If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كانت الأوضاع السياسيَّة في المغرب عشيَّة الفُتوحات الإسلاميَّة مُضطربة نتيجة القلاقل والحُروب التي نشبت على الأراضي المغربيَّة بين القبائل الجرمانيَّة النازحة من القارَّة الأوروپيَّة والبيزنطيين، وبين البيزنطيين والأهالي أنفسهم. فقد كانت شمال أفريقيا المغاربيَّة تُشكِّلُ جُزءًا من الإمبراطوريَّة الرومانيَّة مُنذ سنة 146 ق.م، عندما تمكَّن الرومان من اجتياح وإسقاط مدينة قرطاج خلال أواخر الحرب البونيقيَّة الثالثة، والقضاء على القُوَّة العُظمى الوحيدة في المنطقة القادرة على مُنافسة روما وعظمتها، مُحولين جميع المناطق المغاربيَّة التي كانت تتبع قرطاج إلى ولاياتٍ رومانيَّة نمطيَّة يحكم كُلٌ منها «برقنص» (باللاتينية: Proconsul) يتبع القيصر الروماني في عاصمة مُلكه، وكان عليه جباية الضرائب من السُكَّان وإخضاع أي تمرُّد ورد الاعتداءات عن حُدود ولايته. واستمرَّت المغرب خاضعةً للرُومان حتَّى سنة 435م تقريبًا، إذ حصل خلال تلك الفترة من التاريخ أن أخذت أحلاف القبائل الجرمانيَّة تتحرَّك من شمال أوروپَّا ووسطها على طُول الحُدود الشماليَّة والشرقيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة على طول نهريّ الطونة (الدانوب) والراين، وتمكنت في النهاية من اقتحام أراضي الإمبراطوريَّة واحتلالها وتقاسُمها. وفي أثناء هذا التحرُّك الواسع اندفع حلف قبائل الوندال من الشمال إلى وسط أوروپَّا، ومنها إلى الغال، ثُمَّ إلى شبه الجزيرة الأيبيريَّة حيثُ استقرَّت فترة قصيرة من الوقت، ثُمَّ دفعتها قبائل جرمانيَّة أُخرى أهمها السويف والآلان إلى الجنوب، فاستقرَّت في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة الأيبيريَّة جنوبي نهر الوادي الكبير. وفي سنة 429م تقريبًا عبر الوندال إلى المغرب بِقيادة ملكهم گنسريك، وبلغت أعدادهم وفق بعض المصادر 80,000 شخص، ووفق مصادر أُخرى تراوحت بين 15,000 و20,000 شخص. ولم يحتل الوافدون الجُدد القطر المغربيّ كُلَّه، وإنَّما اقتصرت سيطرتهم على شمال ولاية إفريقية، وسواحل المغرب الأوسط، ومنطقة طنجة، وقد أقاموا في تلك المناطق حوالي القرن من الزمن محوا في أثنائه مُعظم آثار الرومان وحضارتهم في البلاد، وأدَّى هذا الاستقلال السياسي عن روما إلى تعاظم نُفوذ قبائل البربر خُصوصًا في المغربين الأوسط والأقصى، فكوَّن السُكَّانُ مجموعاتٍ مُبعثرةٍ انعدمت بينها الوحدة السياسيَّة.
أدَّت غزوات الجرمان إلى انهيار الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الغربيَّة وانتقال ميراثها العتيق إلى شقيقتها الشرقيَّة أو البيزنطيَّة. وعندما تولَّى عرش الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة القيصر جُستنيان الأوَّل (527 - 565م)، أطلق حملةً دعاها «استعادة الإمبراطوريَّة» (باللاتينية: Renovatio Imperii) هدف من خلالها استعادة كافَّة الأراضي الغربيَّة للإمبراطوريَّة الرومانيَّة السابقة، وفي مُقدمتها إفريقية والمغربين الأوسط والأقصى. فأرسل حملةً عسكريَّةً كبيرة على رأسها القائد المشهور بيليساريوس في شهر أيلول (سپتمبر) 533م. وبعد قتالٍ عنيفٍ بين الروم والوندال تمكَّن بيليساريوس من القضاء على المملكة الونداليَّة واستعاد للروم إفريقية وما تيسر له من سواحل المغرب وُصولًا إلى سبتة. وقد حسب جُستنيان - بعد أن أنهى أمر الوندال في شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) 533م - أنَّهُ يستطيع إحياء السُلطان الروماني القديم وما يتبعهُ من مظاهر حضاريَّة مثل تجديد المُنشآت الرومانيَّة من مُعسكرات وملاعب وحُصون وقلاع وكنائس، ولكن تبيَّن لهُ أنَّ زمان ذلك كُلَّه كان قد ولَّى بلا رجعة، فقد استقلَّ البربر في الداخل استقلالًا تامًا وأصبحوا لا يُدينون بالولاء إلَّا لقبائلهم وعشائرهم، وارتدَّ الكثيرون منهم عن المسيحيَّة، وتضامَّت صُفوف جماعاتهم القبليَّة لِصد أيَّ مُحاولةٍ روميَّة للتدخل في شؤونهم، وهُدمت أو انهارت الكثير من الآثار الرومانيَّة في بلادهم، وبالتالي اقتصر سُلطان البيزنطيين على ما كان لِقرطاج القديمة، وهو الساحل الشماليّ لِإفريقية وما جاورها من المناطق التي فتحها بيليساريوس. وفي السنوات القليلة التي سبقت الفتح الإسلامي، عيّن قيصر الروم الإمبراطور موريس أحد قادته العسكريين، ويُدعى هرقل، قائدًا أعلى على المغرب، برُتبة بطريرك، وكان ذلك سنة 600م. ثُمَّ حصل أن خُلع القيصر سالِف الذِكر وقُتل على يد أحد ضُبَّاطه الثانويين ويُدعى «فوقاس»، ثُمَّ تربَّع هذا على عرش الإمبراطوريَّة، وكان مُستبدًا غاشمًا تدهورت خلال عهده أوضاع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة بشكلٍ كبير، الأمر الذي دفع هرقل حاكم إفريقية إلى إعلان العصيان، ثُمَّ دبَّر مُؤامرة لِخلع الإمبراطور، وشجَّعهُ في ذلك موقف سكان شمال إفريقيا من البربر الذين أيّدوه نظرًا لِحُكمه العادل مُقارنةً مع باقي الحًكَّام السابقين، فأرسل ابنه هرقل الأصغر في حملةٍ بحريَّةٍ استولت على سالونيك، ومنها سار إلى القُسطنطينيَّة حيثُ قبض على فوقاس وقطع رأسه وتُوِّج إمبراطورًا سنة 610م. شهد المغرب في أيَّام الإمبراطور هرقل عصرًا من السَّلام لم يعرفه الأهالي من قبل، وتمتع البربر وهم الأكثرية في المنطقة بالكثير من الحُريَّة والاطمئنان، وعادت المسيحيَّة تتسرَّب إليهم. وفي أواخر عهد هرقل عادت الاضطرابات لتنتشر في المغرب، من واقع مُحاولة الحُكومة البيزنطيَّة فرض مذهبها على كافَّة أطياف الشعب، فأخذ البربر والأفارقة يلتفون حول بطاركتهم للدفاع عن عقيدتهم ضدَّ الإمبراطوريَّة، وانتهى الأمر بأن نهض أحد القادة والقساوسة يُسمَّى جرجير، واستقلَّ عن الدولة وحكم مُستعينًا ببقايا جُند الروم وجُندٍ بربريٍّ مُرتزق، وضرب العملات باسمه واتخذ من قرطاج عاصمةً له، ثُمَّ تركها وانسحب إلى الداخل وتحصَّن في سُبيطلة خوفًا من أي هُجومٍ روميٍّ مُحتمل. أمَّا في بقيَّة بلاد المغرب فقد تحرَّر البربر من سُلطان الروم وتلاشت المسيحيَّة من دواخل بلادهم للمرَّة الثانية. وفي تلك الفترة كان المُسلمون قد فتحوا الشَّام ومصر وأخذوا يستعدون للسير إلى برقة، وهي مدخل المغرب.
قسَّم الرومان المغرب إلى عدَّة ولايات مُنذ أيَّام إمبراطوريتهم العُظمى، فكانت أدنى ولاياتهم المغربيَّة هي ولاية كريت وبرقة (باللاتينية: Creta et Cyrene)، وقد تأسست سنة 20 ق.م واستمرَّت حتَّى سنة 297م عندما قُسمت إلى مُقاطعتين هي: ليبيا الدُنيا (باللاتينية: Libya Inferior)، وليبيا القُصوى أو برقة (باللاتينية: Libya Superior)، وابتداءً من سنة 370م أُلحقت تلك المُقاطعتين بِأبرشيَّة مصر، التي كانت تابعةً بِدورها إلى ولاية الشرق الإمبراطوريَّة وفق ما نصَّت عليه وثيقة الكرامات العرضيَّة (باللاتينية: Notitia Dignitatum). تجاورت برقة مع مُقاطعة طرابُلس (باللاتينية: Tripolitania) بدايةً، وكانت تتبع ولاية إيطاليا الإمبراطوريَّة (باللاتينية: Praefectura Praetorio Italiae)، وفي وقتٍ لاحق أُلحقت بِأبرشيَّة إفريقية، مع استمرار تبعيَّتها إلى ولاية إيطاليا. وعُرفت المنطقة التي تقع جنوبي طرابُلس باسم «فزَّان»، ولم يكن للروم سيطرة مُباشرة عليها نظرًا لكونها صحراويَّة وجبليَّة وعرة بأكثر نواحيها، تتخللها بضع واحاتٍ ومُستوطنات. أمَّا أقصى المغرب فقُسم إلى مُقاطعتين: موريطنية القيصريَّة، وكانت تتبع أبرشيَّة إفريقية كذلك، وموريطنية الطنجيَّة التي كانت تتبع أبرشيَّة هسپانيا.
وبعد أن استردَّ البيزنطيّون إفريقية وما تلاها من بلاد من الوندال، أفردها الإمبراطور جُستنيان بِنظامٍ خاصٍ دقيقٍ من بين أنظمة سائر الولايات، وكان نظامه هذا ينطوي على الكثير من الحرص من أهلها ويرمي إلى جعلها موردًا من موارد المال والمؤونة للدولة، فلم تكد بشائر استعادتها ترد عليه حتَّى رفع إفريقية إلى مصاف ولايات الدولة الكُبرى، وأقام على حُكومتها عاملًا مدنيًّا لا عسكريًّا، وأصبحت حُدودها تمتد من برقة شاملةً طرابُلس الغرب وحوض مجرد وجبال الأوراس، ثُمَّ تأخذ في الاقتراب من الساحل حتَّى تنتهي عند طنجة وسبتة. أمَّا في الجنوب فقد شملت سهل مجرد وهضبة الأوراس وُصولًا إلى تبسة ومسكولا وتمجاد ولمبيزة وطبنة والمسيلة. وأقدم جُستنيان على تقسيم البلاد إلى سبعة أقسامٍ إداريَّة جديدة هي: الولاية القُنصليَّة (شمال الجُمهوريَّة التُونُسيَّة المُعاصرة)، والولاية الداخليَّة (بيزاسيوم)، وولاية طرابُلس، وولاية نوميديا، وولاية مُوريطنية الأولى (كلاهُما في شمال الجزائر المُعاصرة)، وولاية مُوريطنية الثانية (شمال المملكة المغربيَّة المُعاصرة)، وسردانية. وقد امتدَّ سُلطانُ الإمبراطوريَّة في أوَّل الأمر إلى أبعد من هذا الحد الرسمي، فدخل في طاعتها نفرٌ من بدو البربر الضاربين على حُدود الصحراء الكُبرى، وأُقيمت المحارس على طُول الرباط الأخير لكي تضمن طاعة هؤلاء للدولة وترد عنها أذاهم، ولكنَّ سُلطانها أخذ يضعف شيءًا فشيئًا، فأخذت تنسحبُ إلى الشمال، حتَّى لم يبق من أملاكها آخر الأمر إلَّا ساحلٌ ضيِّق وبضع محارس حصينة في الداخل، مثل تبسة وسُبيطلة، واحتلَّ البربر ما خلا ذلك من حُصون. وكانت برقة البيزنطيَّة لا تكاد تعدو مدائنها الخمس، وكذلك طرابُلس. وكان جُستنيان قد جمع لِحاكم إفريقية كُل السُلطات، فكان هذا الحاكم يحمل من تبعات الحُكم فوق ما يُطيق، وكان مُثقلًا بالألقاب وشارات الشرف، يُرافقهُ جيشٌ من المُوظفين ويحف به الأتباع والخدم، وأُطلقت يده في كُل شيء حتَّى بلغ من اتساع سُلطته أنَّ كُتَّاب ذلك العصر أعوزهم اللفظ الذي يُعبرون به عن مقدار السُلطة التي كان يتمتَّع بها ذلك الحاكم. وقُبيل الفتح الإسلامي ببضع سنوات، أجرى الروم تغييراتٍ جديدة على التقسيمات الإداريَّة للمغرب، فاقطُتعت طرابُلس وبرقة من إفريقية ودُمجتا مع مصر مُجددًا، ودُمجت المُوريطنيَّتان السابقتان تحت اسم «موريطنية الأولى»، ودُمجت مدينة سبتة مع مُدن ولاية إسپانية (جنوب شبه الجزيرة الأيبيريَّة) وجُزر البليار لِتُشكِّل ولاية «موريطنية الثانية».
كان اقتصاد الولايات والمُقاطعات المغربيَّة البيزنطيَّة يقوم على الزراعة، وشكَّلت إفريقية أغنى أقاليم المغرب من حيثُ الموارد الزراعيَّة، كما كانت أكثرها سُكَّانًا وعُمرانًا، وأرقاها حضارةً، إلَّا أنَّ أغلب المزارع الكُبرى، كانت مُلكًا لِأرُستقراطيين روم، وكان الأهالي المغاربة يعملون في تلك المزارع ولا ينالون حُقوقهم. أمَّا الفلَّاحون المغاربة، فلم تكن لهم أراضي واسعة، ثُمَّ إنهم أُثقلوا بالضرائب المُتنوعة التي فُرضت عليهم من قِبل الحُكومة المركزيَّة في القُسطنطينيَّة. فقد كان الحاكم البيزنطيّ مُكلفًا بأن يجمع من الولاية مالًا طائلًا، لأنَّ الأباطرة المُتلاحقين كانوا يرغبون بِترويم هذه المنطقة (صبغها بالصبغة الروميَّة) بِأسرع وقتٍ مُمكن لِضمان ولاء أهلها للإمبراطوريَّة، لِسُهولة إمكانيَّة استقلالهم وخُروجهم عن الطاعة بِسبب بُعد الولاية عن مركز الحُكم، إضافةً إلى الاستعانة بِمواردها، كما بموارد سائر الولايات، لِتعويض ما ينضب من موارد الدولة بِسبب الفُتوحات والحُروب في أوروپَّا وآسيا. وكان على الحاكم كذلك أن يُرسل إلى العاصمة في كُلِّ سنة عددًا من السُفن المُحمَّلة بالغلال لِغذاء أهل القُسطنطينيَّة، ولِهذا كان لا بُدَّ من عددٍ كبيرٍ من المُوظفين لِتحصيل هذه الضرائب كُلها، فكان العبء ثقيلًا على الولايات المغربيَّة الفقيرة، وحتَّى على إفريقية التي كانت أغناها، وقد قدَّر المُؤرِّخ والباحث الفرنسي شارل ديل مُرتبات الموظفين الروم وحدها بما يُقابلها من الفرنكات الفرنسيَّة سنة 1898م، فقال أنها كانت تبلغ 10,299,737 فرنكًا، وقدَّرها الباحث والمُؤرِّح المصري حُسين مُؤنس سنة 1947م بِحوالي نصف مليون جُنيه مصري، وهذا بدون احتساب ما يُرسل لِخزينة الإمبراطور الخاصَّة وما يُدفع لِرُؤساء البربر وما يُجمع من القمح، وأيضًا دون تقدير نفقات الجيش البيزنطي المُرابط في المغرب من سلاحٍ ودُروعٍ وملابس وغذاء وصيانةً للمباني والحُصون والأسوار ودور الصناعة. وقد انتشر المُوظفون البيزنطيون من عاصمة الولاية إلى الأرياف، فضمَّت كُل مدينة فرقة منهم، وقام في كُل قرية مُوظفٌ واحد. ولمَّا كانت الأعباء الماليَّة ثقيلة على هذه الصُورة، فلم يكن بِإمكان الحاكم التفرُّغ للقيام بِشُؤون الحُكم الأُخرى ومُراعاة مصالح المحكومين، انصرف جُهد الحُكومة كُلَّه إلى جمع المال، ومن البديهي أن تعجز الولاية عن النُهوض بذلك العبء الثقيل، فلجأت الحُكومة إلى أخذ السُكَّان بالعُنف للحُصول على مالها بالضغط والإرهاق، فاشتطَّت مع رعاياها اشتطاطًا بالغًا، فلم يجد هؤلاء بدًا من ترك مزارعهم ومتاجرهم والنجاة بأنفُسهم واحتراف اللُصوصيَّة وقطع الطُرق والاعتداء على الآمنين. كان نظام الضرائب في إفريقية البيزنطيَّة يدُلُّ على استقصاءٍ مُنظَّمٍ شامل لِكُل موارد البلاد، فتتبَّع المُشرِّع الرومي الثروة الخاصَّة في كُل ناحية وأثقلها بالمال، ففُرضت على المُمتلكات العقاريَّة ضريبتا الدخل والرأس، وقُدِّرت الفُروض المُختلفة على الزراعة والتجارة والجمارك والملاحة، وبلغ من اهتمام الحُكومة بالضرائب أن كان خُمسا المُوظفين مُختصين بالتحصيل وأكثر من النصف يقومون بِشُؤون المال. وقد كان معقولًا أن يصلح هذا النظام في ولايةٍ غنيَّةٍ كمصر تكفي مواردها لِسد المطالب الحُكوميَّة كُلها، أمَّا إفريقية الفقيرة فلا قِبل لها بِذلك.
كان المغرب أحد أكثر بلاد الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تنوعًا من حيثُ الدين، فكان قسمٌ من سكَّانه، وأغلبهم من البربر، وثنيين يعبدون عدداً من الآلهة أو عناصر الطبيعة، مثل: السماء، والشمس، والقمر، والنار، والبحر، والجبال، والكهوف، والغابات، والأحراش، والوديان، والأنهار، والأحجار، والأصنام، كما أظهروا تأثرًا ببعض المُعتقدات المصريَّة القديمة، فكانوا يُقدسون بعض الحيوانات ويشربون دمائها للحُصول على قوتها الروحيَّة، ويُقدمون القرابين لِبعض تلك الظواهر والكائنات، كما آمنوا بالشعوذة، واعتقدوا في بركة بعض الأشخاص، وهو ما أكَّد عليه ابن خلدون. ويذكر ابن أبي زرع أنَّ بعض قبائل منطقة فاس كان لهم بيتُ نار، مما يعني أنَّ المجوسيَّة كانت معروفة بين بعض البربر. كذلك كان لِبعض قبائل ودان صنمٌ من حجارة مبني على ربوة يُسمَّى «كرزة»، يُقربون لهُ القرابين ويستشفون به من أدوائهم ويتبرَّكون في أموالهم.
إلى جانب المُعتقدات الدينيَّة البدائيَّة، عرف المغرب الديانتين السماويتين السابقتين على الإسلام. فالأفكار اليهوديَّة دخلت مُنذ وقتٍ مُبكرٍ مع الفينيقيين على الأرجح، ثُمَّ مع المُهاجرين اليهود أيَّام الاضطهاد الروماني. والظاهر أنها انتشرت في بعض القبائل إلى جانب المُعتقدات المحليَّة. أمَّا المسيحيَّة، فقد أخذت بالانتشار أولًا بين الأفارقة في برقة وطرابُلس وإفريقية ابتداءً من القرن الثاني الميلادي، وكان أوَّل أقاليم المغرب دُخولًا في المسيحيَّة إقليمُ برقة، وكان للمسيحيَّة فيها تاريخٌ طويل هو جُزءٌ من تاريخ المسيحيَّة في مصر، ثُمَّ انتشرت في إفريقية، وأصبحت هذه الأخيرة من مراكزها الرئيسيَّة، وقامت فيها الكنائس وامتدَّت بِصُورةٍ سطحيَّةٍ على طول الشريط الساحلي في المغربين الأوسط والأقصى حتَّى طنجة. وبدأ تنظيم الكنيسة الإفريقيَّة في مُنتصف القرن الثالث الميلاديّ على يد القدِّيس قبريانوس القرطاجي، وانتشرت المسيحيَّة بين كثيرٍ من أهالي البلاد الذين كانوا يلتمسون المبادئ التي تُحقق لهم ما يصبون إليه من سيادة العدل والإنصاف. وقد تعارضت التعاليم المسيحيَّة مع المفاهيم الرومانيَّة القائمة على تأليه الأباطرة وعبادتهم إلى جانب آلهة روما، واستشعرت الإمبراطوريَّة بالخطر لمَّا رفض النصارى الالتحاق بالجيش الروماني والمُشاركة في حُروب الدولة، فقام الإمبراطور ديكيوس وطلب في سنة 250م من جميع رعاياه أن يُعلنوا عن وطنيَّتهم بإعلانهم التمسُّك بالديانة الوطنيَّة والتنصُّل من كُل العبادات الأُخرى وخاصَّةً المسيحيَّة والمانويَّة. فترك الكثيرُ من النصارى المغاربة ديانتهم حتَّى قال القدِّيس قبريانوس كلمتهُ المشهورة: «لَقَد كَانَ عَدَدَهُم أَكثَرُ مِن قُوَّةِ إِيمَانِهِم». واضطهدت الإمبراطوريَّة النصارى وعطَّلت كنائسهم وصادرت مُمتلكاتهم، وانتهى الأمر بِإعدام القدِّيس قبريانوس بِقطع رأسه. وعلى عهد دقلديانوس اشتدَّت الدولة ضدَّ المسيحيين الذين تشبثوا بدينهم، وقاموا بِما يُشبه العصيان المدني، وقاوموا الإمبراطوريَّة بِشراسةٍ وعناد، حتَّى أنَّ الكنيسة أعلنت حرمان من يُلقي السلاح من رحمتها. ورُغم أنَّ الكنيسة نجحت في تنظيم نفسها وفي الصُمود بوجه الاضطهادات الرومانيَّة، إلَّا أنها بقيت مقصورةً على سواحل المغرب ولم تصل إلى القبائل الضاربة في بوادي وجبال المغرب الأقصى. وعرفت الكنيسة المغربيَّة إنقسامًا خاصًا بها، هو المذهب الدوناتي - نسبةً إلى صاحبه دونات الكبير، أسقف الوطنيين، الذي أعلن عدم الاعتراف بأي كاهنٍ مهما علت مرتبته طالما كان مُستكينًا وراضخًا للسُلطات الإمبراطوريَّة، وطلب الاستشهاد في سبيل ذلك واستجاب لهُ كُل السَّاخطين على الإمبراطوريَّة وخاصَّةً من طبقات الكادحين.
وعندما أصبحت المسيحيَّة الديانة الرسميَّة للإمبراطوريَّة أيَّام قُسطنطين الأوَّل، وقف هذا الأخير ضدَّ الدوناتيَّة واعتبرهم خارجين عن القانون. وترتَّب على تحالف الإدارة والكنيسة ضدَّ المذهب الدوناتي أن أصبح المذهب رمز المُقاومة الشعبيَّة، وازداد انتشاره بِزيادة انتشار الفقر والبُؤس بين الأهالي الذين ثاروا ضدَّ الحُكومة والطبقة الغنيَّة، ودعوا إلى المُساواة. وحاولت الحُكومة مُجادلة أصحاب هذا المذهب، فكان القدِّيس أوغسطين ألد أعدائه، حيثُ شهَّر به وهاجم أساليبه العنيفة، وأباح للدولة استعمال العنف ضدَّ أصحاب هذا المذهب لِكسر شوكتهم وإعادتهم إلى حظيرة الكنيسة النيقيَّة. لكنَّ النتيجة جاءت عكسيَّة، إذ تحالف الكادحون والفُقراء مع الدوناتيَّة، واستمرَّ الصراع إلى وفاة دونات سنة 355م، واتخذ شكل الثورة الوطنيَّة في طرابُلس ونوميديا إلى سنة 375م. وبعد وفاة دونات استمرَّ أوغسطين في مُحاربة المُنشقين عن الكنيسة الوطنيَّة والهراطقة حتَّى انتصرت الكنيسة الإفريقيَّة على أعدائها، على أنَّ الدوناتيَّة استمرَّت بعض جماعاتها إلى القرن السَّادس الميلاديّ. وعندما وقعت بلادُ المغرب تحت حُكم قبائل الوندال الجرمانيَّة، ابتدأ فصلٌ جديد من فُصول الصراع الدينيّ، فقد فرض الوندال على الناس مذهبهم الآريوسي الذي يقول بطبيعة المسيح البشريَّة، واضطهدوا النصارى النيقيين وصادروا أملاك الكنيسة وأموالها وحوَّلوها إلى الآريوسيين.
ولمَّا استعاد الروم البلاد المغربيَّة من الوندال، أخذت الدولة تعمل على حسم الخلافات الدينيَّة، فاستعاد البيزنطيّون الكنائس المُغتصبة، وثأروا من الآريوسيين أشد الثأر، واضطهدوا الدوناتيَّة وكذلك اليهود، ولكنَّ ذلك لم يمنع انتشار مذاهب جديدة مثل النسطوريَّة القائلة بِثُنائيَّة طبيعة المسيح: الإلهيَّة والإنسانيَّة. ولم تنتهِ مشاكل المسيحيَّة عند هذا الحد، إذ انقسم اليعاقبة أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة، وهو المذهب الرسمي للإمبراطوريَّة البيزنطيَّة على أنفُسهم، وتدخلت الإمبراطورة ثُيودورا زوجة جُستنيان في سبيل المُحافظة على وحدة الكنيسة، وقامت بِإجراءاتٍ كان من نتيجتها ثورة أهل إفريقية الذين احتجوا على الإمبراطور في القُسطنطينيَّة والبابا في روما. واستخدم جُستنيان ضدَّهم العنف والإرهاب مما عمل على اتساع الهُوَّة بين الإمبراطوريَّة وإفريقية. وخِلال هذه الفترة عاود المذهب الدوناتي الظُهور بعد أن انتشرت المفاسد بين رجال الكنيسة كالرشوة وقلَّة الانتظام والتحاسد. ومع مطلع القرن السابع الميلاديّ ونتيجةً لِقيام إفريقية بِدورٍ هام في سياسة الإمبراطوريَّة القاضية بِخلع الإمبراطور فوقاس وتزويد الجيش البيزنطي بالرجال لِحرب الفُرس الساسانيين وإخراجهم من مصر والشَّام، أنعم هرقل عليها فشهدت عصرًا من السلام، وتمتع أهلها بِقسطٍ كبيرٍ من الحُريَّة الدينيَّة والاطمئنان، واستغلَّ البابا جرجير الأوَّل هذا الهُدوء فأرسل البعثات التبشيريَّة إلى المناطق الداخليَّة لِنشر المسيحيَّة بين البربر، فنجحت بعضها بذلك. وترتب على ذلك أن ازدهرت علاقة الكنيسة الإفريقيَّة بِروما، مع احتفاظها بِعلاقتها الإداريَّة مع القُسطنطينيَّة. وفي سنة 638م ظهر في إفريقية مذهبٌ جديد هو مذهب بطريرك القُسطنطينيَّة سرجيوس الأوَّل، المشهور بالمذهب المونوثيليتي أو مذهب المشيئة الواحدة الذي يقول بالطبيعة الإلهيَّة والإنسانيَّة معًا للمسيح، وقد وقف إلى جانبه هرقل رغبةً منهُ في اكتساب تأييد اليعاقبة وإنهاء الصراعات المذهبيَّة في البلاد. وعارضت الكنيسة الإفريقيَّة هذا المذهب، وانتهى الأمر بأن أعلنت أُسقفيَّة قرطاج عدم صلاحيَّة الإمبراطور لِحُكم البلاد والعباد وأنَّهُ يجب خلعه عن العرش. وسُرعان ما تعقَّد الموقف أكثر مع الفتح الإسلاميّ لِمصر، إذ وفد بعض القساوسة اليعاقبة من مصر إلى إفريقية لِنشر مذهبهم، وكان لِحماسهم في الدعوة أثرٌ كبير في جعل الإمبراطور قُسطنطين الثالث بن هرقل يسمح لهم بِمُمارسة شعائر مذهبهم بِحُريَّة. وأدَّى انتشار مذهبهم في إفريقية إلى وُقوف قساوسة هذه الأخيرة في وجه الإمبراطوريَّة وإلى انفصالهم شيءًا فشيئًا عنها. وعندما تولَّى الإمبراطور قُنسطانز العرش سنة 641م وكان مُعتنقًا المونوثيليتيَّة، لم يأل رئيس مُعارضة هذا المذهب في إفريقية، وهو الأُسقف مكسيموس، لم يأل جُهدًا في دفع سُكَّان المغرب المسيحيين والبربر إلى إعلان خلعهم لِطاعة الإمبراطور وتنصيب حاكم إفريقية البطريرك جرجير بن نيقيتاس على العرش، وكان المُسلمون حينها على وشك أن يفرغوا من فتح مصر، وطرق باب المغرب.
انتهجت الدولة في تنظيم المغرب البيزنطي - من الناحية العسكريَّة - خطَّةً تختلفُ عمَّا اتبعتهُ في ولاياتها الأُخرى كمصر والشَّام. فالمعروف أنَّ القوَّة الحربيَّة البيزنطيَّة التي كانت تحمي مصر مثلًا كانت تُعسكرُ في مراكز رئيسيَّة مثل حصن بابليون والإسكندريَّة، وتُرابط فرق صغيرة منها في مواضع أُخرى كالفرما وأُم دنين، أمَّا في إفريقية فقد اتجهت عناية الدولة إلى إحاطة أملاكها بِرباطاتٍ قويَّةٍ من الحُصون المُتقاربة، وأقامت في كُلِّ مربطٍ طائفةٌ من الجُنود تستطيع حمايته والدفاع عنه؛ وأسرفت الدولة في ذلك إسرافًا يسترعي النظر، فلم تكتف بِرباطٍ واحدٍ بل أقامت ثلاثة، وقسَّمت البلاد إلى أربع مناطق عسكريَّة لِكُلٍ منها عاصمتها التي تُرابط فيها فرقة يقودها قائد أو دوق، أمَّا هذه الأقسام فهي: طرابُلس وعاصمتها لمطة، وبيزاسيوم وعاصمتها تلابت، ونوميديا وعاصمتها قيصريَّة، ومُوريطنية وعاصمتها قسنطينة. وهكذا أضحت البلاد شبكة من الحُصون والقلاع. ولمَّا كانت الموارد ضئيلة لم يكن في الإمكان المُحافظة على هذه التحصينات في حالةٍ طيِّبة، بل عجز الروم عن مُجرَّد الاحتفاظ بها، فهي لم تكن متينة البناء - إذ أُقيمت على عجل - واعتمد البيزنطيّون في إقامتها على ما كان قائمًا في البلاد قبل ذلك من المُنشآت الرومانيَّة كالحمَّامات والملاعب والمعابد، فلم تكن منيعة قويَّة كما الحُصون الفعليَّة. وقد رُوعي في اختيار مواقع هذه الحُصون أن تكون محارس تقوم على أبواب البلاد ومنافذها: فقامت قابس على باب سهل تُونُس تصدُّ من يُقبل شرقًا من الساحل، تلتها حُصونٌ أُخرى على الساحل مثل يونكا ومغمداس، وقامت سُبيطُلة على أحد المنافذ المطروقة التي يسلُكها من يُريد الانتقال من سهل تُونُس إلى هضبة الأوراس ويمُرُّ بها الرباط الثاني الذي يبدأ من سُوسة ويمُر بِمدرسومة وتلابت؛ يلي ذلك الرباط الثالث الذي تقومُ فيه سبيبة وممس وجلولاء. طبيعي بعد ذلك أن يكون المغرب البيزنطيّ ضعيفٌ من الناحية الحربيَّة، وكُلَّما تقادم العهدُ بالرُّوم في المغرب زاد الضعفُ وُضوحًا وخطرًا، وكان أهلُ البلاد يُلاحظون تخوُّف البيزنطيين منهم، ولا يكادون يتركون فُرصةً للاشتباك معهم إلَّا انتهزوها، فزاد الآهلون مرانةً وخبرةً في حين ضعُف البيزنطيّون وسقطت هيبتهم، واضطرُّوا إلى التخلّي عمَّا عجزوا عن الدفاع عنه من هذه المحارس والحُصون، حتَّى إذا أخذت شمس القرن السَّادس الميلاديّ بالمغيب كان البربر قد استولوا على الرباط الثالث وأخذوا يطمعون في الرباط الثاني، وكان قيامُ الرُوم بِمحارس هذا الأخير إسميًّا فقط، إذ تُركت العناية به لمن أحاط به من المُزارعين والقرويين يعتصمون فيه من المُهاجمين من البربر، ولم يكُف هؤلاء عن اختراق هذا النطاق واجتياح ما يليه من المزارع والبلاد ونهبها، بحيثُ لم تعد له أيَّة قيمة حربيَّة تُذكر مُنذ أوائل القرن السَّابع الميلاديّ.