If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ارتبط الطب المبكر ارتباطًا وثيقًا بالدين والقوى الخارقة للطبيعة، حيث إن الأطباء الأوائل كانوا قساوسة وسحرة وجعلت الرابطة الوثيقة بين النبيذ والطقوس الدينية من النبيذ أداةً منطقية لهذه الممارسات الطبية المبكرة. وتتضمن لوحات الثقافة السومرية وبرديات مصر القديمة التي يرجع تاريخها إلى 2200 قبل الميلاد وصفاتٍ لأدوية أساسها النبيذ، جاعلةً من النبيذ أقدم دواء مؤرخ من صُنع الإنسان.
وعندما قدَّمت اليونان القديمة منهجًا أكثر تنظيمًا للطب، احتفظ النبيذ بدوره البارز. ونصح الطبيب الإغريقي أبقراط بشرب النبيذ كجزءٍ من حِمية غذائية صحية، ودعا إلى استعماله كمطهر للجروح، أو كوسيط يُمزج فيه الدواء لتسهيل استهلاك المريض له. ووصِف أيضًا النبيذ كعلاج لمجموعة متنوعة من الأمراض تتراوح بين الإسهال والخمول إلى ألم الولادة. وتضمنت الممارسات الطبية لأطباء روما القديمة استخدام النبيذ بشكلٍ مماثل. في أحد أعماله الطبية تحت عنوان "كتاب الطب" (باللاتينية: De Medicina) قام الموسوعي والطبيب الروماني آولوس كورنيليوس سلزوس في القرن الأول بعد الميلاد، بعرض قائمةٍ طويلة مفصَّلة للنبيذ اليوناني والنبيذ الروماني المستخدم لأغراض طبية. وعند معالجة المصارعين في آسيا الصغرى، كان يستخدم الطبيب الروماني جالينوس النبيذ كمطهر لكل أنواع الجروح، حتى إنه كان ينقع الأمعاء المكشوفة قبل إعادتها ثانيةً إلى الجسد. وخلال سنواته الأربعة في معالجة المصارعين وقعت خمس حالات وفاةٍ فقط، مقارنةً بحالاتِ الوفاة الستين خلال سنوات عمل الطبيب السابق له.
ولعب الدين دورًا هامًا في ترويج استخدام النبيذ لفوائده الصحية. وأشار التلمود إلى النبيذ بأنه "يأتي في مقدمة جميع الأدوية: وحين لا يتوفر النبيذ، تصبح الأدوية ضرورية." ونصح بولس الطرسوسي في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، بأن يشرب زميله الشاب القليل من النبيذ من حين إلى آخر ليفيد معدته والهضم. بينما احتوى كتاب الإسلام المقدس القرآن على تحريم على جميع المشروبات الكحولية، أشار الأطباء المسلمون مثل ابن سينا الفارسي الأصل في القرن الحادي عشر بعد الميلاد، إلى أن النبيذِ يساعد على الهضم، ولكنهم حصروا استخدامات النبيذ فقط على التطهير عند تضميد الجروح طبقًا للقواعد الإسلامية. وكانت الأديرة الكاثوليكية خلال العصور الوسطى تستخدم النبيذ بانتظام في مختلف العلاجات الطبية. وقد كانت العلاقة وثيقة بين دور النبيذ والطب، لدرجة أنه تمت كتابة أول كتاب عن النبيذ في القرن الرابع عشر على يد الطبيب أرنالدوس دي فيلا نوفا، واحتوى على مقالاتٍ مطولة حول ملاءمة النبيذ لعلاج مجموعة متنوعة من الأمراض مثل مشاكل الخرف ومشاكل الجيوب الأنفية.
ربما كانت قلة مياه الشرب لوقتٍ طويل من تاريخ البشر أحد أسباب شعبية النبيذ في الطب. وكان لا يزال النبيذ يستخدم لتعقيم المياه حتى وقت متأخر في أثناء وباء الكوليرا في هامبورغ عام 1892 للحد من انتشار المرض. ومع ذلك، وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بدأت فترة تغيير الآراء حول دور الكحول (وبالتبعية) النبيذ في الصحة والمجتمع. وبدأت حركة ضبط النفس (بالإنجليزية: Temperance movement) باكتساب الشعبية عن طريق ترويجها لمساوئ إدمان الكحول، والتي عرفته المؤسسة الطبية في نهاية المطاف كمرض. والدراسات المتعلقة بالأثار الكحولية طويلة الأجل والآثار الكحولية على المدى القصير، تسببت في قيام الكثيرين من المجتمع الطبي بإعادة النظر في دور النبيذ في الطب والنظام الغذائي. وتحول الرأي العام ضد استهلاك الكحول بأي شكلٍ من الأشكال مما أدى إلى حظر الكحوليات في الولايات المتحدة وبلدان أخرى. وتمكن النبيذ من الحفاظ على دورٍ محدود في بعض المناطق، مثل الولايات المتحدة التي استثنت "النبيذ العلاجي" والذي كان يباع بشكلٍ قانوني في الصيدليات. كان التسويق لهذه الخمور يعتمد على فوائِدها الطبية، ولكن استخدمت بعض مَصانع النبيذ هذا الإجراء بمثابة ثغرة لبَيع كمياتٍ كبيرة من النبيذ للاستهلاك الترفيهي. وردًا على ذلك، أصدرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أمرًا رسميًا يطالب المنتجين بإضافة عنصر دواء مقيء، من شأنه تحفيز التقيؤ عند استهلاك كمية فوق مستوى جرعةٍ معينة.
وبين أوائل ومنتصف القرن العشرين، أشار المدافعون عن الصحةِ لمخاطر استهلاك الكحول، والدور الذي يلعبه في مجموعة من الأمراض مثل: اضطرابات الدم، وفرط ضغط الدم، والسرطان، والعقم، وتلف الكبد، وضمور العضلات، والصداف، والالتهابات الجلدية، والسكتات الدماغية، وتلف المخ طويل الأجل. وأظهرت الدراسات وجود علاقة بين استهلاك الكحول وبين الأَمهات الحوامل وزيادة خطر التخلف العقلي والتشوهات فيما عُرف باسم متلازمة الكحول الجنينية، الأمر الذي أدى إلى استخدام العلامات التحذيرية على المنتجات التي تحتوي على الكحول في بلدان عِدة.
شهدت التسعينات وأوائل القرن العشرين اهتمامًا متجددًا بالفوائد الصحية للنبيذ، فبدأت تلك الفترة بأبحاثٍ متزايدة تقترح أن مستهلكي النبيذ المُعتدِلين يحظون بمعدلاتِ وفاةٍ أقل من المستهلكين بغزارة أو الممتنعين عن شرب الكحول. وفي نوفمبر من عام 1991 أذاع برنامج "60 دقيقة" الأمريكي حلقة على ما يسمى بـ"المفارقة الفرنسية". وضم البرنامج الأعمال البحثية لعالم نبيذ بوردو سيرجي رينود، وتناول البرنامج العلاقة التي تبدو أنها مفارقة ما بين الحميات الغذائية المحتوية على الدهون العالية ومنتجات الألبان التي يتناولها الفرنسيون وتدني وقوع أمراض القلب والشرايين بينهم. ووضح البرنامج أوجه الشبه بين الحميات الغذائية الفرنسية والأمريكية والبريطانية، التي تحتوى هي أيضًا على نسبٍ عالية من الدهون ومنتجات الألبان ولكنها تضمنت حالات كثيرة من أمراض القلب. وواحدة من النظريات التي اقترحها رينود في البرنامج هي أن الاستهلاك المعتدل للنبيذ الأحمر كان عاملاً مقللاً للخطر عند الفرنسيين، ومن الممكن أن يكون لذلك النبيذ آثار صحية إيجابية أخرى ولكنها لم تُدرس بعد. بعد بث برنامج "60 دقيقة"، ارتفعت مبيعات النبيذ الأحمر في الولايات المتحدة بنسبة 44% مقارنة بالسنواتِ السابقة.
ويمكن رؤية هذا التغير عند النظر للنبيذ في تطور اللغةِ المستخدمة في الإرشادات الغذائية لإدارة الأغذية والأدوية الأمريكية. واحتوت نسخة عام 1990 للإرشادات الغذائية على البيان الباطني بأنه "لا يوجد للنبيذ فائدة صحية خالصة". وبحلول عام 1995، تم تغيير محتوى البيان لِيسمح باستهلاكٍ معتدل مع الوجبات، بشرط عدم الإصابة بأيٍ من المخاطر الصحية الأُخرى المُتعلقة بالكحول. ومن وجهةِ نظرٍ بحثية، بدأ العلماء في التفريق بين استهلاك الكحول لمختلف أنواع المشروبات – النبيذ والبيرة والمشروبات الروحية. سمح هذا التمييز للدراسات بتسليط الضوء على الفوائد الصحية الإيجابية للنبيذ، بغض النظر عن الوجود المجرد للكحول. ومع ذلك يميل شاربو النبيذ إلى التشارك في العادات وأساليب الحياة – نظام غذائي أفضل، وممارسة التمارين الرياضيةِ بانتظام، وعدم التدخين – التي قد تكون هي نفسها من العوامِل المشاركة في المنافع الصحية المزعومة، وذلك مقارنةً بمن يشربون البيرة والمشروبات الروحية، أو هؤلاء الذين يمتنعون عن الشرب كليةً.