العربية  

books the mamluk ottoman war

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الحرب العُثمانيَّة المملوكيَّة (Info)


أسباب الحرب بين العُثمانيين والمماليك

بعد فراغه من أُمُور البُغدان، حوَّل السُلطان بايزيد أنظاره ناحية الدولة المملوكيَّة في الشَّام ومصر، إذ أنَّ العلاقات الجيِّدة بين الدولتين كانت قد بدأت تضطرب مُنذُ وفاة السُلطان الفاتح ولُجُوء جَمّ سُلطان إلى القاهرة. وكانت أولى بوادرُ التأزُّم حينما غضَّ المماليك النظر عن الشكاوى العديدة التي رفعها الديوان الهُمايُوني إلى القاهرة، حول تعرُّض العربان لِلحُجَّاج العُثمانيين وسلبهم أمتعتهم وأموالهم، فطلب الديوان المذكور أن يُسمح لِلدولة العُثمانيَّة أن تُرسل جُنُودًا لِحماية طريق الحج، لكن يبدو أنَّ هذا قوبل بِالرفض. وفي سنة 890هـ وردت الأخبار من مكَّة بِأنَّ الأمطار كانت قليلة بها جدًا، وأنَّ الآبار قد نشفت، والعين التي أجراها السُلطان قايتباي قد وقفت، فحصل لِأهل مكَّة الضرر الشامل بِسبب ذلك، فطلب بايزيد من نظيره المملوكي أن يسمح له بِإصلاح بعض القنوات في الديار المُقدَّسة، فرفض طلبه. وزاد الأمر سوءًا أنَّ سُلطان الدولة البهمنيَّة شهابُ الدين محمود بن مُحمَّد كان قد أرسل هدايا حافلة إلى السُلطان بايزيد على يد بعض تُجَّار جنوب الهند، فلمَّا وصلت إلى جدَّة احتاط عليها نائب السلطنة، وأحضرها إلى السُلطان قايتباي، وكان من جُملة تلك الهدايا خنجر قبضتُه مُرصَّعة بِفُصُوصٍ مُثمَّنةٍ، فطمع السُلطان المملوكي في تلك الهديَّة وأخذ الخنجر، فلمَّا بلغ بايزيد ذلك حنق، وأرسل يُطالبُ بِما أُرسل إليه، لكنَّ قايتباي أخَّر الرد. وكانت القشَّة التي قصمت ظهر البعير عندما أرسل بايزيد يطلب من السُلطان المملوكي أن يُرسل إلى إسلامبول والدة جَمّ سُلطان چيچك خاتون وابنتيه، المُقيمين في القاهرة مُنذُ هُرُوب جَمّ إليها، فَلم يستجب له. أضف إلى ذلك، كان المماليك ينظرون بِقلقٍ إلى التوسُّع العُثماني في الأناضول مع ما يحملهُ ذلك من مُنافسةٍ اقتصاديَّةٍ لهم على صعيد تجارة التوابل، التي تتقاطع طريقها التجاريَّة مع الحُدُود المملوكيَّة العُثمانيَّة، ولا يبدو أنَّ هذا غاب عن ذهن العُثمانيين، فكانوا يسعون لِيكون لهم جُزءٌ من الهيمنة على التجارة المذكورة، بل يُروى أنَّ السُلطان الفاتح كان يعقد العزم على التوسُّع باتجاه المشرق العربي، ولعلَّهُ كان ينوي تحقيق تلك الغاية الاقتصاديَّة، لولا انشغاله بِحرب البُندُقيَّة ثُمَّ وفاته.

نتجية ما أُسلف، تجمَّعت لدى السُلطان العُثماني العوامل التي جعتله يتَّخذ موقفًا عدائيًّا صريحًا من السلطنة المملوكيَّة، وتصرَّف على محورين: فساند أمير ذي القدر، علاء الدولة بوزقورد بك بن سُليمان، وأمدَّهُ بِالعساكر حتَّى هاجم ملطية التابعة لِلمماليك. كما أحكم سيطرته على الطُرق التجاريَّة، وعلى مصادر المواد الخام الاستراتيجيَّة البالغة الحيويَّة بِالنسبة لِلمماليك، كأخشاب السُفُن مثلًا، وبذل جميع المُحاولات لِإضعاف طاقتهم العسكريَّة، فعرقل شراء الرقيق الأبيض من أسواق بحر البنطس (الأسود) لِنقلهم إلى مصر. والرَّاجح أنَّ هذا العمل كان أحد الأسباب الرئيسيَّة لِلنشاط العُثماني في شبه جزيرة القرم والقفقاس، بما في ذلك الحملة العُثمانيَّة على شركيسية (بلادُ الشركس) سنة 889هـ المُوافقة لِسنة 1484م التي دُمِّرت خلالها كُلُّ المراكز الأساسيَّة التي كانت تُؤمِّن الإمدادات البشريَّة لِلمماليك. ولم يكن لِلسُلطان المملوكي أن يقف مُتفرجًا على ما يحصل، فكان لا بُد من اندلاع الحرب. لكن يجدر بِالذِكر أنَّ كلا الدولتين الإسلاميتين حاولتا جُهديهما حصر الحرب في نطاقٍ محليٍّ، وعدم تصعيدها أو تحويلها إلى حربٍ شاملةٍ.

الوقعات المُتتالية بين الطرفين

بدأت الحرب بِصُورةٍ فعليَّةٍ عندما سار بكلربك القرمان، قراكوز مُحمَّد باشا، في عساكر إيالته لِأخذ البلاد الواقعة في أطراف أضنة وطرسوس والتي هي في أيدي المماليك، بناءً على أوامر السُلطان بايزيد. فخرج الباشا المذكور وتمكَّن من ضم حُصُون «كوكلك» و«النقش» و«موللن» و«برص» و«تيه»، وكُلُّها من أعمال أضنة. وقيل أنَّ الحُصُون المذكورة لم يكن فيها أحدٌ من المماليك، بل كان أهلها من بقايا أرمن قيليقية الذين زالت دولتهم على أيدي المُسلمين زمن السُلطان المملوكي الأشرف زين الدين شعبان قبل نحو قرنٍ ونصفٍ من هذه الأحداث، فأصبحوا من رعايا الدولة المملوكيَّة يُؤدون الجزية إلى السُلطان في القاهرة. عند هذا التقدُّم العُثماني، سارع الأمير الرمضاني غيَّاث الدين خليل بك بن داود في التوجُّه لِإسلامبول وعرض تبعيَّته لِلدولة العُثمانيَّة وخُرُوجه من تبعيَّة المماليك، ممَّا يعني زوال الدُويلات الحاجزة بين الدولتين العُثمانيَّة والمملوكيَّة، كون الدُويلة الأُخرى، أي إمارة ذي القدريَّة، كانت تتبع بني عُثمان. وتبع ذلك أنَّ أمير ذي القدر علاء الدولة بوزقورد أغار على أطراف الدولة المملوكيَّة بعد أن أمدَّهُ السُلطان بايزيد بِجمعٍ كبيرٍ من عساكره بِقيادة أمير سنجق قيصريَّة يعقوب بك، فتصدَّى لهم نائب السلطنة في حلب الأمير وردبش الظاهري بمن معهُ من الجُنُود، فجرت بين الطرفين وقعة مهولة انتصر فيها العُثمانيُّون، وقُتل وردبش وجماعة كثيرة من عساكره، وقيل أنَّ علاء الدولة ضرب عُنقه بين يديه. لم يقف السُلطان قايتباي مكتوف اليدين أمام التحديات العُثمانيَّة، فأرسل حملةً عسكريَّةً بِقيادة السلحدار الأمير تمراز الشمسي لِتأديب علاء الدولة، فاشتبك معهُ وكسره مع العساكر العُثمانيين، وعاد إلى حلب مُحمَّلًا بِالغنائم وعددٌ كبيرٌ من الرايات العُثمانيَّة، فدخل بها المماليك إلى حلب وهي مُنكَّسة.

ويبدو أنَّ السُلطان المملوكي كان يُؤثر السلامة على الحرب، فجمع الأُمراء وطلب مشورتهم في أمر نظيره العُثماني، فأشاروا عليه بِأن يُرسل إليه هديَّةً على يد قاصد، فتزول الوحشة بينهما، فانصاغ السُلطان لِهذا الكلام وعيَّن في ذلك المجلس أمير الآخور الثاني جاني بك حبيب لِيتوجَّه إلى إسلامبول، وكان الأخير حُلو اللسان سيوسًا دربًا، فخرج، في شهر صفر سنة 890هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 1485م، مُتوجِّهًا من القاهرة إلى الإسكندريَّة، ومنها ركب البحر إلى العاصمة العُثمانيَّة. وأرسل السُلطان قايتباي مع مبعوثه سالِف الذِكر الخنجر والهديَّة التي بعث بها السُلطان البهمني إلى السُلطان العُثماني، بِالإضافة إلى هديَّةٍ خاصَّةٍ منه هو، قدرُها نحو عشرة آلاف دينار، وقيل أكثر من ذلك، كما أرسل تقليدًا من الخليفة العبَّاسي، أبي العز عبد العزيز بن يعقوب المُتوكِّل على الله، إلى السُلطان بايزيد «بِأَنْ يَكُونَ مَقَامُ السُّلْطَانِ عَلَى بِلَادِ الرُّومِِ وَمَا سَيَفْتَحُهُ اللهُ تَعَالَىٰ عَلَى يَدِيِّهِ مِنَ الْبِلَادِ الْكُفْرِيَّةِ»، وأرفقهُ بِرسالةٍ يعتذرُ فيها عمَّا بدر منه. وأرسل إليه الخليفة أيضًا مُطالعة ترقَّق لهُ فيها وتضمَّنت ضرورة تخميد الفتنة التي قامت بين العاهلين. وقد سخر المُؤرِّخ ابن إيَّاس من مُحاولة الصُلح هذه، ووصفها في بيتين من الشعر:

والواقع أنَّ السُلطان بايزيد الذي رأى نفسهُ في وضعٍ جيِّدٍ يسمحُ لهُ بِالتدخُّل في شُؤون الدولة المملوكيَّة تمهيدًا لِلتمدُّد على حسابها في الجنوب، استقبل رسول السُلطان المملوكي أسوأ استقبال ولم يُكرمه، ورفض إقرار الصُلح بين الدولتين، فعاد جاني بك إلى القاهرة وأخبر بما حصل. في هذا الوقت، كان السُلطان قايتباي قد أعدَّ حملةً أُخرى لِإخضاع علاء الدولة أمير ذي القدر، ولمَّا رأى الأخير نفسه واقعًا بين فكيّ الكمَّاشة المملوكيَّة والعُثمانيَّة، وأدرك أنَّهُ إن سلِم من المماليك فلن يسلم من طُمُوحات العُثمانيين ومُحاولات بايزيد الحثيثة لِلسيطرة على المنطقة، فأرسل إلى قايتباي في شهر ذي الحجَّة سنة 890هـ المُوافق فيه شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 1485م، رسالةً يطلب فيها الصُلح والخُرُوج من دائرة الصراع بين الدولتين. وأرسل أيضًا نائب السلطنة في حلب الأمير أزدمر يستحث السُلطان المملوكي بِخُرُوج حملةٍ ثقيلةٍ أو خُرُوج السُلطان بِنفسه لِرد العُثمانيين عن أطراف البلاد، فاستجاب قايتباي ونادى بِجمع الجيش، وعيَّن الأمير أزبك الأتابكي أميرًا عليه، وأرسلهُ لِقتال بني عُثمان. فتوجَّه الأمير المذكور إلى دمشق حيثُ خرج معهُ نائب السلطنة الأمير تمُربك وسارا إلى العواصم ودخلاها مُتوجِّهان نحو الحُصُون التي أخذها قراكوز مُحمَّد باشا، فوجدا أنَّ القائم على مُحافظتها أميران هُما موسى بك وفرحات بك، وكان معهُما جمعٌ من العسكر، فكبساهُما وقتلاهُما بعد قتالٍ يسير، وفرَّقا أصحابهما بعد أن قُتل وأُسر كثيرٌ منهم، فاستردَّا الحُصُون. ولمَّا بلغ السُلطان بايزيد خبر الانكسار جهَّز جيشًا جديدًا جعل على إمارته بكلربك الأناضول أحمد باشا بن هرسك وجعل معهُ مُحمَّد باشا بن خضر وقراكوز مُحمَّد باشا، وأرسلهم لِقتال الجيش المملوكي بِقيادة الأمير أزبك، فانهزم العُثمانيُّون مُجدَّدًا وتفرَّق جمعهم، ووقع أحمد باشا بن هرسك في الأسر بعدما قُطعت أصابعه أثناء القتال، وتمكَّن مُحمَّد باشا وقراكوز باشا من النجاة بِحياتهما. ولم يكتفِ الأمير أزبك بِانتصاره هذا، فتابع سيره حتَّى أخذ أضنة وطرسوس، ثُمَّ عاد إلى القاهرة حاملًا معهُ ابن هرسك بعد أن أودعهُ في الحديد. ولمَّا بلغ ذلك إلى السُلطان بايزيد تكدَّر، ثُمَّ أمر الصدر الأعظم داود باشا الأرناؤوطي في سنة 982هـ المُوافقة لِسنة 1487م بِأن يسير على رأس جيشٍ من طائفة القپوقوليَّة وعسكر الروملِّي والأناضول إلى أخذ الثأر من المماليك، فسار الصدر الأعظم حتَّى دخل إمارة ذي القدريَّة، فأشار عليه علاء الدولة أن لا يتخطَّى الحُدُود إلى الدولة المملوكيَّة لِأنَّ قايتباي قد أعدَّ حملةً عسكريَّةً ضخمة بِقيادة الأمير يشبك الجمالي لِلزحف على بلاد بني عُثمان فيما لو هاجموا أراضي المماليك. فقبل الصدر الأعظم إشارة الأمير القدري، وحوَّل مسيره إلى بلاد التُركمان الورساقيين والطُرغُديين لِدفع شرِّهم، إذ كان أحد أُمرائهم المدعو محمود بك بن درغوث، قد ادَّعى أحقيَّته في ميراث بني قرمان بعد وفاة قاسم بك. فأحاط الصدر الأعظم بِجبال تلك القبائل حتَّى أُجبر محمود بك على الهرب إلى حلب، واضطرَّ بقيَّة الأُمراء إلى الاستئمان، فحضروا عند داود باشا وحلفوا على الطاعة واعترفوا بِتبعيَّتهم لِلدولة العُثمانيَّة، فخلع عليهم الصدر الأعظم وأعادهم إلى بلادهم، ثُمَّ قفل وعاد إلى إسلامبول.

خلال تلك الفترة، كان السُلطان قايتباي يُحاولُ تكوين جبهةٍ مُعارضةٍ لِلعُثمانيين، فأرسل إلى أمير الدولة الآق قويونلويَّة يعقوب بن حسن البايندري (ابن أوزون حسن) يعرض عليه التحالف، إلَّا أنَّهُ فشل في تحقيق غايته، لِأنَّ هذا الأمير الذي اتجه بِسياسته نحو الشرق، رفض الدُخُول في الصراع الدائر غرب دولته، وكان يستعد لِحرب الشيخ حيدر بن جُنيد الصفوي (والد الشاه إسماعيل)، لِذلك أجاب على رسالة قايتباي مُكتفيًا بِإظهار التودُّد وصدق المحبَّة له. فحاول قايتباي استعادة الشاهزاده جَمّ سُلطان، أخي السُلطان بايزيد، من فُرسان الإسبتاريَّة لِكي يتخذ منهُ وسيلة ضغط، إلَّا أنَّ شيخ الفُرسان رفض طلبه مرَّة أُخرى. نتيجةً لِهذا الفشل السياسي، انتهج قايتباي سياسةً من شقين، فإلى جانب استعداداته العسكريَّة، فإنَّهُ ظلَّ يتمسَّك بِأهداب السلام، وتقدَّم بِخُطوةٍ دبلوماسيَّةٍ برهن من خِلالها على مُيُوله السلميَّة، فأطلق سراح الأسرى العُثمانيين ومن بينهم البكلربك أحمد باشا بن هرسك. وطلب السُلطان المملوكي من أحمد باشا أن يُبلِّغ نظيره العُثماني بِأنَّ هذه الحرب لا طائل ورائها، وأنَّهُ على استعدادٍ لِعقد صُلحٍ تُقرُّ فيه الأطراف بِحُدُود ما قبل الحرب، وأنَّهُ يُبلغهُ أيضًا أنَّ المماليك لا يرغبون في الحرب مع العُثمانيين الذين يُجاهدون بِصُورةٍ مُستمرَّةٍ ضدَّ الممالك الأوروپيَّة المسيحيَّة، وأنَّ هذا لا يليقُ بهم، كما طلب منهُ كذلك أن يُبلِّغ السُلطان بايزيد أنَّهُ لا ينوي التنازل عن أيَّة أراضٍ مملوكيَّة لِلدولة العُثمانيَّة، ثُمَّ إذن لهُ بِالعودة إلى إسلامبول. وما أن وصل أحمد باشا إلى العاصمة العُثمانيَّة حتَّى سرد الرسالة أمام السُلطان والديوان الهُمايُوني، لكنَّها لم تلقَ آذانًا صاغية، كون الديوان المذكور لم يكن قد اعتاد إنهاء حربٍ لم تتكلَّل بِالنجاح. وهكذا فشل الاتجاه الدبلوماسي في حل النزاع القائم بين الدولتين، وتغلَّب الاتجاه الصدامي، فاستمرَّت الحرب بضع سنواتٍ أُخريات برز فيها الأمير أزبك الأتابكي كقائدٍ عسكريٍّ كبير. وفي سنة 893هـ المُوافقة لِأواخر سنة 1487م، تجدَّدت الأعمال الحربيَّة بين الدولتين عندما أرسل السُلطان بايزيد إلى الحُدُود المملوكيَّة العُثمانيَّة الوزير علي باشا الخادم في نحو خمسة آلاف مُقاتل من الإنكشاريَّة وسائر القپوقوليَّة، وضمَّ إليه بكلربك الروملِّي خليل باشا مع أُمراء الروملِّي وعسكرها، وبكلربك الأناضول سنان باشا مع عسكر إيالته وأُمرائها. كما عيَّن أحمد باشا بن هرسك قبطانًا وأرسله في نحو مائة سفينة مشحونة بِاللَّوازم والرجال من البحر لِيُمدَّ علي باشا من سواحل الإسكندرونة.

ولمَّا وصل علي باشا إلى القرمان انضمَّ إليه بكلربكها يعقوب باشا، فساروا جميعًا حتَّى قيليقة، فاستعادوا السيطرة على أضنة وطرسوس وعمَّروا أسوارها وحصَّنوها. وبِحُلُول صيف سنة 1488م كان علي باشا قد ضمَّ قلاع أتاذر وبياس ونمرون وملوانة وسيس، وألقى القبض على من فيها من المماليك وأرسلهم إلى العتبة العُليا، فأطلقهم السُلطان بايزيد وأعادهم إلى مصر مُكرَّمين. ولمَّا بلغ السُلطان قايتباي هذا الخبر، سارع بإرسال الأمير أزبك الأتابكي وضمَّ إليه السلحدار الأمير تمراز الشمسي وأمير الآخور قانصوه خُمسمائة الأشرفي، وضمَّ إليهم أُمراء الشَّام مع عساكرهم، وكذلك انضمَّ إليهم الأمير الرمضاني غيَّاث الدين خليل بك بن داود، والأمير الورساقي محمود بك بن درغوث مع التُركمان. والتقى الجمعان بِقُرب طرسوس يوم 8 رمضان 893هـ المُوافق فيه 15 آب (أغسطس) 1488م، فاقتتلوا قتالًا شديدًا انكسر فيه العُثمانيُّون وفرَّ أغلب أُمرائهم، ولم يثبت إلَّا الوزير علي باشا ومن معهُ من القپوقوليَّة والإنكشاريَّة وعسكر الروملِّي، فجدُّوا وشدُّوا في القتال إلى آخر النهار حتَّى قُتل أغلب الجُند، فاضطرَّ إلى الانسحاب بمن بقي إلى بلاد القرمان. أمَّا المماليك فنغموا مغانم عظيمة ممَّا وجدوه في المُعسكر العُثماني، ثُمَّ حاصروا أضنة وأخذوها بِالأمان. وما أن وصلت أخبار هذا الانتصار إلى القاهرة حتَّى سُرَّ قايتباي سُرورًا عظيمًا، وأمر بِدق البشائر في القلعة، فدُقَّت سبعة أيَّام. كما زُيِّنت دمشق زينةً عظيمةً ودُقَّت البشائر في قلعتها. أمَّا السُلطان بايزيد فأمر بِمُعاقبة الأُمراء والقادة الذين هربوا من أمام الجيش المملوكي ولم يثبتوا عند القتال، فقُبض عليهم أجمعين وسُجنوا في قلعة يني حصار مُدَّة، وأمر السُلطان أيضًا بِإعدام قراكوز مُحمَّد باشا لِتكراره الهرب من أمام الأعداء، فنُفِّذ أمره وأُطلق سراح بقيَّة الأُمراء.

وفي سنة 894هـ المُوافقة لِسنة 1489م، وصلت رسالة إلى السُلطان من طرف البابا إنوسنت الثامن مفادها أنَّ الشاهزاده جَمّ أصبح في عُهدته بعدما سلَّمهُ إليه فُرسان الإسبتاريَّة (يوم 11 ربيع الآخر المُوافق فيه 13 آذار (مارس) من السنتين المذكورتين)، وتعهَّد البابا في رسالته إلى السُلطان بِإبقاء أخيه عنده لِقاء ما كان يدفعهُ لِلفُرسان. ويبدو أنَّ الإسبتاريين سلَّموا الشاهزاده إلى البابا كحلٍّ وسط، بعد تعرُّضهم لِضُغُوطٍ شديدةٍ مورست عليهم من قِبل الدُول الأوروپيَّة المُعادية لِلدولة العُثمانيَّة. وخصَّص البابا قلعة المَلَك المُقدَّس (سان أنجيلو) لِإقامة جَمّ سُلطان بعدما استقبلهُ بِمراسم فوق العادة. وفي هذه السنة أيضًا أمر السُلطان بِمُعاقبة الأمير القدري علاء الدولة بوزقورد بك بعدما سالم المماليك كما أُسلف ودخل في طاعتهم، فخلعهُ عن الإمارة وولَّى مكانه أخاه «شهبُداق بن سُليمان»، وأرسل إلى مُحمَّد باشا بن خضر والي أماسية وإسكندر بك ميخائيل أوغلي أمير سنجق قيصريَّة يأمُرهما بِأن يُعينا شهبُداق على أخيه حتَّى يأخذ المُلك منه، وكذلك كتب إلى بكلربك القرمان محمود بك بن مُستنصر بِأن يمُدَّ شهبُداق إن استمدَّ منه، كما أمر إسكندر بك بإلقاء القبض على شاهرُخ ابن علاء الدولة، وكان واليًا على قرشهر من قِبل السُلطان، فنفَّذ هذه المُهمَّة وأرسلهُ إلى إسلامبول حيثُ أُكحلت عيناه، واستعاد العُثمانيُّون السيطرة على أضنة وطرسوس وسيس وبياس وغيرها. ولمَّا وصل ذلك إلى علاء الدولة جزع وفزع، ثُمَّ حشد وجمع من التُركمان والمماليك جمعًا عظيمًا وأسرع السير إلى قتال أخيه لِأخذ ثأر ولده شاهرُخ، فوصل إليه قبل وُصُول المدد وقاتله أشدَّ قتال حتَّى كسره، فهرب شهبُداق وثبُت إسكندر بك ميخائيل أوغلي حتَّى وقع في الأسر، وأُرسل مُكبَّلًا إلى القاهرة، وأخذ علاء الدولة يحث السُلطان المملوكي على قتال العُثمانيين مُجددًا، وهوَّن الأمر عنده، وأطمعهُ في البلاد العُثمانيَّة. لكن نظرًا لِسوء الحالة الاقتصاديَّة، وانتفاضة المماليك الجُلبان(6)، لم يتمكَّن قايتباي من إرسال حملةٍ أُخرى لِطرد العُثمانيين من المناطق التي استولوا عليها، فمال إلى الصُلح واستقبل في شهر جُمادى الآخرة سنة 894هـ المُوافق فيه شهر أيَّار (مايو) سنة 1489م رسولًا عُثمانيًّا أرسلهُ الصدر الأعظم داود باشا، بِهدف إحلال السلام بين الدولتين. فاشترط السُلطان المملوكي إطلاق سراح الأسرى المماليك، وتسليم مفاتيح القلاع التي استولى عليها بايزيد الثاني. ويبدو أنَّ المُفاوضات لم تُسفر عن نتيجةٍ إيجابيَّة، فكان لا بُدَّ من الاصطدام مُجدَّدًا لِتقرير المصير، خاصَّةً وأنَّ الانتصار العُثماني الأخير لم يكن حاسمًا. وتقدَّمت القُوَّات العُثمانيَّة بِاتجاه الأراضي المملوكيَّة، ووصلت إلى حصن «كوكلك» في شهر صفر سنة 895هـ المُوافقة لِأواخر سنة 1489م، فأرسل قايتباي حملةً قويَّةَ بِقيادة الأمير أزبك، وأعطاه الأوامر بِالاهتمام بِالجانب السلمي أوَّلًا، وإذا فشلت المُحاولات السلميَّة فلا بُدَّ لهُ من الاصطدام بِالعُثمانيين. دخل الأمير أزبك الأراضي العُثمانيَّة عن طريق حلب، وتحرَّك إلى عُمقها حتَّى وصل إلى قيصريَّة، فنهب عدَّة قُرى تابعة لها وأحرقها واستولى على قلعة «كوارة»، ووقع في يديه أحمد باشا بن هرسك مرَّةً أُخرى بعدما أرسلهُ السُلطان بايزيد لِدفع المماليك. كانت تلك آخر حملة لِلأمير أزبك على بلاد العُثمانيين، وعاد إلى القاهرة في مُستهل شهر مُحرَّم سنة 896هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) 1490م.

الصُلح بين العُثمانيين والمماليك بِوساطة السُلطان الحفصي

عامل السُلطان قايتباي الأسرى العُثمانيين، بما فيهم أحمد باشا بن هرسك، بِبُرُودٍ هذه المرَّة، وكادت الحرب أن تستمر بين الدولتين لولا أن حالت الظُرُوف الطبيعيَّة والاقتصاديَّة دون ذلك. فقد كان السُلطان بايزيد قد خرج بِنفسه إلى أُسكُدار لِلتجهُّز لِأخذ الثأر من المماليك، فبينما هو مُتجهِّزٌ لِذلك إذ ساءت حالة الطقس وهطلت أمطارٌ غزيرة ونزلت صواعق مُتتابعة على إسلامبول يوم 22 شعبان 896هـ المُوافق فيه 29 حُزيران (يونيو) 1491م، فتخرَّبت مواضع عديدة وأبنية كثيرة بِالسُيُول والصواعق. ونزلت صاعقة على كنيسةٍ مهجورةٍ بِقُرب آت ميداني (ميدان سباق الخيل البيزنطي)، وكانت تُستخدم مُستودعًا لِلذخائر وفيها عدَّة قناطير من البارود، فاشتعلت ثُمَّ انفجرت مُوقعةً أضرارًا كبيرةً في المحلَّات المُجاورة، مُهلكةً جميع أهلها. وتطايرت أنقاض المباني فهبطت في مواضع مُختلفة من إسلامبول كغلطة وبشكطاش وطوبخانة وغيرها، فقُتل الكثير من الناس، واضطرَّ السُلطان أن يبقى في عاصمته لِيُعيد إعمار ما تهدَّم ويُغيث الأهالي المنكوبين. أمَّا في مصر فكانت بوادرُ ضائقةٍ اقتصاديَّةٍ تلوحُ في الأُفق بعدما أُنهكت مواردُ البلاد بِفعل الحرب المُستمرَّة، ورافق ذلك ملامحٌ من المجاعة والطاعون. كما يُروى أنَّ قايتباي تأثَّر عندما عَلِم أنَّ بايزيد سيخُرج بِنفسه على رأس حملةٍ ضدَّ المماليك، إذ لم يكن يرغب في أن تتطوَّر الأُمُور إلى حربٍ شاملةٍ كما أُسلف. وكان يعلم أنَّ تيمورلنك فقط هو الذي تمكَّن من الانتصار على العُثمانيين في حربٍ شاملةٍ في تاريخ الدولة العُثمانيَّة حتَّى ذلك الحين، وليس هُناك مثالٌ آخر، فأثبط ذلك من عزيمته، واتصل بِالسُلطان أبو يحيى زكريَّاء بن يحيى الحفصي في إفريقية، وطلب إليه أن يتوسَّط لِتأمين الوئام بينه وبين السُلطان بايزيد، والحيلولة دون إراقة المزيد من دماء المُسلمين، ووافق بايزيد على هذه الوساطة.

أرسل السُلطان الحفصي بدايةً القاضي الفقيه حُسين بن عُمر بن مُحمَّد القلشاني المغربي لِيحُل الأزمة القائمة بين المماليك والعُثمانيين، وكان القاضي المذكور ذا صولةٍ وإقدامٍ على المُلُوك، فبينما هو في طريقه إلى إسلامبول اعترضهُ سُقُنٌ إفرنجيَّة، فوقع في الأسر وقُتل. فأرسل السُلطان يحيى قاصدًا آخر حمَّلهُ هدايا جليلة إلى العتبة السُلطانيَّة، وأعانهُ في إحلال السلام أحد أكبر وأبرز عُلماء الدولة العُثمانيَّة في ذلك العصر وهو المولى أبو بكر زين الدين عليّ العربي المشهور عند التُرك بِـ«مُلَّا عرب». وأثبت المولى المذكور خيريَّة الصُلح بِأدلَّةٍ كثيرة، بِخلاف سائر العُلماء الذين كانوا قد أفتوا بِجواز جهادالمماليك وإراقة دمائهم، وحثُّوا السُلطان بايزيد على قتالهم، إلَّا أنَّ أدلَّة المولى العربي كانت قويَّة، وأهم ما قاله لِلسُلطان: «لَسْنَا رَاضِيْنَ عَنْ فِعْلِكَ يَا اِبْنَ عُثْمَان وَمُعَادَاتِكَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَنَّ الضَّرُورَةَ حَصَلَتْ لَنَا وَلِهُمْ، وَإِنَّ الْكَفَّارَ طَغَوَا عَنْدَمَا رَأَوْا الْمُسْلِمَيْنَ يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِنَّنَا نُشِيرُ بِالصُّلْحِ». أمام هذا، مال بايزيد إلى قول المولى، وأجاب السُلطان الحفصي إلى قُبُول مُلتمسه وهو مُصالحة السُلطان قايتباي، فاستقرَّ الصُلح، وردَّ بايزيد جميع الحُصُون التي كان قد أخذها من أعمال أضنة بعدما أظهروا لهُ أنَّها من أوقاف الحرمين الشريفين. وهكذا ثبتت الحُدُود كما كانت عليه قبل بداية الحرب، فعادت الإمارة الرمضانيَّة إلى تبعيَّتها لِلمماليك، وإمارة ذي القدريَّة إلى الدولة العُثمانيَّة. وسعى السُلطان بايزيد إلى إزالة البُرُود الكائن بينه وبين السُلطان قايتباي، فزوَّج جوهرملك سُلطان، ابنة أخيه جَمّ، بِناصر الدين مُحمَّد بن قايتباي، واستمرَّ بعد ذلك مُتعقِّبًا سياسة مُساندة الدولة المملوكيَّة بِإخلاص.

Source: wikipedia.org
 
(11)
Ottoman Painting

Ottoman Painting