If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
فعلي امتداد الفترة بين عامي 1912، بعد أن تم إخراج تركيا من المعادلة الليبية، وعام 1920 ظل هؤلاء يلقون المتاعب في سعيهم لمد سيطرتهم إلي الداخل، الأمر الذي عبرت عنه جريدة الديلي تلغراف اللندنية بقولها أن حكومة روما تعلم أن عددا كبيرا من السنوسيين يعيشون ما وراء الحدود المصرية وأنها تشك في أن هؤلاء لا بد لهم من الذهاب إلي جغبوب التي هي مكان مقدس يتلقون فيه الدروس الدينية وأن الذين يرتكبون لجرائم من السنوسيين (كذا) يجدون في الغالب ملجأ أمينا في جغبوب. وقدر الإيطاليون عدد البنادق التي يتم تهريبها إلي جغبوب بأكثر من ثلاثة آلاف شهريا، وقد تذرعوا بهذه الأسباب السياسية والعسكرية بالإضافة إلي كون جغبوب تقع علي طريق القوافل التجارية.
وقد ظلت البلاغات العسكرية التي تصدرها حكومة روما تكشف عن تلك الحقيقة، كان آخرها البيان الذي أصدرته في 13 فبراير عام 1925، وكان مما جاء فيه أنه قد جرت أعمال حربية عظيمة الأهمية في جنوب برقة بين يومي 2 و9 أفضت إلي تدمير ستة عشر معسكرا للسنوسييين في خلال تسع معارك شديدة، وفقد السنوسيون مائتي قتيل وغنم الإيطاليون 14 ألفا من الخراف وأكثر من أربعمائة جمل، وقتل من الإيطاليين جندي واحد وجرح عشرة!.
غير أنه يبقي علي الجانب الآخر محاولة التهوين المصرية من قيمة الواحة للإيطاليين، وهو ما نتبينه من مقال طويل نشرته الأهرام جاء فيه أن جغبوب تبعد مئات الأميال عن الساحل ويصرف راكب الجمل 45 يوما في صحراء محرقة مجدبة ظامئة قبل الوصول إليها. وليست معسكرا وليس في الموقع مزرعة أو ما يكفي المئات من الناس من المأكل والمشرب، إذ لا يزيد عدد سكانها عن المائة والخمسين، وإنما هي واحة صغيرة نزل فيها السنوسي الكبير ابتعادا عن الناس وانزواء عن الجلبة والصخب فالتف حوله بعض الطلاب والمريدين الذين كانوا يتناولون رزقهم من الواحات المصرية، ولما كان الرجل معلما صالحا تقيا بنت له الحكومة المصرية في عهد الخديوي توفيق قبة وجامعا وتكية وأرسلت بعض المهندسين فاستخرجوا الماء ليستقي منها القليلون باعتبار هذه الواحة الصغيرة مصرية، والذين ينزلون فيها مصريون!
وبينما كان لإيطاليا أسبابها في المطالبة بسرعة تنفيذ الصفقة، فقد كان للطرف الآخر أسبابه في العمل علي إبطالها، خاصة بعد ما شهدته مصر من متغيرات كان أظهرها تغير طبيعة هذا الطرف، فبينما كانت بريطانيا تتحدث باسم مصر وقت عقد اتفاق ملنر-شالويا عام 1920، علي اعتبارها الدولة الحامية، فإنه بعد 1922 واعتراف حكومة لندن بقيام المملكة المصرية لم تعد كذلك!
علي أي الأحوال فقد ترتب علي الأقل علي تلك التغييرات الجذرية تأخير وضع الصفقة موضع التنفيذ خلال السنوات الخمس التالية، ففي ظروف احتدام الثورة المصرية لم يعد ممكنا للإنجليز الإقدام علي مثل هذه الخطوة التي تزيد الأمور التهابا ثم حتي بعد اعترافهم باستقلال مصر بمقتضي تصريح 28 فبراير، فقد استمهل الإنجليز الإيطاليين، مما تضمنته المذكرة التي وجهتها وزارة الخارجية إلي السفير الإيطالي في لندن وجاء فيها أن إلغاء الحماية علي مصر قد أدي إلي تبديل الوضع تماما، وأنه لم يعد بإمكان الحكومة البريطانية الاستمرار في التفاوض مع الحكومة الإيطالية دون اشتراك وزارة الخارجية المصرية ودون تعاون الحكومة المصرية، وقد ألقت حكومة لندن بذلك الكرة في ملعب القاهرة، وأخذت تراقب عن كثب ما سوف يحدث!