الهدف من خلق الإنسان مسألةٌ مصنّفةٌ عند أهل العلم تحت أبواب العقيدة؛ فهي تنطوي على أسسٍ عقديةٍ كثيرةٍ، ومبناها ومعقدها على معرفة الله تعالى، وفي هذا الموضوع يمكن القول:
- إنّ معرفة الإنسان بالكون الذي يعيش فيه، واستشراف أسراره وإبداعات الخالق فيه، وما احتواه من ملايين المجرّات، وما أودعه من ملايين النّجوم في كلّ مجرّةٍ، وما بينهما من عجائب تفوق قدرة الإنسان بالكشف الحسّي عنها لدليلٍ على أنّ خلق الإنسان وراءه غايةٌ عظيمةٌ وهدفٌ سامٍ، تتلخّص في العبادة عن طريق معرفة الله، وأنّ سعادة الإنسان أثرٌ حتميٌّ لمعرفة الله وعبادته؛ فكلما زادت معرفة العبد بربّه زادت راحة قلبه، وطمأنينة نفسه، وأقبل على الحياة بروح التفاؤل ومشاعر الإيجابية.
- رفع الله -تعالى- منزلة عباده عن حدود الأكل والشرب والتّناسل، وسائر الحاجات الغريزية كما الأنعام والبهائم، بل كرّمه وأعلى شأنه، وفضّله على كثير من خلق تفضيلاً، وقد عاب القرآن الكريم على أولئك الذين أسقطوا أنفسهم إلى مستوى البهيمية، فصار همّهم الأكبر إشباع رغباتهم وشهواتهم؛ فقال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، ولا يختلف العقلاء على أنّ الصانع لشيءٍ هو أدرى من غيره بغاياته وأهدافه ومقاصده، ومع فارق التّشبيه فإنّ المولى -سبحانه- وهو خالق البشر هو الأعلم والأحكم في خلقه للبشر.
- من أهم المقاصد التي لأجلها خلق الله الحياة أنْ جعلها محلّاً للامتحان والابتلاء، وميداناً للعمل الذي يترتّب عليه الحساب يوم القيامة، قال الله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، ومن خلال اختبار الحياة الدنيا تظهر آثار معرفة الإنسان بربّه، وتنكشف درجة إيمانه بأسماء الله وصفاته، واليقين بدلالاتها العظيمة، وأهمّها أنّه -تعالى- غنيٌ عن عباده، وغير محتاجٍ لهم، خلافاً للبشر الذين لا غنى لهم عن الله خالقهم، ويعدّ أهم اختبار للإنسان في الدّنيا هو الامتثال لأمر الله -تعالى- في مسألة التوحيد والعبادة، حيث يقول المولى سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وأقوال المفسرين في هذه الآية تندرج كلّها تحت أمورٍ لا تتعدّى معرفة الله وتوحيده وعبادته سبحانه.
- جعل الله -تعالى- الحكمة من خلق جميع البشر واحدةً، وجعلها كذلك متعلّقةً بالدنيا والآخرة، ففي الدنيا استخلفه الله، وجعل غاية الاستخلاف الابتلاء، وموضوع الاستخلاف معرفة الله وعبادته، وجعل العبادة هي العمل وفق منهج الله -سبحانه- الذي أرسل به الرّسل والرّسالات، ومن مقتضيات العبادة أنْ يعلم الإنسان أنّه مملوكٌ لله ربّه، وأنّه صائرٌ إليه؛ فهو ربّ العالمين إليه المرجع والمآب، ومحاسب على ما أُمر به؛ فهو مالك يوم الدين، والعبادة بمفهومها العام كما بيّنها أهل العلم هي: اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يُرضي الله تعالى، ولذا فإنّ مهمّة الاستخلاف في الأرض داخلة في معنى العبادة، التي هي غاية الوجود الإنساني.
Source: mawdoo3.com