العربية  

books نقض أوهام المادية الجدلية

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

نقض أوهام المادية الجدلية (Book)


إذا اتضح أن الروح ليست منبثقة حتماً عن المادة، لأن العلم، على حد تعبير انجلز، لا يملك أن يقول شيئاً عن الروح إلى هذا اليوم... وإذا اتضح أن القول بسرمدية المادة جنوح عما يقتضيه قانون المنطق والعلم بشكل بدهي واضح فضلاً عن أنه لا يعتمد على أي دليل مقبول في ميزان المنطق... وإذا اتضح أن الإنسان لا يمكن أن يكون قد عاش أوقاتاً من الدهر وهو كالحيوانات العجماوات، لا يتمتع بوعي ولا تعيين، ثم أنه انفصل عنها بعد ذلك بهاتين المزيتين العظيمين، فانبثق في دماغه الفكر، وتفجرت على لسانه اللغة، بل لا بد، ما دلت الآثار التاريخية، أنه كان منذ نشأته الأولى مزوداً بكل منهما، وإذا اتضح أنه يستحيل أن تحقق تنظيم بدون منظم، وتنسيق بدون منسق، ووحدة جذرية الأشياء الكثيرة بدون موحد يؤلف ما بينها، وإذا تبين أن الإنسان منذ أن كان في عهوده البدائية أولى كان يملك المشاعر الوجدانية الرفيعة والذوق الجمالي في الأشياء، وفطرة الخضوع المطلق للدين، والأخلاق الإنسانية، فلا بد أن هذا الكائن تقوم حياته على معنيين اثنين: معين المادة الحسيمية، ومعين الروح العلوية. فإذا انضمت، في أعماق محاكاتنا العلمية، هذه الحقائق كلها من القرار الحتمي الذي لا بد أن يأتي ثمره لذلك كلا؟ انه بدون ريب القرار الذي يقضي بأن هذه المكونات كلها مخلوقة بخلق مبدعها، منظمة بتنظيم من قد نظمها، وأن هذا المبدع إله واجب الوجود، أي وجوده نابع من ذاته، وليس فيضاً من غيره، وأنه يتصف بالكمال المطلق، فهو قديم لا أول له، باق لا نهاية له، عليم لا يندّ علمه شيء، قادر لا يخرج عن سلطانه شي... الخ. أما عن عجز الإنسان عن تصور هذه الصفات، فإنه ليس دحضاً للحقيقة التي يعجز الإنسان عن تصورها، إذا كانت أدلتها العلمية وافية، ذلك لأن طاقة التصور متخلفة دائماً عن طاقة المنطق والعقل. إذ أن القدرة التصويرية تعتمد دائماً على الذخر الذي ليس فيه إلا تجارب الإنسان المحدودة التي تجمعت في خزانة خياله من نوافذ الحواس الخمس، ولا يمكن أن تكون حصيلة حواسه هذه، هي كل ما يمكن أن يكون موجوداً، بل هي كل ما قد دخل في إحساس الإنسان فقط.

ضمن هذا المناخ العلمي التحليلي أجرى الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عملية نقص أوهام الجدلية المادية (الديالكتيكية) وقد توصل من خلال هذه العملية إلى نتيجة تقول بأن ما يقال عنه (قوانين الحادية الديالكتيكية) ومقولاتها، قد آل، بعد البيان الذي انتهى منه إلى أوهام باطلة لا يتماسك منها شيء على شيء. والدكتور البوطي في عملية النقدية هذه ومن خلال مناقشته لهذه القوانين ومحاججته فيها لم يعتمد على أسلوب خطابي، ولا هو اعتمد على الطريقة التهويلية التي قد يسلكها بعضهم في النقاش وإبطال آراء الخصوم، إذ يخاطب العواطف ويثيرها، أكثر مما يخاطب العقول ويتحاكم إليها. ولا هو، أيضاً، استعان بشيء من المنطق الديني في أبطال مفاهيم لا يقر أصحابها بالدين في جوهره ولا في تفصيله، وإنما هو اعتمد خلال مناقشاته كلها، على الميزان الذي لا يملك أن ينصرف عنه أحد من العقلاء أثناء محاولة التعرف إلى قيمة أي مبدأ أو فكرة أو مذهب، ألا وهو ميزان المنطق العلمي بمعناه الشامل العام الذي يتسع لتقدير كل الباحثين، وفي مقدمتهم دعاة المادية الجدلية أنفسهم.