If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
هناك ارتباط وثيق بين تاريخ البابية والبهائية. ويعتبر البهائيون الباب المبشر بالدين البهائي والممهد لظهور بهاء الله. وفيما يلي بعض الوقائع التاريخية المهمة التي ادت إلى نشوء الدين البهائي وانتشاره.
أثناء وجود الباب في السجن قام بهاء الله الذي كان على اتصال بالباب عن طريق المراسلة المستمرة بتنظيم مؤتمر للبابية في صحراء بدشت الإيرانية سنة 1848م والاشراف عليه بصورة غير مباشرة. ولقد قام اثنان من أتباع الباب القدوس والطاهرة بالمساعدة بتنظيم المؤتمر وتطبيق برنامجه الذي كان يهدف إلى توضيح تعاليم شربعة الباب والفصل الكامل بين البابية والإسلام. ولعبت الطاهرة دورا رئيسيا في تحقيق هذا الهدف.
ويعتبر هذا المؤتمر من أهم الوقائع في التاريخ البابي حيث ادت احداثه إلى ايضاح الفرق بين الديانة البابية والإسلام. ولقد ظهرت أم سلمى زرين تاج "الطاهرة" في المؤتمر من دون حجاب على وجهها والقت بيانا بليغا على الحاضرين من الرجال بطلاقة وحماسة. ورغم أنها كانت معروفة بالعلم والذكاء وحسن السيرة والسلوك فان سلوكها هذا اعتبر في ذلك الوقت خروجا عن العادات والتقاليد والمباديء الإسلامية وادى إلى اضطراب في نفوس بعض الحاضرين الذين تركوا المؤتمر بهلع وفزع لقيامها بما اعتبروه خرقا لما كان متعارف عليه. ولقد دفعهم ما قامت به "الطاهره" إلى إدراك الاختلاف الجذري بين البابية والإسلام في السلوك والعبادات.
تعرض أتباع الدين البهائي إلى أنواع شتى من الاضطهاد منذ البداية. وفي السنوات الستة الأولى قتل أكثر من عشرين ألفًا من أتباع الباب في إيران إما بعد القاء القبض عليهم وتعذيبهم حسب أوامر الحكومة ورجال الدين وإما بعد معارك وحصارات دامت لمدة أشهر في بعض الأحيان.
واشتدت هذه الاضطهادات عندما تم الإعلان عن دعوة الباب في المساجد والأماكن العامّة من قبل مجموعات متحمّسة من الشّبّان الذين كانوا يؤمّون المعاهد الدّينيّة. وكان ردّ فعل رجال الدّين المسلمين الذين لم تتوافق الدعوة الجديدة مع معتقداتهم، أن قاموا بتحريض عامّة الشّعب على استخدام العنف ضدّ هؤلاء وضد اتباع الباب الاخرين. ولقد صادفت هذه الأحداث أزمات سياسيّة في إيران نجمت عن وفاة محمد شاه والصّراع السياسيّ الذي تلا ذلك حول من يخلفه في الملك. وبعد تولي الصّبيّ ناصر الدّين شاه العهد، قام زعماء الحزب الذي سانده بتوجيه الجيش الملكي ليدعم رجال الدين ويحارب أتباع الباب. وقد اعتقد أتباع الباب، وهم الذين نشؤوا في بيئة إسلاميّة، أنّ لهم حقّاً مشروعاً في الدّفاع عن أنفسهم. فقاموا بتحصين أنفسهم في معاقل مؤقّتة وقاوموا لمدّة طويلة الحصار والهجوم الذي شّّن ضدهم. وانتهت هذه الحصارات بمقتل عدد كبير منهم وازدياد حملات الاعتقال والتعذيب ضدهم، من ضمنها إعدام الباب علناً في التّاسع من تموز (يوليو) عام 1850 م. وتصاعدت حدة هذه الاضطهادات بعد أن أقدم شابّان من الذين انضمّوا إلى صفوف أتباع الباب بإطلاق رصاص الخُرْدُق على الشّاه خلال سير موكبه في إحدى الطّرق العامّة. واتّخذت هذه المحاولة الفردية الفاشلة ذريعةً لأسوأ المذابح التي تعرّض لها البابيّون والتي أدت إلى مقتل الآلاف من أتباع الدين الجديد في كلّ أنحاء إيران. وشملت هذه الاعتقالات ميرزا حسين علي النوري "بهاء الله"، مؤسس الدين البهائي فيما بعد. فتم حبسه، ومصادرة جميع امواله، ومن ثم نفيه وعائلته إلى خارج حدود الدولة القاجارية.
وأثارت هذه المذابح والاعتقالات احتجاج الدول الغربيّة التي وصلتها أخبار هذه الأحداث من ممثليها في طهران الذين بلغتهم تفاصيلها عن طريق رعاياهم غير البابيين الذين كتبوا يستنكرون هذه الأعمال ويطالبون حكوماتهم بالتدخل. أمّا الاهتمام بأمر الباب في الأوساط العلميّة والفكريّة في الغرب فقد بدأ على وجه الخصوص عام 1856 م عندما نشر الكونت دي غابينو كتابه الفرنسي "الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى". ولقد كان لحياة الباب، وتعاليمه، وتضحيات أتباعه، وأفكارهم الإصلاحية تأثير على عدد من الشّخصيّات العالميّة أمثال ارنست رينان، وليو تولستوي، وسارة برنار، وغيرهم الذين دوّنوا آراءهم في كتاباتهم المختلفة.
واستمرت هذه الاضطهادات يحركها رجال الدين وتدعمها الحكومات الإيرانية لتشمل مؤسس، واعلام، واتباع الدين البهائي. وفي العصر الحالي، لا يزال هذا الاضطهاد مستمرًا في العديد من بلدان العالم الإسلامي وخصوصًا في إيران حيث حكم على أكثر من 200 بهائي بالإعدام منذ بداية الثورة الإسلامية في عام 1979م وسجن الكثير منهم في معتقلاتها بعد أن رفضوا إنكار عقيدتهم عندما أعطيوا الخيار بين ذلك وبين إطلاق سراحهم. كما تم الاستيلاءعلى العديد من المقابر البهائية وأماكن العبادة والأماكن المقدسة وتدميرها ولم يعد بإمكان البهائيين الاحتفاظ بمراكزهم ووظائفهم الحكومية و لا يسمح لهم بدخول الجامعات وحتى أنه لا يعترف بشرعية زواجهم أو وثائق التسجيل والولادة وغيرها.
لقد تعرض البهائيون للتحقيق والاضطهاد بإيعاز من السلطات الدينية في بعض الدول العربية خلال فترات مختلفة، ولكن هذه التحقيقات بيّنت بوضوح عدم تدخل البهائيين في الأمور السياسية واحترامهم لقوانين الدول التي يقيمون فيها. وتعتمد درجة الحرية الممنوحة لهم بممارسة عقيدتهم في هذه الدول على موقف الدولة من الأقليات الدينية وحرية العقيدة.
لم يهلك بهاء الله في السّجن بسرعة كما توقّع أعداؤه فأخلي أمره في آخر الأمر دون محاكمة أو مراجعة، وصدر أمر بنفيه وإبعاده الفوري عن وطنه. فقام الممثّل الدّبلوماسيّ للحكومة الرّوسيّة الذي كان يتابع الاضطهادات التي تعرّض لها أتباع الباب، بعرض حماية بهاء الله ووجّه الدّعوة إليه ليلجأ إلى المناطق الواقعة تحت نُفوذ حكومته. ولم يقبل بهاء الله هذا العرض لئلاّ يُفَسَّر الأمر تفسيراً خاطئاً ويُعْطى صبغة سياسيّة. واختار النّفي للأراضي المجاورة في العراق والتي كانت تابعة آنذاك للحكومة العثمانيّة. وبدأ بهاء الله بهذا الإِبعاد فترة من النّفي والسّجن والاضطهاد استغرقت أربعين عاماً أنتهت بوفاته في "البهجة" قرب مدينة عكا في فلسطين عام 1892 م وهو في سن الخامسة والسبعين.
خصَّص بهاء الله اهتماماته الأولى لتلبّية احتياجات الجامعة البابيّة المجتمعة في بغداد. ووقعت هذه المسؤوليّة على عاتقه لأنّه كان الوحيد الذي سَلمَ من المذابح من بين زعماء البابيّين ذوي النّفوذ. وأدت مساعيه لجمع شمل أَتباع الباب الذين لجؤوا إلى العراق إلى إثارة الحسد والاختلاف بين اقلية من اتباع الباب. وكان أساس هذه المشكلات ميرزا يحيى المعروف بلقب "صبح الأزل"، وهو أخو بهاء الله من أبيه ويصغره سنّاً. وكان الباب قد عيّن ميرزا يحيى وهو لا يزال في سنّ يافعة وتحت رعاية بهاء الله ليكون زعيماً رمزيّاً للجامعة البابيّة حتى مجيء "من يظهره الله" القريب الحدوث. ووقع ميرزا يحيى تحت سيطرة أحد أتباع الباب المعروف بالسّيد محمّد أصفهاني وهو فقيه إسلامي سابق. وبدأ ميرزا يحيى بتأثير من الاصفهاني بمجافاة أخيه وزرع الفتنة والخلاف بين صفوف البابيين. ولم تكن أعمال ميرزا يحيى علنيّة وانما سعت لإثارة القلاقل والاضطراب مما كان له تأثيرات هدّامة على معنويّات مجموعة المنفيّين. واستمر ميرزا يحيى "صبح الأزل" بتصعيد الخلاف بين اتباعه واتباع "بهاء الله" إلى ان وصل الأمر به أن حاول قتل اخيه حسين علي "بهاء الله" بالسم.
وبعد أن تأزمت العلاقة بين "حسين علي" واخيه ترك "حسين علي" الجالية وذهب إلى جبل "سركلو" في مدينة السليمانية في جبال كردستان (العراق) للاعتكاف والتعبد والصلاة والصيام. ووصف "بهاء الله" سبب هجرته هذه في كتاب "الإيقان" ص 199 بقوله: "كان مقصودي من ذلك ان لا اكون علة اختلاف الاحباب، ولا مصدر انقلاب الاصحاب، وان لا اكون سببا في ضر أحد، ولا علة لحزن قلب". وساءت حال البابين بقيادة "الازل" وغياب "بهاء الله" الذي لم يعد إلى بغداد الا بعد سنتين، (1856 م) بعد أن اثمرت جهود البابين بالبحث عنه وايجاده والحاحهم عليه بالعودة لقيادة اتباع الباب ولم شملهم. ورغم أنَّ فترة العامَيْن التي قضاها بهاء الله في البرّيّة كانت فترة قاسية اتّسمت بالعَوزَ والحرمان والمتاعب الجسديّة، فقد وصفها بأنّها كانت مليئة بالسّعادة لانها اتاحت له فرصة الدعاء والتّأمُّل والتقرب من الله. وبقي "بهاء الله" في بغداد حتى 1863 م حيث اعلن دعوته قبل ابعاده في ذلك العام. ورفض ميرزا يحيى الاعتراف بإعلان بهاء الله عن رسالته ولم يكن له أيّ إسهام في نموّ الدّين البهائيّ الذي كانت بدايته ذلك الإعلان.
وبعد ذلك طلبت السلطات الإيرانية من دولة الخلافة العثمانية طرد البابيين إلى منطقة بعيدة عن الحدود الإيرانية بسبب ما رأته من مظاهر التأيد والترحيب التي بدأ يحضى بها حسين علي "بهاء الله" من قبل الزوار الفرس من ذوي النفوذ القادمين إلى العراق وخافت من أن يلهب ذلك مشاعر الحماس للدعوة الجديدة في داخل إيران. فاستجابت السلطات العثمانية لذلك الطلب وأبعدوه وعائلته ومعظم اتباعه إلى استانبول سنة 1863م. وبعد فترة قصيرة نقل "بهاء الله" إلى أدرنة. وتبع ذلك نفيه إلى فلسطين.
نُفي ميرزا يحيى ولقبه "صبح الأزل" إلى قبرص، أما ميرزا حسين علي النوري ولقبه (بهاء الله) فقد نفي بفرمان من السلطان العثماني عبد العزيز إلى مدينة عكا الساحلية في فلسطين سنة 1868 م. ويدعي الذين يعارضون البهائية انه استقبل مع أتباعه استقبالا حافلا من قبل اليهود الذين دعموه بالمال (*) وخالفوا فرمانات الباب العالي القاضية بفرض الإقامة الجبرية عليه وأسكنوه قصرا يعرف باسم "البهجة" في عكا في حين تثبت الوقائع التاريخية انه تم حبس "بهاء الله" واتباعه في سجن قلعة عكا المشهور حيث تعرضوا إلى شتى الأنواع من العذاب والحرمان. واستمر حسين علي "بهاء الله" بالإعلان انه الموعود المنتظر. وبالاضاقة إلى كتاباته العديدة في تلك الفترة ومن أهمها "كتاب الاقدس"، ارسل "بهاء الله" العديد من الرسائل لملوك الأرض وحكامها يوصيهم فيها بالحكم بالعدل ويدعوهم لاتباع الدين الجديد واحكامه. وقد قام ابنه عباس الذي عرف بلقب "عبد البهاء" على خدمته إلى حين وفاته في 29 مايو 1892 م نتيجة موت طبيعي. فتولى ابنه عباس أفندي "عبد البهاء" حسب وصية "بهاء الله" زعامة البهائيين من بعده. ولقد كُتبت عدة مقالات في جرائد ومجلات عربية مختلفة في الشرق الأوسط عن مزايا عبد البهاء عباس أفندي حسب ما وصفه به الأدباء والاعلام العرب الذين قابلوه.
وانتقل عبد البهاء إلى حيفا حيث عرف بخدمته ومساعدته للفقراء والمساكين وحض اتباعه على "معاشرة الاديان بالروح والريحان" وحضر الصلوات في المساجد والكنائس والمعابد مثبتاً اعترافه بوحدة الأديان ومصدرها. ويدعي الذين يعارضون البهائية انه واصل الارتباط بالصهيونية بينما يدعي البهائيون انه ليس لهم اية علاقة بالصهيونة أو غيرها من الحركات السياسية الأخرى، حيث تحرم المباديء البهائية الاشتغال بالسياسة أو الانتماء إلى اي من الاحزاب السياسة. وان علاقة البهائيين باليهود كعلاقتهم باتباع سائر الديانات الأخرى كالإسلام والمسيحية وغيرها. وتشجع البهائية اتباعها على قراءة الكتب السماوية الأخرى والتعمق في معانيها من منطلق ايمانها بوحدة المصدر الإلهي لهذه الأديان. وتطبيقا لهذا المبدأ فان جلسات الدعاء التي ينظمها البهائيون في مختلف أنحاء العالم قد تتضمن بالإضافة إلى قراءات من الكتب البهائية فقرات من القراّن والإنجيل والتوراة. (*)يحرّم على البهائيين قبول التبرعات المالية من غير البهائيين لتسير شؤون دينهم. ويعتبر هذا المبدأ أحد الاحكام الأساسية للدين البهائي ويطبقه البهائيون في جميع اركان العالم بغض النظر عن وضعهم المالي.