If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عاش الشيخ طاهر في فترة صعبة من تاريخ الأمة الإسلامية والعربية، لذا فقد حاول الشيخ أن يعيد للأمة وعيها المسلوب وينشر علوم النهضة في عقول أبنائها. وقد كان يرى أن الأمة لايمكن لها أن تنهض سوى بالأخذ بالعلم سلاحا لمواجهة التحديات، وقد رأى بنظرته الثاقبة أن الدولة العثمانية توشك على السقوط، ولا بد للعرب أن يأخذوا بثلابيب العلم والأخلاق والتجديد لمواجهة خطر الأستعمار الغربي لبلدانها و أقاليمها. وكان للشيخ طبقة من أقرانه العلماء والنبهاء، منهم العلامة جمال الدين القاسمي إمام الشّام في عصره علماً بالدّين وتضلّعاً في فنون الأدب، والشيخ عبد الرزاق البيطار من علماء دمشق الكبار، ومن أصدقائه الشيخ سليم البخاري وهو عالم أديب، كان هؤلاء وغيرهم يجتمعون بالشيخ طاهر، ويعدون حلقات العلم والمدارسة، وانضم إليهم عدد كبير من شباب العرب النابهين ومنهم : رفيق العظم العالم والباحث، وأحد رواد النهضة الفكرية في الشام ومنهم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الطبيب والذي كان خطيبا مفوها، ومن رجال القومية والوطنية، ومنهم أيضا عبد الرحمن الزهراوي من زماء النهضة السياسية في سوريا، وكان منهم سليم الجزائري ، القائد عسكري، عارف باللغات العربية و التركية و الفارسية و الفرنسية و الإنكليزية ، و منهم الوطني فارس الخوري ، ومنهم عبد الوهاب المليحي ، وكذلك محب الدين الخطيب و محمد علي كرد ، وقد تألف من جماع هؤلاء الشيوخ المفكرين والشباب النابهين أكبر حلقة أدبية ثقافية، كانت تدعو إلى تعلم العلوم العصرية، ومدارسة تاريخ العرب، وتراثهم العلمي، وآداب اللغة العربية، والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية، والأخذ بالصالح من المدنية الغربية .
وكانت هذه الحلقة تجتمع في كل أسبوع من بعد صلاة الجمعة في منزل رفيق العظم. وكان مجلس هذه الحلقة يستعرض كل ما يهم المفكرين استعراضه عن الحركة العلمية والفكرية والسياسية خلال الأسبوع، وكان الشيخ طاهر هو الذي يوجههم، ويصحح لهم، ويوقظهم لما خفي عليهم من أسباب الإصابة بالرأي.
سميت هذه الحلقة بحلقة دمشق الكبرى، وقد راح الشيخ طاهر ورجال حلقته ينددون بالحكام واستبدادهم، وينتقدون سوء الإدارة، ويدعون إلى الحرية والعدل والنظام، فاتهموا بالخيانة الوطنية، والعمل على فصل سوريا عن بقية السلطنة العثمانية. وبالمقابل فقد قامت الحكومة بإلغاء منصب الشيخ طاهر الحكومي، وعرقلت أعمال الجمعية، ولاحقت أعضاءها، الذين وجدوا تضييقاً كبيراً، وقامت السلطات بتفتيش منازلهم، فاضطر بعضهم للهرب وكان على رأسهم الشيخ طاهر.
وعندما غادر الشّيخ طاهر دمشق متوجّهاً إلى مصر للإقامة فيها، خلّف وراءه "ثورة فكريّة" تسري تحت الرّماد، وسرعان ما وجدت هذه الثّورة متنفّساً لها في الانقلاب العثمّاني، سنة 1908م.