If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
استطاع أكبر القضاء على معظم الفلول الأفغاني المتبقي في الهند، ولم يتبق سوى قوة أفغانية واحدة في هذه البلاد متمثلة في «سلالة كراني » حاكمة سلطنة البنغال، وقد كانت تحت حكم «سليمان خان الكراني »، وكان هذا الرجل حكيمًا فآثر السلامة، وأعلن ولاءه الاسمي للدولة المغولية معترفًا لأكبر بحق السيادة على سلطنته، ودفع الخراج له، وذلك في سنة 975هـ الموافقة لسنة 1568م. وقد توفي سليمان خان في عام 980هـ الموافق لعام 1572م وخلفه ابنه «بايزيد خان الكراني » فقتله وزراؤه بعد مدة قصيرة، ورفعوا أخاه «داود خان الكراني » على العرش، وقد كان هذا عنيدًا صلب الرأي، انتهج سياسة مغاييرة لسياسة والده، مغترًا بما في خزائنه من أموال كثيرة، وما تهيأ له من جند كثيف، بالإضافة إلى انهماك أكبر بحروبه؛ فأعلن استقلاله عن الدولة المغولية، وامتنع عن دفع الخراج، وضرب السكة باسمه، وخُطب له على المنابر، وراح يهاجم أراضي الدولة المغولية الشرقية حتى بلغ بتنة وخربها.
استاء أكبر من موقف داود فكلف قائده «منعم خان » بإخضاعه واستكمال «فتح البنغال ». كان داود آنذاك في حاجي پور، وأدرك أمير أمرائه «لودي خان»، الذي كان على خلاف معه، أن كفة المغول هي الراجحة، وتجنبًا لدمار الأفغان، عرض على منعم خان، وكانت الصداقة القديمة بينه وبين سليمان خان والد داود كفيلة بأن تجعله يوافق على عرض الصلح، على أن يُقدم داود مائتي ألف روبية نقدًا ومائة ألف روبية قماش هدية، ودفع الخراج، مقابل سحب القوات المغولية، وأقطعه منعم خان أوريسَّة على الرغم من معارضة القائد "تدرمل خان" الذي كان يرافق القائد المغولي. كان داود شابًا قصير النظر في الحقل السياسي، فأقدم على قتل أمير أمرائه لودي خان بناءً على رأي بعض مستشاريه المعادين له، وهو الذي كان يحمي السلطنة من الفوضى بحسن سياسته وتدبيره، فأثار مقتله منعم خان الذي كان تربطه به صداقة، وقرر إخضاع داود والاستيلاء على سلطنته، وأعلم أكبر بذلك، فقرر الأخير التوجه بنفسه للقضاء على داود، فخرج من العاصمة في شهر صفر 982هـ الموافق لشهر حزيران (يونيو) 1574م فاستولى على «بتنة» وحاجي پور، واضطر داود إلى الفرار، وذلك في يوم 3 جمادى الأولى الموافق ليوم 21 آب (أغسطس)، وكلف منعم خان بمطاردة الثائر. تحصن داود في «تاندة »، فهاجمه منعم خان واستولى على المدينة في يوم 4 جمادى الآخرة الموافق ليوم 21 أيلول (سبتمبر)، وفر داود إلى أوريسة، فأرسل منعم خان «راجا تدرمل » لتعقبه، فهرب إلى «دهربور»، وهو مكان بين البنغال وأوريسة، ثم التجأ إلى قلعة غانج بنارس، وهي مركز ولاية أوريسة، ولما علم منعم خان بذلك، قرر قيادة الحملة بنفسه، فلحق بقائده تدرمل واصطدم بداود في «معركة بجهورة » وانتصر عليه، فاضطر داود إلى طلب الصلح ووافق على دفع الخراج. عندما توفي منعم خان في عام 983هـ الموافق لعام 1575م، نهض داود لاستعادة ملكه المفقود، فاستولى على تاندة، فأرسل أكبر جيشًا بقيادة «خان جهان » نائب السلطنة الجديد، وعينه حاكمًا على البنغال وبهار، فاصطدم به في «معركة راجا محل» وقضى عليه وذلك في شهر ربيع الآخر 984هـ الموافق لشهر 1576م، وبمقتله قُضي على استقلال البنغال، وضمت إلى الدولة المغولية، لكن الحكم المغولي فيها بقي مزعزعًا وغير مستقر بوصفها سلطنة كان يحكمها الأفغان، ومركزًا لتجمعهم، وكانت لهم فيها الكثير من الإقطاعات الكبيرة بما يصحبها من نفوذ، ولم تستقر تمامًا لحكم المغول إلى في عهد جهانكير.
بعد وفاة خان جهان في عام 987هـ الموافق لعام 1579م خلفه «مظفر خان تٌربتي»، ففرض الضرائب المرتفعة على الملاك وأصحاب الأراضي الأمر الذي أدى إلى اندلاع ثورة هؤلاء الملاك، واتسعت الثورة وعمت الاضطرابات، فشملت البنغال وجونفور، وأدى نفور علماء الدين المحافظين من نزعات أكبر الدينية وما بلغهم من انصرافه إلى التفكير في ابتداع مذهب جديد يذيب فيه عقائد الهند كلها ويجمعها على التوحيد، دورًا في ذلك، وقد أفتوا بوجوب حربه لما استحدثه من بدع تُزعزع بناء الإسلام في الهند. وبلغ من عنف الثورة هناك أن قتل مظفر خان نفسه، واستمرت هذه الثورة حتى جاء القائد المغولي «ميرزا عزيز كوكا» فقضى على التمرد الذي قاده «بابا خان قاقشال» وعشائره الجغطائيَّة بالبنغال، لينطلق من بعد ذلك قائده «باز خان» إلى «بهار» فيرغم «معصوم فرنخودي» زعيم الثوار هناك على الفرار إلى تلال سوالك بالپنجاب.