If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
شارك بايزيد في قتال الحلف الصليبي الذي تكوَّن بِزعامة القيصر الصربي لازار بلينانوڤيچ بِهدف القضاء على المُسلمين نهائيًّا وطردهم من أوروپَّا الشرقيَّة بعد أن توسَّع نطاق فُتُوحاتهم فيها وضُمَّت إليهم الكثير من البلاد والمناطق. إذ دارت بين العُثمانيين والصليبيين معركةٌ هائلة في سهل قوصوه (كوسوڤو) يوم 19 جُمادى الآخرة 791هـ المُوافق فيه 12 حُزيران (يونيو) 1389م، تولَّى فيها بايزيد قيادة ميمنة الجيش العُثماني، فيما تولَّى شقيقه يعقوب قيادة الميسرة، وقاد السُلطان مُراد القلب. أظهر بايزيد شراسةً كبيرةً في الدفاع عن ميمنة الجيش، فعجز الصليبيُّون عن اختراقها رُغم هُجُومهم المُدرَّع الكبير، ولمَّا توقف هُجُومهم مالت الكفَّة لِصالح العُثمانيين، ذلك أنَّ الدُروع الثقلية لِلفُرسان والخُيُول الأوروپيين أصبحت عقبة أمامهم، فلم يقدروا على المُناورة والتحرُّك بسلاسة، عكس المُشاة والفُرسان العُثمانيين الذين يرتدون الملابس الخفيفة، فهاجم بايزيد الصربيين بِقوَّةٍ وكبَّدهم خسائر فادحة. وبعد مُرور 8 ساعات انهزم الصليبيُّون وانسحبوا من الميدان بعد أن خسروا عددًا كبيرًا من الجُنود، وجُرح القيصر لازار ووقع أسيرًا في يد العُثمانيين مع عددٍ من نُبلائه. تُشيرُ أكثر الروايات شُيُوعًا، أنَّ السُلطان مُراد كان يتجوَّلُ مُتفقدًا ساحة المعركة والقتلى والجرحى بعد تمام النصر، فانقضَّ عليه جُندي صربي يُدعى «ميلوش كوبلوڤيچ» كان يتظاهر بِالموت، وفاجأه بِطعنةٍ قاتلةٍ من خنجره المسموم كانت هي القاضية عليه بعد قليل، وسقط القاتُل قتيلًا تحت سُيُوف الإنكشاريَّة مُباشرةً.
ثارت ثائرةُ بايزيد لمَّا طُعن والده، وأمر بدايةً بِقتل الأسرى الصليبيين ثأرًا له، لكنَّ مُرادً رفض ذلك رفضًا قاطعًا، فقال لِقادته وإبنيه: «لًا تُعَذِّبُوا الأَسرَى وَلَا تُؤذُوهُم، ولَا تَسلِبُوهُم، فإنَّ النَبِيّ قَالَ لِأَصحَابِه فِي أَسرَى بَنِي قُرَيظَة: "أَحْسِنُوا إسَارَهُمْ، وَقَيّلُوهُمْ، وَأَسْقُوهُمْ حَتّى يُبْرِدُوا"». ولم تدُم مُعاناة السُلطان مُراد طويلًا، فأسلم الروح بعد قليل، بعد أن أوصى بِولاية العهد إلى ابنه بايزيد. ولمَّا تُوفي السُلطان مُراد عفا بايزيد عن جميع الأسرى باستثناء القيصر لازار ونُبلائه، الذين أمر بإعدامهم، فأُعدموا على الفور. بايع الجُند والوُزراء بايزيد سُلطانًا على العُثمانيين في ميدان الحرب بِسهل قوصوه مُباشرةً بعد وفاة والده، فاكتسب بِذلك الشرعيَّة، وأُتيحت لهُ فُرصة الإمساك بِزمام السُلطة، ولم تحدث أيَّة متاعب بِخُصوص خلافة السُلطان مُراد بعد مقتله المُفاجئ نظرًا لِشهادة الجميع على تعيينه بايزيد خليفةً له. وهكذا تولَّى بايزيد السلطنة وقد شارف على التاسعة والعشرين من عُمره، وأمر بِإرسال جُثمان والده إلى بورصة لِدفنه فيها إلى جانب جدِّه أورخان ووالد جدِّه عُثمان.
تنسب عدَّة روايات إلى بايزيد الأوَّل شُرُوعه في عادة قتل الإخوة. فقيل أنَّ أوَّل عملٍ قام به هو أنَّهُ قتل أخاهُ الوحيد يعقوب، الذي كان يصغره سنًا بِقليل، بعد أن حاول مُنافسته على السُلطة، ما كان سيُؤدِّي إلى التمزُّق، وأنَّ هذه العادة السيئة أضحت بعد ذلك سُنَّةً سار عليها سلاطين آل عُثمان حتَّى عهد الإصلاح. وفي إحدى الروايات أنَّ بايزيد نصحهُ الوُزراء والقادة والأُمراء وأركان الدولة بِقتل أخيه يعقوب المُتصف بِالشجاعة والإقدام وعُلُوِّ الهمَّة، خوفًا من أن يدَّعي المُلك ويرتكن على أنَّ المُلك انتقل إلى السُلطان أورخان بعد وفاة أبيه السُلطان عُثمان رُغم أنَّهُ لم يكن البكر، بل كان أخاه الشاهزاده علاءُ الدين الذي لم يتولَّى السُلطة. ولِذلك خيف على المملكة منه وقُتل باتفاق أُمراء الدولة وقادة جُيُوشها. ويدعم مُؤرخون آخرون هذا الرأي بِقولهم أنَّ تمزُّق الدولة وتحزُّب أهلها وعساكرها وحُكَّامها كان واردًا نظرًا لأنَّ بايزيد حظي بِدعم العناصر الروميَّة التي اعتنقت الإسلام - نظرًا لأنَّ والدته روميَّة - في حين كان شقيقه يعقوب يحظى بِدعم التُركمان، لِذلك ارتأى الأعيان ضرورة قتله. هذا وقد ادعى بعض المُؤرخين الغربيين أنَّ قتل يعقوب بك كان بناءً على فتوى شرعيَّة أفتى بها عُلماء ذلك الزمان منعًا لِحُصُول الفتنة بناءً على ما ورد في القُرآن: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يصف المُؤرِّخ العُثماني عاشق باشا زاده طريقة مقتل يعقوب بك قائلًا أنَّ الأخير كان يُلاحقُ فُلُول الجيش الصليبي المُنسحب من ميدان قوصوه، فأُرسل في طلبه أن يرجع فورًا، ولمَّا عاد دخل الخيمة السُلطانيَّة، فانقضَّ عليه بعض العساكر وقتلوه خنقًا، وكان الليلُ قد حل. ويذكر بعض المُؤرخين أنَّ قتل يعقوب بك كان سببًا في ثورة الكثير من الجُنود، إذ أثارت هذه الحادثة سخط مُحبي الشاهزاده القتيل، وخرج بعض أُمراء الجيش على السُلطان الجديد وأنكروا عليه ما فعل، ولكنهم ما لبثوا أن انصاعوا إليه؛ لكن يبدو أنَّ تلك الحركة أثارت ريبته، مما حمله على دفن أبيه وأخيه سرًا.
أولى بايزيد بلاد الروملِّي اهتمامه بِمُجرَّد جُلُوسه على العرش سنة 791هـ المُوافقة لِسنة 1389م، فشرع في إقامة علاقات وديَّة مع الصرب مع إنهم كانوا السبب في قيام التحالف الصليبي الأخير ضدَّ الدولة العُثمانيَّة، وكانت باكورة أعماله أن ولَّى الأمير أسطفان بن لازار قيصرًا على البلاد الصربيَّة وأجازه أن يحكم بلاده على حسب قوانينهم وأعرافهم وتقاليدهم وعاداتهم، بِشرط أن يُدين له بِالولاء ويعترف بِتبعيَّته لِلعُثمانيين، ويدفع جزية مُعينة، ويتعهَّد بِتقديم عدد مُعيَّن من الجُنُود يشتركون في فرقةٍ خاصَّةٍ بهم في الحُرُوب العُثمانيَّة. وافق أسطفان بن لازار على هذه الشُرُوط وعرض أن يتولَّى بِنفسه قيادة الجُيُوش تحت إمرة القيادة العُثمانيَّة. وتُوِّج هذا الاتفاق بِمُصاهرة البيت العُثماني لِلبيت الصربي حيثُ تزوَّج بايزيد بِالأميرة أوليڤيرا دسپينة الأُخت الصُغرى لِأسطفان. وهدف بايزيد من وراء هذا التحالف إلى ضرب عصفورين بِحجرٍ واحد: فمن جهة لم يُقدم على ضم بلاد الصرب إلى أملاكه ويجعلها ولايةً كباقي الولايات ليسكن بال الصربيين حتَّى لا يكونوا شُغلًا شاغلًا له نظرًا لِنزعتهم الاستقلاليَّة، كما تُشيرُ بعض المصادر أنَّهُ أُعجب بِشهامتهم فقرر أن يُعاملهم بِالمثل. ومن جهةٍ أُخرى كان بايزيد يرغب باتخاذ دولة الصرب كحاجزٍ بينه وبين المجر حليفة البابويَّة، كما كان يشعر بِضرورة اتخاذ حليفٍ لهُ في سياسته العسكريَّة النشطة التي استهدفت الإمارات السُلجُوقيَّة التُركمانيَّة في آسيا الصُغرى. بِالمُقابل، لم يطمئن الكثير من النُبلاء الصربيين إلى تحالف دولتهم مع دولة إسلاميَّة، ولم يرضوا أن يُعيَّن عليهم حاكمًا تابعًا لِسُلطان تلك الدولة التي اعتبروها خصمهم اللدود، ولمَّا لم يكن بإمكانهم فعل شيء بعد أن مُني الجيش الصربي بِالهزيمة في معركة قوصوه، فضَّلوا الرحيل عن بلادهم، فهاجرت جماعات من الصرب إلى البشناق والمجر ودخلت في تبعيَّة مُلُوك تلك البلاد.