If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
هذه المرحلة كادت تكون كسواها من مراحل سابقة لولا إعلان العماد ميشال عون حرب التحرير. أميركا فوجئت كما فوجئ غيرها بقرار التحرير. إدارة بوش الجديدة ورثت توجهات السياسة الخارجية الأميركية التي رسمتها إدارة ريغان. ففي الشرق الأوسط، ركزت واشنطن اهتمامها على النزاع العربي-الإسرائيلي الذي دخل مرحلة جديدة بعد إعلان الدولة الفلسطينية في 1988 واعتراف منظمة التحرير بإسرائيل، ووضعت لبنان في أسفل سلم أولوياتها. من هنا كان التباين في أسلوب التعاطي مع الوضع اللبناني بين العماد عون وواشنطن أمراً محتماً.
في الأسابيع الأولى من حرب التحرير، حاولت واشنطن تنفيس تحرك العماد عون من الداخل وفي مرحلة لاحقة، رحبت واشنطن بمساعي التهدئة الأمنية والسياسية التي رعتها الجامعة العربية من تونس إلى الكويت، وأخيرا إلى قمة الدار البيضاء. وكان الهدف من هذا الموقف تطويق الأزمة من الخارج بعد أن فشل تطويقها من الداخل. رفضت الإدارة الأميركية التدخل مباشرة في النزاع "لئلا تحرق أصابعها" من جديد في لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس بوش ووزير الخارجية بايكر رافقا عن كثب مرحلة الفشل الأميركي في لبنان (1982-1988) في إدارة ريغان. أما على صعيد التحرك الدولي، فموقف واشنطن لم يكن
أكثر إيجابية. في مرحلة أولى، لم تكن واشنطن متحمسة للتحرك الديبلوماسي الفرنسي، ولكن، بعد أن أخذت الأزمة حجماً أكبر إقليمياً، وحتى دولياً، سعت واشنطن إلى لجم التحرك الفرنسي.
لكن واقع الأمور على الأرض كان مختلفا، خصوصا وأن دمشق أصبحت في موقع سياسي صعب لم تعد تستطيع تجاوزه إلا بعملية عسكرية تضع حدا لحرب التحرير وتعيد خلط الأوراق من جديد. محاولة اختراق جبهة سوق الغرب، في صيف 1989، من قبل سوريا وحلفائها في لبنان كادت، لو نجحت، أن تكون نقطة التحول الرئيسية في الحرب. باءت المحاولة بالفشل، لكن المعركة السياسية ظلت مستمرة، لا بل اشتدت ضراوة بعد التناقض الكبير بين بيان اللجنة العربية الأول الذي رأى أن العقبة السياسية لحل الأزمة هو تباين في مفهوم السيادة بين اللجنة ودمشق، والبيان الثاني الذي تجاهل وجود عقبة سورية ودعا بالمقابل إلى برمجة الإصلاح بدل برمجة انسحاب القوات السورية من لبنان.
في هذه الأثناء، تدهورت العلاقات بشكل سريع بين العماد عون والإدارة الأميركية، وسجلت مواقف مبدئية من قبل الفريقين لم يعد من السهل التراجع عنها. ومما زاد الأمور تعقيداً تجييش الرأي العام ضد السياسة الأميركية، واعتقاد البعض أن باستطاعتهم إحداث تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه لبنان، بمحاصرة مبنى السفارة الأميركية والتهديد بالقيام بعمليات شبيهة بتلك التي حصلت في إيران. فكان هذا الذريعة الملائمة لرحيل طاقم السفارة من لبنان ولاستغلال هذا الحدث إعلامياً في وسائل الإعلام الأميركية.
يبقى التساؤل عن سبب مواقف واشنطن السلبية من حرب التحرير، خصوصاً بعد أن اضطرت لكشف أوراقها، وبوضوح هذه المرة. في الواقع أن واشنطن كانت تعارض أي تغيير قد يؤثر في المعادلة الإقليمية القائمة داخل لبنان منذ 1976، فكان بالحري محاولة تغيير هدفها بالوسائل العسكرية. التدخل الأميركي في 1982 شذ عن القاعدة لأن الاجتياح الإسرائيلي خلق معطيات إقليمية وداخلية لم تستطع واشنطن تجاهلها. أما حرب التحرير فتعاملت معها واشنطن بالأسلوب التقليدي لتطويقها من الداخل والخارج. هذا على الأقل من حيث أسلوب التعاطي مع الأزمة، ذلك أن عمق الموقف الأميركي يتجاوز الوضع اللبناني ليطال موقف واشنطن من الدور السوري في لبنان في هذه المرحلة من الأزمة اللبنانية. والسؤال المطروح هو: إلى أي مدى ترى واشنطن أن تحجيم الوجود السوري في لبنان يتلاقى مع استراتيجية التحرك الأميركي في المنطقة؟ لم تؤيد واشنطن فتح ملف الوجود السوري في لبنان لا بوسيلة الحرب التي اتبعها العماد عون ولا بأي وسيلة أخرى. فواشنطن غير مستعدة لأن تمارس الضغط على سوريا لإخراجها من لبنان وذلك للاعتبارات التالية: أولا، عدم وجود مصالح أميركية حيوية في لبنان تسعى واشنطن إلى الدفاع عنها أو إلى حمايتها. أما مسألة الرهائن الأميركيين الذي ارتبط بالمحور السوري-الإيراني في لبنان، فكان تأثيرها محدوداً على الخطوط الكبرى للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط. فإن هذا لن يغير كثيراً من ثوابت السياسة الأميركية تجاه لبنان. ثانياً، الاعتقاد السائد في واشنطن بأن لبنان قضية معقدة وغير قابلة للحلول السريعة. فمهما حاولت واشنطن التدخل لإنهاء الأزمة، فالانقسامات الداخلية وحدها كفيلة بتفشيل أي محاولة إنقاذية. وأخيراً مشكلة سد الفراغ الأمني في لبنان بعد انسحاب القوات السورية دون تنسيق مسبق مع الدولة اللبنانية قد تعيد فتح الملف الإقليمي للأزمة اللبنانية في أبعاده الثلاثة: العربي والفلسطيني والإسرائيلي. لذلك، فإن محاولة قلب الطاولة على سوريا في لبنان قد تنعكس سلباً على استقرار النظام السوري، وبالتالي، على الاستقرار السياسي في المنطقة، في ظل غياب البدائل المقبولة من جميع الأطراف. ومن قبيل المفارقات التلاقي السوفياتي- الأميركي على دور سوريا "الإيجابي" في لبنان أو، بتعبير أوضح، على معارضة أي تحرك قد يبدل المعادلة القائمة على الأرض والمدعومة من سوريا، والتي تخدم مصالح كلا الفريقين بطريقة أو بأخرى. السياسة الأميركية في أواخر الثمانينات هدفت إلى تحقيق أمرين: أولا، إزاحة العماد عون من السلطة سواء بالوسائل السياسية أو بعملية عسكرية. وثانيا، إيجاد مخرج سياسي لإنهاء حالة الحرب. البوادر الأولى لتلك السياسة برزت من خلال محاولة اختراق عسكرية للمنطقة التي كان يسيطر عليها العماد عون في أغسطس 1989. فشلت المحاولة، إلا أن الضغط العسكري تزايد، إلى أن تم الإعلان عن وقف العمليات العسكرية في سبتمبر 1989 اثر إعلان ممثل اللجنة العربية الثلاثية الأخضر الإبراهيمي خطة لإنهاء النزاع من سبع نقاط. ومن بنود تلك الخطة الدعوة إلى عقد اجتماع للنواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية. اجتماعات النواب في الطائف، برعاية سعودية وبدعم أميركي مباشر، نتج عنها الإعلان عن "وثيقة الوفاق الوطني"، والتي عرفت فيما بعد باتفاق الطائف. هذا الاتفاق أيده فريق من اللبنانيين وعارضه فريق آخر. ابرز المعارضين كان العماد عون المدعوم من رأي عام معارض لاتفاق الطائف في "المنطقة الشرقية". هكذا انقسمت مؤسسات الدولة (حكومة في "الغربية" برئاسة الدكتور سليم الحص وأخرى في "الشرقية" برئاسة العماد عون). إلا أن الانقسام الأعمق والأكثر تأثيراً على مجرى الأحداث كان في المنطقة الشرقية بين القوتين العسكريتين الأساسيتين: وحدات من الجيش اللبناني بقيادة عون وميليشيا القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع. ولقد أدى هذا الانقسام إلى معارك دامية أنهكت الطرفين: عون المعارض لاتفاق الطائف وجعجع المؤيد لاتفاق الطائف والمدعوم من واشنطن. استمرت الأوضاع على حالها خلال بضعة أشهر إلى أن تم حسمها عسكريا في 13 أكتوبر 1990 في عملية عسكرية واسعة لوحدات الجيش اللبناني مدعومة من الجيش السوري أطاحت بعون وأنهت حالة "التمرد". وهذه العملية العسكرية لاقت الدعم السياسي الأميركي والغطاء الديبلوماسي والإعلام المطلوب، كما أنها أدت إلى إزاحة "الخطوط الحمر" الفاصلة بين سوريا وإسرائيل سنة 1976. على المستوى السياسي، تم إقرار بنود اتفاق الطائف في المجلس النيابي وانتخب النائب رينيه معوض رئيسا للجمهورية واغتيل بعد أيام قليلة على انتخابه. وبعد يومين تم انتخاب الرئيس الياس الهراوي. وفي أيلول 1990 أقر المجلس النيابي التعديلات الدستورية على أساس اتفاق الطائف.