If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان لانتصارات السُلطان مُراد أصداء بعيدة في أوروپَّا، وأثار زحف المُسلمين باتجاه البلقان مُختلف القوى الموجودة في المنطقة، فنهضت لِلتصدي له. فسعى الإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الخامس پاليولوگ إلى الانقضاض على الإمارة العُثمانيَّة الناشئة لِطرد العُثمانيين من المواقع التي فتحوها في عهد أورخان، إلَّا أنَّهُ شُغل بِالمُشكلات التي أثارها متَّى قانتاقوزن، ابن الإمبراطور المخلوع يُوحنَّا السادس. ومن جهة أُخرى، خشي البنادقة من التمدُّد العُثماني في البلقان الذي أخذ يُهدد مصالحهم التجاريَّة في المنطقة، فنهضوا لِوقفه، وأنزلوا عشرين ألف جُندي في الروملِّي من أجل هذه الغاية، غير أنَّ هذه القُوَّة مُنيت بِهزيمة على يد العُثمانيين، وبِالتالي فشلت البُندُقيَّة في وقف التمدُّد العُثماني باتجاه البلقان. وأدَّت وفاة أسطفان دوشان، قيصر الصرب، في سنة 756هـ المُوافقة لِسنة 1355م إلى تضعضُع الصربيين وتمزُّقهم، فلم يعد لديهم القُدرة على مُقاومة العُثمانيين. وخشي يُوحنَّا إسكندر، قيصر البُلغار، من الزحف العُثماني، فسعى إلى كسب ود العُثمانيين على الرُغم من اعتراض لويس الأوَّل ملك المجر والإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الخامس. نتيجة إخفاقات القوى البلقانيَّة، التمس الإمبراطور البيزنطي المُساعدة من الغرب الأوروپيّ، ووعد البابا الدُخُول في طاعة الكنيسة اللاتينيَّة مُقابل مُساعدة عسكريَّة، لكن تشدُّد الطرفين: الكاثوليك والأرثوذكس، حال دون تحقيق ذلك.
في ذات الوقت، كان المُلُوك المسيحيُّون الآخرون المُجاورون لِلدولة العُثمانيَّة قد اضطربوا وتخوَّفوا من امتداد الفُتُوحات الإسلاميَّة إلى ما وراء جبال البلقان، إذ لو اجتازها المُسلمون بدون مُعارضة ومُقاومة في مضايقها لم يقوَ أحد بعد ذلك على إيقاف تيَّار فُتُوحاتهم، ويُخشى بعدها على جميع ممالك أوروپَّا من العُثمانيين. فطلب هؤلاء المُلُوك من البابا أوربان الخامس أن يتوسَّط لدى مُلُوك أوروپَّا الغربيين لِيُساعدوهم على مُحاربة المُسلمين وإخراجهم من القارَّة العجوز. فاستجاب البابا لهم وكتب إلى مُلُوك أوروپَّا يحُثُهم على تجهيز حملة صليبيَّة لِحرب المُسلمين. والواقع أنَّ البابويَّة لم تُعر الفُتُوح العُثمانيَّة في أوروپَّا أيَّة أهميَّة طالما كانت على حساب البيزنطيين الهراطقة، في نظرها، ولكن عندما بدأت هذه الفُتُوح تُهدِّد الدُول الأوروپيَّة الكاثوليكيَّة الخاضعة لِسُلطة البابا، سعى أوربان الخامس لِإعداد حملةٍ صليبيَّةٍ ضدَّ العُثمانيين. وفي يوم الجُمُعة العظيمة الذي صادف يوم 15 جُمادى الآخرة 764هـ المُوافق فيه 31 آذار (مارس) 1363م، اجتمع البابا بِملك فرنسا يُوحنَّا الثاني وبِملك قبرص بُطرس الأوَّل في أبينيون حيثُ تعهَّدا بِالمُشاركة في الحملة الصليبيَّة القادمة وبِأن يسيرا إلى الأراضي المُقدسة ويستخلصا بيت المقدس من المُسلمين. وفي 14 ربيع الآخر 765هـ المُوافق فيه 19 كانون الثاني (يناير) 1364م، اجتمع البابا بِبعض الأقطاب الإقليميَّة لِمُناقشة مُشكلة المُرتزقة الجوَّالين الذين كانوا يُعيثون فسادًا في أوروپَّا الغربيَّة، ومن بين هؤلاء الأقطاب كان أماديوس السادس كونت ساڤوي، الذي تعهَّد بِالانضمام لِهذه الحملة أيضًا، مدفوعًا بِقرابته من الإمبراطور البيزنطي. كان موعدُ انطلاق الحملة يُفترض أن يكون في يوم 1 آذار (مارس) 1365م المُوافق فيه 8 جُمادى الآخرة 766هـ، لكنَّ شيئًا لم يحصل، إذ تخاذل ملك فرنسا عن تلبية نداء البابا، وفضَّل ملك قُبرص أن يشُن حملةً على السلطنة المملوكيَّة في مصر، فغزا الإسكندريَّة يوم 23 مُحرَّم 767هـ المُوافق فيه 9 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1365م وارتكب فيها مذبحةً رهيبة راح ضحيَّتها آلاف السَّكندريين من مُسلمين ومسيحيين ويهود، ونهب الصليبيُّون البُيُوت والمتاجر والكنائس والجوامع، ولم تسلم منهم حتَّى متاجر التُجَّار الأوروپيين، وهرب الكثير من الأهالي ناجين بِحياتهم. وبعد مضيّ 4 أيَّام انسحب الصليبيُّون عائدين إلى قبرص. كان لِغزوة الإسكندريَّة أثرٌ سيِّء على إعدادات الحملة الصليبيَّة المُوجهة ضد العُثمانيين، إذ قاطع المُسلمون جميع الدُويلات التجاريَّة الأوروپيَّة، فتأثر اقتصادها القائم على الملاحة البحريَّة، لِذا انسحبت جُمهُوريَّة البُندُقيَّة من هذا الحِلف المُقدَّس، ولم تنجح مُحاولات البابا بِإقناعهم عن العُدول عن رأيهم، فاضطرَّ أماديوس السادس أن يُرسل إليهم سفارة ليُحاول إقناعهم بِنفسه، لكنَّهُ لم يستحصل منهم إلَّا على قادستين لِنقل الجُنُود في البحر. كما رفضت جُمهُوريَّتا جنوة ومرسيلية المُشاركة كي لا تتأثر علاقاتهما التجاريَّة مع المُسلمين سلبًا، فاضطرَّ أماديوس السادس إلى قيادة الحملة الصليبيَّة بِنفسه.
انطلق أماديوس السادس من البُندُقيَّة على رأس أُسطولٍ بحريٍّ في شهر شوَّال سنة 767هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) سنة 1366م، وأبحر حتَّى وصل مضيق الدردنيل، حيثُ انضمَّ إليه أُسطولٌ صغير بِقيادة فرانشيسكو گاتيلوسيو أمير جزيرة لسبوس وفيلقٌ بيزنطيّ بِقيادة بطريرك القُسطنطينيَّة. هاجمت القُوَّات المُشتركة مدينة گليپولي التي فتحها المُسلمون زمن السُلطان أورخان، وضيَّقت عليها الحصار حتَّى اضطرَّت حاميتها العسكريَّة العُثمانيَّة إلى الانسحاب منها ليلًا، وفتح الأهالي أبواب مدينتهم إلى الصليبيين في اليوم التالي لقاء الأمان على أنفُسهم، وأرسل أماديوس السادس إلى البابا يُبشِّره بِالنصر. خِلال تلك الفترة كان الإمبراطور البيزنطي يُوحنَّا الخامس قد سافر إلى بودا عاصمة المجر لِلتفاهم مع الملك لويس الأوَّل لِلتنسيق معه على حرب العُثمانيين ولِيُقسم يمين الولاء والطاعة لِلبابا، عن نفسه وعن أولاده، وكي يتعهَّد بِترك الأرثوذكسيَّة واعتناق المذهب الكاثوليكي، وفي أثناء طريق عودته إلى بيزنطة عبر بلاد بُلغاريا، اعترضهُ جُنودٌ بُلغار بِأمرٍ من القيصر يُوحنَّا شيشمان، الذي منعه من المُرور عبر بُلغاريا، وحاصرهُ في مدينة ڤيدين على أطراف المملكة. ويبدو أنَّ الإمبراطور البيزنطي راسل أماديوس السادس طالبًا النجدة، ولمَّا كان الأخير غير مُفوَّض من البابا لِقتال النصارى الأرثوذكس فإنَّهُ لم يُحرِّك ساكنًا إلى أن تلقَّى مبلغًا من المال من الإمبراطورة هيلانة قانتاقوزن، فأبحر على طول الساحل البُلغاري واستولى على عدَّة مُدن وارتكب فيها فظائع دمويَّة، حتَّى أذعن القيصر البُلغاري وأطلق سراح الإمبراطور البيزنطي، فعاد مع أماديوس السادس إلى القُسطنطنيَّة. عاود أماديوس السادس حربه ضدَّ المُسلمين بِمُجرَّد عودة الإمبراطور يُوحنَّا الخامس إلى عرشه، على الرُغم من تراجُع عدد قُوَّاته بِفعل الخسائر التي مُني بها خِلال حصار گليپولي وخِلال مُغامرته العسكريَّة في بُلغاريا، فانتزع قلعة «إينياقوسية» الواقعة على الشاطئ الشمالي من بحر مرمرة من العُثمانيين، وأحرق لهم حصنًا آخر، وردَّ غارةً شنَّها العُثمانيُّون على مدينة سوزوپول البُلغاريَّة الساحليَّة، وتوَّج انتصاراته بِأن استولى على مدينة أدرنة وأعادها إلى الحظيرة البيزنطيَّة. ولمَّا تمَّ لهُ ذلك شعر أماديوس السادس أنَّهُ أوفى نُذوره، فأمضى ما تبقَّى من حملته يتباحث مع الإمبراطور البيزنطي في تحقيق الوحدة الكنسيَّة بين روما والقُسطنطينيَّة، ثُم عاد إلى البُندُقيَّة بعد أن سلَّم جميع ما استولى عليه إلى الإمبراطور.