العربية  

books حكايات ما بعد العبث

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

حكايات ما بعد العبث (Book)


من التمرد على العبث إلى صناعة المعنى
ربما تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية بسؤال بسيط، لكنه يفتح أبوابًا لا تنتهي: من أنا؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قلقًا: لماذا أعيش؟ وحين يعجز الإنسان عن العثور على إجابة نهائية، يواجه السؤال الأصعب: كيف أواجه عبث العالم؟ هنا بلغ الفكر الوجودي ذروته مع ألبير كامو؛ فالعبث عنده ليس دعوة إلى الاستسلام، ولا مبررًا للهروب من الحياة، بل هو مواجهة صريحة بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم. ولذلك كان التمرد فعل حياة: أن يواصل الإنسان السير، رغم أنه لا يملك يقينًا نهائيًا. لكنني أرى أن الرحلة لا ينبغي أن تتوقف هنا. فبعد أن يتمرد الإنسان على العبث، يأتي سؤال آخر: كيف أصنع معنى لحياتي؟ غير أن هذا السؤال، مهما بلغ عمقه، يظل محدودًا إذا بقي داخل حدود الفرد. لذلك يظهر سؤال أوسع: ماذا سأترك للعالم بعد أن أجد معنى حياتي؟ عند هذه النقطة يتغير اتجاه الرحلة؛ فالمعنى لم يعد خلاصًا شخصيًا، بل أصبح مسؤولية إنسانية. وما قيمة أن يجد الإنسان معنى لوجوده إذا لم يتحول ذلك المعنى إلى قيمة، والقيمة إلى أثر؟ هنا ينتقل الإنسان من الوجود إلى الإسهام، ومن إنقاذ ذاته إلى محاولة أن يجعل ما حوله أكثر إنسانية، ومن مقاومة عبث العالم إلى صناعة شيء يستحق أن يبقى فيه. ولذلك لا أرى أن الفلسفات الجديدة تأتي لتمحو ما سبقها، بل لتواصل الأسئلة التي لم تجد نهايتها. فكما فتح كامو باب التمرد على العبث، يمكن أن نفتح بابًا آخر: باب ما بعد العبث. حيث لا يكون السؤال: كيف أتحمل عبث العالم؟ بل: كيف أحوّل وجودي إلى معنى، ومعناي إلى قيمة، وقيمتي إلى أثر، وأثري إلى حضارة؟ ربما هنا تبدأ الرحلة الجديدة. فحين ينتهي التمرد على العبث، تبدأ صناعة المعنى. لا يبدأ المعنى حين نجد الإجابة... بل حين نتوقف عن الهرب من السؤال.