If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أعطى الصحابةُ -رضوان الله عليهم- القرآنَ الكريم المكانة الأولى والمنزلة الكبرى في جميع شؤون حياتهم؛ فبدأو يتسابقون في حفظه وفهم آياته، ورافقوه في ليلهم ونهارهم، وفي حلّهم وترحالهم، وكانوا يلجؤون إليه في استشاراتهم الدينية والدنيوية؛ فقد تيقّنوا أنّه أعظم عبادة يتعبدون بها، وأنّ نصرهم سيكون بالتمسك به، وسعادتهم ستتحقق بالعمل به؛ بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، والتخلّق بأخلاقه، والتحلّي بآدابه؛ فلم يكن هدفهم الأساسي هو مجرّد قراءة وحفظ القرآن الكريم؛ وإنّما التمثّل به في كلّ ما يخصهم، كما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقدّم قارئ القرآن على غيره في كثير من الأمور، فإن أراد أن يؤمّر على قوم أميراً يختار أقرؤهم للقرآن، وإن أراد أن يرسل مجموعة من الصحابة من أجل الدعوة؛ يعيّن أكثرهم قراءةً للقرآن ليكون إماماً عليهم، كما وكان يختار أيضاً صاحب القرآن ليكون متقدّماً في القبر إن اضطر الأمر أن يوضع أكثر من واحد في نفس القبر؛ كما حصل حين دفن شهداء غزوة أحد.
وكان أصحاب رسول الله -رضي الله عنهم- يحفظون الآيات عشراً عشراً، ولم يكن أحد منهم ينتقل إلى آيات غيرها حتى يكون قد حفظها وفهمها وعمل بها، ولذلك فقد كان قرّاء القرآن الكريم فقهاءً وعلماء، وقد اعتمدوا في حفظهم للقرآن على التلقّي الشفهي من رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-، أو ممّن سمعه من رسول الله من الصحابة المتقنين، أمثال عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- وغيرهم، ولم يعتمدوا في الحفظ على ما كان قد كتب من القرآن سواءً في عهد النبيّ -عليه السلام- أو بعد كتابته في عهد عثمان -رضي الله عنه-، وتبعهم في تلك الطريقة كلّ من جاء بعدهم من التابعين، وأتباع التابعين، ومن جاؤوا بعدهم، حتى عصرنا الحالي، وبهذا وصلنا القرآن بالسند المتصل عن رسول الله -عليه أفضل الصلاة والتسليم-.