If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
واصل المُسلمون تقدُّمهم حتَّى ماردة الواقعة في شمال غربيّ الأندلُس في منطقةٍ وعرة المسالك. وكانت ماردة هذه آخر العواصم القديمة الأربع لِلقُوط بعد طُليطلة وإشبيلية وقُرطُبة، وكانت حصينةً جدًا، إذ أحاط بها سورٌ منيع، واحتشدت فيها بقايا القوط وأنصار الملك السابق لُذريق، فمضى إليها مُوسى بن نُصير فقاتلهُ أهلها قتالًا شديدًا على نحو ميلٍ منها أو أكثر قليلًا. وكان أهلُ ماردة يخرُجون لِقتال المُسلمين نهارًا ثُمَّ يلجأون إلى المدينة ليلًا. وفي ذات ليلة أكمن مُوسى الرجال والخيل في حُفر كانت عبارة عن مقالع يقطعُ منها أهل ماردة الحجارة. فلمَّا خرج الأهالي في اليوم التالي على عادتهم لِقتال المُسلمين أثار عليهم مُوسى الكمائن من الرجال والخيل حتَّى أوقع بهم هزيمةً مُنكرة، فانسحبوا نهائيًّا إلى المدينة وجعلوا يُقاتلون المُسلمين من وراء سورها. ضرب المُسلمون الحصار على المدينة بضعة أشهر - قيل أنَّهُ أطول حصارٍ عرفهُ المُسلمون في الأندلُس - ثُمَّ أمر مُوسى بن نُصير بِصُنع دبَّابة، فدبَّ المُسلمون تحتها حتَّى وصلوا إلى أحد أبراج المدينة، وبينما كانوا ينقبون السور اصطدموا بِصخرةٍ صمَّاء طال نقبهم إيَّاها حتَّى تنبَّه أهل ماردة فهاجموهم فهلك جميع المُسلمين الذين كانوا تحت الدبَّابة. وشدَّد مُوسى الحصار على المدينة حتَّى يئس أهلها من الصُمُود في وجه المُسلمين فهرب نفرٌ منهم خفيةً إلى جُليقية في الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الأيبيريَّة، ومال الذين آثروا البقاء في مدينتهم إلى طلب الصُلح، فأرسلوا وفدًا إلى مُوسى بن نُصير لِلتفاوض بِشأن الاستسلام، وأسفرت المُفاوضات عن عقد مُعاهدة بين الجانبين جاء فيها: ضمان المُسلمين سلامة جميع الأهالي سواء الذين يُفضلون البقاء في ماردة أو مُغادرتها إلى مكانٍ آخر، وضمان الحُريَّة الدينيَّة لِلسُكَّان وعدم إرغامهم على اعتناق الإسلام والحفاظ على كنائسهم من أن تُهدم، وتسليم الأهالي جميع مُمتلكات وأموال الذين قُتلوا في الحرب إلى المُسلمين، بِالإضافة إلى تلك الخاصَّة بِالهاربين من القوط إلى جُليقية، والأموال والحُليّ التي كانت الكنائس - ذلك لأنَّ القوط كانوا يجعلون من الكنائس قلاعًا يُحاربون المُسلمين من وراء جُدرانها - فقبل أهلُ ماردة بِذلك وتمَّ التوقيع على الاتفاق. وفي يوم 1 شوَّال 94هـ المُوافق فيه 30 حُزيران (يونيو) 713م، فتح السُكَّانُ أبواب مدينتهم إلى المُسلمين، فدخلوها ونشروا راية السلام. وبعد سُقُوط المدينة، نظَّم مُوسى بن نُصير حاميتها العسكريَّة من العرب والبربر من دون اللُجوء إلى جاليتها اليهوديَّة الكبيرة، ولعلَّ هذا مُؤشِّر على أهميَّة المدينة من جهة، وبداية السيطرة الإسلاميَّة المُركَّزة على مرافق البلاد من جهةٍ أُخرى.