأحرى إصابة بعض قضاة القضاة بالعمى واستمرارهم في منصبهم. ففي دمشق، تولّى ابن أبي عصرون قضاء قضاة دمشق سنة 583هـ الموافقة لسنة 1187م، وكان قد عمي قبل موته بعشر سنين، وقد جمع جزءًا في قضاء الأعمى وأنه جائز، وهو خِلاف المذهب الشافعي، مذهب قاضي القضاة زمن الدولة الأيوبيَّة. وذلك عكس ما أشار إليه الماوردي من أنَّ "سلامة السمع والبصر" هي من أهمّ الشروط لتقلّد القضاء.

رفض البعض تقلّد منصب قاضي القضاة

إذا كان البعض قضى عمره يُحاول الوصول إلى منصب قاضي القضاة الذي كان قِبلة أنظار معظم القضاة، فإنَّ البعض الآخر، اعتذر عن قبول هذا المنصب لما فيه من مسؤوليَّة إحقاق العدل، خاصَّةً بعد أن ورد في تقلّد القضاء من الحديث ما يزهد فيه ويوجب الفِرار منه. فقد رُوي عن النبي محمد أنه قال: «من وُلِّيَ القضاء فقد ذُبح بغير سكين»، وعنه: « ما من حكمٍ يحكمُ بين الناس إلّا حُبس يوم القيامة وملكٌ آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم، ثم يُرفع رأسه إلى الله عز وجل، فإن قال: "ألقه"، ألقاه في مهوى فهوى أربعين خريفًا». وعن ابن عمر قال: «سمعت رسول الله يقول: "مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِجَوْرٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِجَهْلٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا عَالِمًا فَقَضَى بِحَقٍّ، أَوْ بِعَدْلٍ سَأَلَ أَنْ يَنْفَلِتَ كَفَافًا"». وهذا ما جعل الفقهاء والعلماء لا ينظرون بعين الرضا إلى منصب القاضي أو قاضي القضاة. وقد اختلف المسلمون في قبول القضاء فرفضه بعضهم رفضًا قاطعًا، وتقبَّله البعض الآخر إذا كان من يتقلَّده يَصلح لذلك الأمر. وكان الصوفيَّة يسمّون القضاة "علماء الدنيا" ويُرددون: «إنَّ العُلماء يُحشرون في زُمرة الأنبياء، والقُضاة يُحشرون في زُمرة السلاطين». ومن أبرز اللذين رفضوا منصب القاضي أو قاضي القضاة: الإمام أبو حنيفة النعمان وجعفر بن محمد التنّوخي وأبو الفضل الهمذاني والعلّامة برهان الدين أبو إسحق إبراهيم الفزاري.

الخِلاف بين قضاة القضاة

بتعيين قاضي قضاة لكل مذهب من مذاهب أهل السنَّة الأربعة سواء في مصر أو في دمشق، كان يتوجَّب على قاضي قضاة مذهب مُعيَّن أن لا يتدخل في قضايا وأمور قاضي قضاة من مذهب آخر، ومع ذلك كان الخِلاف يقع بين قضاة القضاة أنفسهم في أمور تتعلَّق بالوقف والهدم. ومثل هذا الخِلاف كان يقع أحيانًا بين قاضي قضاة الحنابلة من جهة وقضاة القضاة الحنفيَّة والشافعيَّة والمالكيَّة من جهة ثانية، أو بين قاضي قضاة الشافعيَّة من جهة وقضاة القضاة الثلاثة الآخرين من جهة ثانية. فيضطر نائب السلطنة لعقد مجلس بهذا الخصوص في دار السعادة بدمشق للتوسّط والصلح بينهم، كما يضطر أحيانًا السلطان لإصدار مرسوم يوفّق بين قضاة القضاة. كما كان الخِلاف يقع أيضًا بين قاضي القضاة والفقهاء، فعندما نَقَمَ قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي على الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزيَّة بسبب إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق، تدخل الأمير سيف الدين بن فضل العرب، وأقام الصلح بينهما في بستان قاضي القضاة.

مُحاكمة قاضي القضاة وسجنه وعزله ونفيه

كانت الحظوة والتقرّب من الوزراء والخلفاء خطوة كبيرة في تقلّد القضاء والوصول إلى أعلى منصب وهو قاضي القضاة. ولكن تقلّد هذا المنصب لا يعني أنَّ قاضي القضاة أصبح حاكمًا بأمره، لا يطاله أحد، فهو في النهاية مثل أي موظف يُعينه الحاكم عندما يكون راضيًا عنه، ويعزله عندما يغضب منه، ذلك أنَّ قاضي القضاة بحكم منصبه، يكون على قرب دائم من الخليفة أو الوزير، والحكم في العصر العبَّاسي لم يكن دائمًا مُستقرًّا، فالمؤامرات والصراع على النفوذ كان دائمًا يُهدد رجال الحكم، فإذا ما تخلّى الخليفة عن السلطة سارع خليفته إلى عزل الوزير وتعيين وزير له، وبالتالي يتأثّر أحيانًا وضع قاضي القضاة الذي يؤيّد هذا الوزير أو ذاك. وفي ظل الصراع بين الوزراء على الحكم كان موقف قاضي القضاة حرجًا وهو يُدرك أنَّ نقمة الوزير تؤدي إلى نقمة الخليفة عليه، وبالتالي الوصول إلى ما لا تُحمد عقباه. وعندما يتقلَّد أحدهم منصب قاضي القضاة يُصبح قريبًا من الخليفة وهنا عليه أن يكون دقيقًا جدًا في مواقفه وآرائه، لأنَّ غضب الخليفة أقسى وأشد مرارة من غضب الوزير. ومن القصص المأسويَّة التي انتهى بها قاضي قضاة: قصَّة قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الذي أصرَّ على مبايعة المتوكل على الله بعد وفاة الخليفة الواثق بالله، وألبسه الطويلة وعممه بيده. وكان جزاؤه منه أنه عزله المتوكل وصادر ضياعه وضياع أولاده. وكذلك قصَّة قاضي القضاة الفاطمي الحسين بن علي النعمان الذي عزله الحاكم بأمر الله ثمَّ قتله وأحرق جثته.

وقد تؤدي العداوة والبغضاء بين قاضي القضاة وأحد الأمراء أو النافذين إلى إهانة أو محاكمة قاضي القضاة، وعزله وحتى سجنه. ففي دمشق أدَّت العداوة إلى أن يأمر المُعظَّم عيسى قاضي قضاة دمشق زكي الدين الطاهر بن محمد، بأن يلبس قباء أحمر وكلوته صفراء من ملابسه ليحكم بين الناس، مما أغاظه وأدّى إلى موته سنة 617هـ الموافقة لسنة 1220م. ويصل الأمر أحيانًا، إلى محاكمة قاضي القضاة نفسه إذا ما وقف نائب السلطنة ضدّه. وكانت المحاكمة تدور بدار السعادة في دمشق، حيث يعقد نائب السلطنة مجلسًا حافلًا بالقضاة وأعيان المفتيين من سائر المذاهب. وكذلك كان قاضي القضاة يدفع ثمن الصراع بين السلطان والأمراء، ففي سنة 759هـ الموافقة لسنة 1358م، عزل صرغمتش، أتابك أمراء مصر، قضاة القضاة الثلاثة بدمشق وهم الشافعي والحنفي والمالكي وولّى قضاة جدد مكان السابقين. ولكن سرعان ما اعتُقل صرغمتش فرَسم السلطان بإعادة الذين عزلوا إلى مناصبهم. وأحيانًا، لا ينتظر قاضي القضاة أن يعزله أحد عن القضاء، فيُبادر هو لعزل نفسه عندما يشعر بالتعب من هذا المنصب. وبالإضافة إلى المحاكمة والسجن والعزل، يتعرَّض قاضي القضاة أحيانًا للنفي. ففي يوم الثلاثاء 12 شعبان سنة 760هـ، حمل البريد المرسوم الشريف بنفي قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشافعي من دمشق إلى طرابلس بلا وظيفة، فشق عليه وعلى أهله، وتغمم له كثيرٌ من الناس. حتّى أنَّ بعض قضاة القضاة لم ينجُ من تسلّط النساء على الحكم ومن ثمَّ تدخلهنَّ في أمور القضاء.

المصدر: wikipedia.org