If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لم يُؤدِّ انحسار الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وانكفائها إلى ما وراء حُدُودها في آسيا الصُغرى، وهزيمتها في معركة ذات الصواري، إلى دفع الروم لِلتخلِّي نهائيًّا عن بلاد الشَّام ذات الأهميَّة الاستراتيجيَّة والاقتصاديَّة، لِاستمرار وُجود دولتهم كقُوَّة عُظمى في المنطقة. ولم يفُت على مُعاوية هدف البيزنطيين، كما لم يتجاهل الفراغ العسكري الذي أحدثوه في المنطقة، فوضع نصب عينيه هدفين: إقامة مراكز دفاعيَّة في مناطق الحُدُود وحاميات عسكريَّة دائمة في المعاقل الأماميَّة والممرَّات الجبليَّة على تُخُوم الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، والاستيلاء على القُسطنطينيَّة عاصمة تلك الإمبراطوريَّة. ولمَّا قامت الدولة الأُمويَّة وآلت الخِلافة إلى مُعاوية، أرسل في سنة 49هـ المُوافقة لِسنة 669م حملةً عسكريَّةً بريَّةً ضخمة لِحصار القُسطنطينيَّة بِقيادة فضالة بن عُبيد الأنصاري الذي توغَّل في عُمق الأراضي البيزنطيَّة حتى وصل إلى خلقدونية القريبة من العاصمة. وقد أمضى فضالة شتاء ذلك العام في أملاك الإمبراطوريَّة وكان مُعاوية يمُدُّه بِالإمدادات والمُؤن. وقد قامت إحدى هذه الإمدادات، بِقيادة سُفيان بن عوف الغامدي، بِتنفيذ الحصار على العاصمة البيزنطيَّة. ونظرًا لِجسامة المُهمَّة، وأهميَّة الحملة، أردف مُعاوية القُوَّات الإسلاميَّة بِابنه يزيد على رأس قُوَّةٍ إضافيَّة. واصطدم الفريقان الإسلامي والبيزنطي في معارك التحاميَّة تحت أسوار القُسطنطينيَّة، إلَّا أنَّ المُسلمين لم يُحرزوا انتصاراتٍ حاسمة، وبِالتالي لم يتمكنوا من فتحها، فاضطرُّوا إلى فكِّ الحصار والعودة إلى الشَّام. وتُوفي في هذه الغزوة الصحابي أبو أيُّوب الأنصاري الذي رافق جيش يزيد، ودُفن عند أسوار القُسطنطينيَّة. لم يُثنِ فشل الحملة، مُعاوية عن المضيِّ قُدمًا في مُحاولاته لِفتح القُسطنطينيَّة، وأدرك، في الوقت نفسه، أهميَّة السيطرة على الجُزُر القريبة منها كعامل مُساعدة، واتخاذها قاعدة وُثُوبٍ نحو العاصمة الروميَّة، ولِتكون هذه الجُزُر محطَّات تموينِ لِلأُسطُول الإسلامي أثناء إبحاره شمالًا.
بناءً على هذا، أرسل مُعاوية في رمضان سنة 53هـ أُسطُولًا بِقيادة جنادة بن أبي أُميَّة الزهراني لِفتح جزيرة رودس جنوب ساحل ليقية، فهبط في الجزيرة وقاتل من بها من الروم وانتصر عليهم، ثُمَّ أرسل إلى مُعاوية يُعلمه بانتصار المُسلمين. فأسرع مُعاوية وأنزل بها أُسرًا مُسلمة، وأمر بِبناء حصنٍ فيها، وبعث إليها جماعةً من المُسلمين يتولُّون الدفاع عنها، وجعلها رباطًا يدفعون منه عن الشَّام، ورتَّب لهم الأرزاق والعطاءات الجزيلة، كما أرسل الفُقهاء والعُلماء لِتعليم أهل الجزيرة الأصليين الإسلام، حيثُ آثر أن يُحيط المُسلمين في رودس بِالجوِّ الإسلاميِّ الدينيّ ويُعلي راية الإسلام بين أهاليها. وتنص بعض المصادر أنَّ المُسلمين لمَّا افتتحوا رودس، وجدوا بها بقايا مُحطَّمة من تمثالها العملاق الشهير، فحملوها إلى الشَّام.