If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أرسل الله -تعالى- الأنبياء، والرُّسل -عليهم السلام-، وكلّفهم بأشرف الوظائف؛ وهي الدعوة إلى الله، فأدّوا الأمانة، وبلّغوا الرسالة، وقد نالت الدعوة إلى الله مرتبة عالية وأهمية عظيمة، وفي هذا يقول المولى -سبحانه-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وما كانت الدعوة إلى الله بتلك المرتبة؛ إلّا لِما لها من النتائج، كهداية الناس وإرشادهم إلى الإيمان، وتكون الدعوة إلى الله بالدعوة إلى دينه، والسَّير على طريقه، واتّباع ما أمر به، والابتعاد عن كلّ ما يُدخل الشرك في عبادته، والتقرُّب من كلّ ما أمر به الإسلام، والابتعاد عن كلّ ما نهى عنه.
بدأ الرسول -عليه الصلاة والسلام- بالدعوة إلى الإسلام في مكّة المُكرَّمة بأمرٍ من الله -تعالى-؛ إذ قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنذِرْ*وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ*وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ*وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ*وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ*وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)، فبدأ الرسول بدعوة أهل بيته، ثمّ الأقربين فالأقربين، وكانت الدعوة حينها سرّيةً؛ دون أن تعلم بها قريش، وقد وصل عدد المُستجيبين لها إلى أربعين، منهم: خديجة بنت خويلد، وزيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصدّيق، وغيرهم، وعُرِفت تلك المرحلة من الدعوة بالمرحلة الأرقميّة؛ نِسبةً إلى دار الأرقم؛ إذ كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يُعلّم الصحابة أمور الدين فيها، وذلك قبل الهجرة إلى المدينة المُنوَّرة؛ حيث كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يجتمع بهم في شِعاب* مكّة المُكرَّمة، ولمّا عَلِمت قريش بأمرهم، تصدّت لهم؛ فتوجّه بهم رسول الله إلى دار الأرقم الواقعة على جبل الصفا، واستمرّت الدعوة بشكلٍ سرّيٍ مدّة ثلاث سنواتٍ، ثمّ جاء الأمر من الله بالجهر فيها.
وتُعَدّ المرحلة السرّية من أهمّ مراحل الدعوة، وقد امتازت هذه المرحلة بأساليب عدّة، حيث حرص النبي عليه السلام على مراعاتها، وبيانها بشكلٍ مُفصَّلٍ فيما يأتي:
للمزيد من التفاصيل عن مدّة الدعوة السريّة الاطّلاع على مقالة: ((كم كانت مدة الدعوة سراً)).
بدأت الدعوة بمرحلتها الثانية، وانتقلت من المرحلة السرّية إلى المرحلة الجهريّة، وذلك بنزول قول الله -تعالى-: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فما كان من قريش إلّا أن تصدّت لتلك الدعوة، وبدأت تُعارضها بكلّ ما تملكه من الأساليب؛ إذ لجأت إلى التهديد، والتخويف، والتذليل، وغيرها، ومع ذلك ثبت رسول الله على دعوته، واستمرّ الجهر بالدعوة إلى حين الهجرة إلى المدينة المُنوَّرة، وفي ما يأتي أبرز الأمثلة التي تعرّض لها رسول الله، وأصحابه من الإيذاء في سبيل هذه الدعوة:
للمزيد من التفاصيل عن ثبات الرسول -صلى الله عليه وسلم- في دعوته الاطّلاع على مقالة: ((ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم)).
خرج رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من مكّة مُتوجِّهاً إلى الطائف في شهر شوّال من السنة العاشرة للبعثة؛ ليدعو أهلها إلى الإسلام، وتوحيد الله، ورافقه في تلك الرحلة زيد بن حارثة، وكان يدعو كلّ قبيلةٍ يمرّ بها أثناء سَيره، إلّا أنّهم رفضوا دعوته، كما رفضها أهل الطائف، وبقي فيها عشرة أيّامٍ إلى أن طردوه، وتَبِعَه السفهاء منهم، وضربوه بالحجارة، وسبّوه، فتصدّى لهم زيد بن حارثة، ووقف أمام رسول الله يحميه حتى ضُرِب في رأسه، وسارا حتى وصلا إلى حائطٍ لعتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة، فجلس رسول الله تحت شجرة عنبٍ يستظلّ بظلّها، ودعا ربّه، فرقّ له قلبا عتبة وشيبة، فأرسلا له قُطفاً من العنب مع غلام نصرانيّ يُدعى عدّاس، فتناوله رسول الله، وبدأ بأكله، قائلاً: "باسم الله"، فسأله عدّاس عمّا قاله مُتعجِّباً أنّ كلامه لا يصدر من أهل ذاك المكان، فسأله الرسول عن أصله ودينه، فأخبره أنّه من أهل نينوى، وأنّه يعتنق النصرانيّة، فعرف رسول الله أنّ نينوى هي بلاد نبيّ الله يونس -عليه السلام-، فتعجّب الفتى وسأله عن صِلته بيونس، فقال رسول الله: "ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي"، ثمّ أخذ عدّاس يُقبّل يَدَي رسول الله وقَدمَيه، وقال لابنَي ربيعة إنّ الرسول أخبره بما لا يعلم به إلّا نبيّ، فلاموه وعاتبوه؛ لرجوعه عن النصرانيّة، وفي طريق عودة رسول الله من الطائف أرسل الله إليه جبريل؛ يستأذنه بأن يُطْبِق على أهل مكّة الجبلَين، إلّا أنّ رسول الله رفض ذلك؛ آملاً أن يستجيب أحدهم لدعوته.
كان رسول الله حريصاً على استغلال موسم الحجّ في دعوة القبائل العربية إلى الإسلام، وكان يتحرّى أماكن تجمُّع الحجّاج، كالأسواق، مثل: سوق عُكاظ، وسوق مجنّة، وسوق ذي المجاز، ومع كلّ الجهد الذي بذله رسول الله في ذلك، إلّا أنّه لم تستجب أيّ قبيلةٍ لدعوته، وكانوا يردّون عليه بأسوأ ما عندهم، ويُؤذونه؛ حيث كان يدعو القبائل واحدةً واحدةً؛ حيث كان يخبر كلّ واحدةٍ منها أنّه رسولٌ من عند الله، ثمّ يدعوهم إلى عبادة الله -تعالى-، والابتعاد عن الشرك، وعن عبادة ما سواه، وأن يصدّقوه، ويحموه، إلّا أنّهم رفضوا دعوته، وعاندوه، وأصرّوا على ما هم عليه.
لمّا أراد الله للدعوة الظهور والانتشار وتحقيق العِزّة والمَنَعة للنبيّ وللدعوة، خرج رسول الله في موسم الحجّ، فالتقى رجالاً من قبيلة الخزرج من موالي اليهود، ودعاهم إلى الإسلام في مكانٍ اسمه العقبة، وتكلّم عن الإسلام، وتلا عليهم آيات من القرآن، فقَبِلوا ما عُرِض عليهم، وخرجوا مُتوجّهين إلى قومهم؛ ليدعوهم إلى ما آمنوا به.
وكان هذا في بيعة العقبة الأولى، وفي العام الذي يليه اجتمع إلى النبي من أهل المدينة الذين قدموا إلى الحجّ ثلاثاً وسبعين رجلاً أغلبهم من الخزرج، وبايعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على الإيمان والاتّباع، وسمّيت هذه البيعة ببيعة العقبة الثانية، وبعد عودتهم إلى المدينة أصبح أمر الهجرة ممهّداً ومُلحّاً أكثر من ذي قبل، خاصة أنّ أذى المشركين ازداد على المسلمين في مكة؛ فأمر النبي -عليه السلام- أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فتتابعوا بالهجرة خِفية، وخرجوا فراراً بدين الله -تعالى-، ثمّ أذن الله -سبحانه- لنبيه -عليه السلام- بالهجرة؛ فهاجر يرافقه أبو بكر -رضي الله عنه-.
وأقام رسول الله والمسلمون فيها، وعاشوا أوضاعاً تختلف عمّا عاشوه في مكّة، ومع اختلاف فئات الناس، وطبقاتهم، واتّجاهاتهم، إلّا أنّهم خضعوا لرسول الله، وساروا نحو أمره، وقد امتدح المولى سبحانه المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله، قال الله -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، وفرح النبي -صلى الله عليه وسلم- بلقاء الأنصار الذين آمنوا به وبدعوته قبل أن يروه، وبعد أنْ استقر المقام بالمهاجرين مع إخوانهم الأنصار بالمدينة كان لا بُدّ من تنظيم العلاقة بين كلّ الفئات في المدينة المنورة، واجتهد النبي في تحقيق ذلك من خلال:
للمزيد من التفاصيل عن الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة الاطّلاع على مقالة: ((هجرة الرسول من مكة إلى المدينة)).
أتمّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- المُؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ ليكونوا مُترابطين مُتكافلين، ولم تقتصر المُؤاخاة فيما بين المهاجرين والأنصار؛ فقد تمّت أيضاً بين المهاجرين أنفسهم؛ إذ آخى رسول الله بينه وبين عليّ بن أبي طالب -وكلاهما مُهاجرٌ- في مسجد رسول الله، كما كان يُؤاخي بين المسلمين كلّما دخل في الإسلام أحدٌ، أو قَدِم مُهاجرٌ جديدٌ إلى المدينة، وقد أظهر الأنصار مواقف عظيمة في الإيثار وحب الخير لغيرهم، وقد أثنى الله -سبحانه- عليهم في كثيرٍ من الآيات القرآنيّة، منها قوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). ولم يكن المهاجرين أقلّ منهم في ذلك؛ فقد ردّوا إلى الأنصار كلّ ما أعطوهم إيّاه حين استقرّت أمورهم، فأصبح المسلمون بذلك مجتمعاً واحداً، لا فرق فيه بين كبيرٍ وصغيرٍ، أو غنيٍّ وفقيرٍ، أو مهاجرٍ وأنصاريّ، أو حُرٍّ وعَبدٍ، بل كانوا جميعاً تحت راية الإسلام، وقيادة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.
جاءت وثيقة المدينة بعد المُؤاخاة؛ لتنظيم العلاقات بين الناس في المدينة المُنوَّرة ضمن نصوصٍ مكتوبةٍ تُبيّن لكلٍّ منهم ما له وما عليه، وتضع الضوابط التي يسير الناس عليها في تعاملهم مع الآخرين داخل المدينة وخارجها، وقد مثّلت الوثيقة أوّل دستورٍ مدنيٍّ في الدولة الإسلاميّة في المدينة المُنوَّرة، ولم تترك الوثيقة قبيلةً من قبائل المدينة إلّا وضعت لها بنداً وقانوناً، ونظّمت العلاقة بين القبائل، كما نظّمت الوثيقة حركة المسلمين وغيرهم بين مكّة والمدينة.
تشكّلت ملامح المجتمع المسلم، وأصبح مثالاً على كلّ خيرٍ؛ بما تضمّنه من الصلاح، والخُلوّ من الفساد، والضياع، والفقر، والضعف؛ فقد طبّق رسول الله بنود الوثيقة تطبيقاً عمليّاً، ولم يجعلها مُجرَّد بنودٍ وحسب، وإنّما تشكّلت شخصيّة المسلم وِفق ما جاء فيها من الأخلاق، والسلوك، ومن أهمّ العناصر التي قام عليها المجتمع كماليّة الدين؛ فكانت الدعوة في مكّة قائمةً على بناء العقيدة السليمة من أجل بناء المجتمع المسلم؛ إذ إنّ التصرُّفات تعتمد على الاعتقادات؛ ولهذا بدأ رسول الله بالعقيدة حتى اطمأنّت نفوس المسلمين، وأصبح الإيمان يقينيّاً داخلهم، ثمّ تدرّجت أحكام الشريعة بالنزول عليهم؛ وِفقاً للأحداث، والمُجرَيات الواقعة، فما كان منهم إلّا أن استجابوا لما أُنزِل عليهم، وطبّقوه دون أدنى شَكٍّ، أو تردُّدٍ، ويتّضح من آيات القرآن الكريم أنّ الأوامر والنواهي لم تتكرّر كثيراً؛ فقد كانت تُطبَّق بمُجرَّد نزولها، وكان رسول الله هو المَرجع في التوجيه، والاستفسار، وبَقِي المسلمون على هذا الحال حتى اكتمل الدين، قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
ويُشار إلى أنّ الأحكام الشرعيّة انقسمت إلى قسمَين، هما: الأحكام المُرتبِطة بالعبادات، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والزواج، والأحكام المُتعلِّقة بأنشطة الحياة اليوميّة، المُتغيّرة والمُتجدِّدة، والتي تختلف من مكانٍ إلى آخرٍ، ومن زمنٍ إلى آخرٍ؛ فكان الحُكم فيها بقواعد يتمّ استنباطها منها، وقد اتّصف الدين الإسلاميّ بالعديد من الصفات، منها:
كان القرآن الكريم المرجع الأول في قيادة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- للمجتمع في المدينة المُنوَّرة؛ فكان عليه السلام يبلّغهم ما أُنزل إليه من ربّه، ويحثّهم على التمسّك به، والعمل بمضمونه، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وكان رسول الله أميناً في التبليغ، وحريصاً على وصول الإسلام إلى الناس، حزيناً على انصرافهم عنه، وحريصاً على أصحابه من أن يصيبهم أيّ أذى، كما لم يتنازل رسول الله عن تنفيذ حدود الله، وأصبح المجتمع في ظلال الإسلام ينعم بحياة يغمرها الإيمان، ويسعد فيها المسلمون بحُسن الاتّباع.
لم يلتفت الصحابة إلى غير ما أُنزِل إليهم عن طريق الوحي، بل اكتفوا بما عندهم من الدين الكامل الذي لا يعتريه النقص، وقد وضع رسول الله أُسس التعامل مع الآخرين داخل المجتمع؛ من أجل تحقيق مصالح الجميع، وبذلك كانت رسالة الإسلام مثالاً يُحتذى به في المجالات جميعها، وتحوّلت جميع المُؤسَّسات داخل الدولة إلى مُؤسَّساتٍ ذات صِبغةٍ شرعيّةٍ، كمسجد قِباء، والمسجد النبويّ الذي كان مركزاً لحركة المسلمين؛ ففيه تُؤدّى العبادات، وتُستقبَل القبائل والوفود، ومنه تنطلق الجيوش، كما أنّ القوانين الخاصّة بأهل الذمّة وُضِعت فيه، وقد وصف الله -تعالى- ذلك المجتمع بقوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)،
شرع الله -تعالى- الجهاد مروراً بالعديد من المراحل، وفيما يأتي بيانها بشكل مُفصَّل:
كانت هذه المرحلة في مكّة المكرّمة قبل هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، وقد أمر الله المسلمين بالصبر؛ لعدم قدرتهم آنذاك على ردّ العدوان أو المواجهة، إضافة إلى أنّ عددهم كان قليلاً مقارنةً بعدد المشركين؛ ولهذا لم يكن مطلوباً منهم إلّا الصبر، والحرص على الدين من الفتنة؛ بحيث يبذل كلٌّ منهم جهده على نفسه، وقد وردت العديد من الآيات القرآنية تدعو وتحثّ على التحمُّل والصبر على أذى المشركين، ومنها: قول الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)، وهذه الآية تحمل في دلالتها الكفّ عن المواجهة مع أعداء الدعوة، وبالرغم من تبعات هذا الأمر الإلهي إلا أنّ المسلمين كانوا يواجهون المعاندين بالحوار والحجج المقنعة، وهذا نوع من أنواع الجهاد بمفهومه العام، وقد قاموا به خير قيام امتثالاً لقوله تعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، والضمير (به) يعود على القرآن.
جاءت هذه المرحلة بعد هجرة المسلمين من مكّة المكرّمة إلى المدينة المُنوَّرة؛ حيث أنزل الله -تعالى- قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، فقد أَذِنَ الله للمسلمين بالقتال بعد ما عانوه من أذى المشركين قبل هجرتهم، ممّا أدّى بهم إلى الخروج من مكّة تاركين خلفهم كلّ ما يملكونه، وكانوا أثناء تعرُّضهم للأذى يأتون إلى رسول الله يشكون إليه، وكان يُخبرهم في كلّ مرّةٍ أنّه لم يُؤذَن له بالقتال بعد، وذلك إلى حين بيعة العقبة الثانية؛ حيث تضمّنت اتّفاق رسول الله مع الذين بايعوه على أن ينصروه ويدافعوا عنه؛ فدلّ ذلك على قُرب الإذن بتشريع الجهاد، والقتال، وبعد أنْ هاجر المسلمون إلى المدينة بدأت قوّتهم بالتّشكّل، وأَذن الله تعالى لهم بالقتال، وكانت طبيعته في بداية الأمر على هيئة مهام قتالية محدّدة وسريعة، وكلّ ذلك كان قبل وقوع غزوة بدر.
وتجدر الإشارة إلى أنّ تلك الغزوات والسرايا لم يشارك فيها سوى المهاجرين دون الأنصار؛ حيث إنّ الإِذن كان مُقتصراً عليهم، كما أنّ هذه المرحلة لا تخلو من الجهاد بالصبر والعفو؛ فالإِذن بالقتال يختلف عن الأمر به، والقتال يحتاج إلى الصبر، والخروج للقتال كان اختياريّاً أيضاً؛ فالمسلمون حينما خرجوا مع رسول الله إلى بدر كان خروجهم تطوُّعاً منهم، وحبّاً للجهاد، ولذلك حرص النبي على مشاورة الأنصار في الخروج إلى القتال، وفي هذه المرحلة أيضاً بدأ التمهيد للمرحلة الثالثة؛ بالنهي عن الانسحاب من المعركة، والأمر بالثبات فيها، والشدّة في المواجهة، والثقة بنصر الله، وتجهيز القوّة من الجيش والخيل.
بدأت الخلافة الراشدة بعد وفاة الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، واستمرّت ما يقارب ثلاثين عاماً، بدءاً من خلافة أبي بكر، ثمّ عُمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان بن عفان، وختاماً بعلي بن أبي طالب، وفي عهدهم ازداد عدد مُعتنِقي الإسلام، وامتدّت رقعته في أنحاء الأرض، فانشغل أبو بكر الصديق بعد وفاة النبيّ بحروب المُرتدّين عن الإسلام، ومانعي الزكاة، وأنفذَ جيش أسامة، ولمّا فَرَغَ من ذلك أرسل جيوشاً إلى العديد من النواحي؛ لنشر دعوة الإسلام، واندلعت العديد من المعارك، كذات السلاسل، والنهر، والتي أدّت إلى انتصار المسلمين وتحقيق غايتهم، وأتمّ عمر بن الخطاب تلك الغاية؛ فجهّز جيشاً بقيادة سعد بن أبي وقّاص، وأرسله إلى العراق، فكانت معركة القادسية التي انتصر فيها المسلمون.
واستمرّ المسلمون على ذلك النهج؛ ففتحوا بلاد العراق، وإيران، حتى أصبحت بلاد فارس جميعها إسلاميّةً، وأكملوا ما تبقّى من فتح بلاد الشام بقيادة عامر بن الجراح حتى وصلوا إلى بيت المقدس، فصالح عمر بن الخطاب أهلها، ومنحهم الأمان، وأكمل عثمان بن عفان مسيرة مَن قبله؛ فأرسل الجيوش إلى أفريقيا، وبلاد ما وراء النهر، وغيرهما، ويُشار إلى أنّ دعوة الخلفاء امتازت بالوعي الفكريّ؛ حيث اعتنق معظم سكّان البلاد الإسلام، وظهر الاهتمام بالتعليم، وبرزت الجهود الفكريّة في المراحل جميعها، ومنها: جمع القرآن في عهد أبي بكر، ونسخه في عهد عثمان، والحرص على نشر العلم، وحفظ القرآن، والسنّة النبويّة الشريفة، وغيرها من الجهود.
بعث الله -تعالى- رسوله محمّداً -صلّى الله عليه وسلّم-، وأمره بتبليغ رسالة الإسلام إلى كلّ من يمكن تبليغه، فلجأ النبيّ إلى العديد من الوسائل الممكنة؛ لتحقيق الغاية المنشودة، ومن تلك الوسائل:
تُعرَّف الدعوة في اللغة والاصطلاح كما يأتي:
يُطلَق لفظ (الداعي) على مَن يمارس الدعوة، ويُؤدّيها، أمّا في الشرع، فهو يُعرَّف بأنّه: مَن يُبلّغ الإسلام، ويُعلّمه للآخرين، ويعمل جاهداً في سبيل تطبيقهم إيّاه، ويمكن إطلاق لفظ الداعي على كلّ من يُؤدّي عملاً واحداً من أعمال الدعوة، أمّا مَن يُؤدّيها جميعها فهو الداعي الكامل، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا*وَدَاعِيًا إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، كما يُمكن أن يُطلَق لفظ الداعي على كلّ مسلمٍ؛ لأنّ الدعوة إلى الله وظيفة المسلمين جميعهم، قال الله -سبحانه-: (قُل هـذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّـهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني).
للمزيد من التفاصيل عن حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الاطّلاع على مقالة: ((بحث عن حياة الرسول منذ مولده حتى وفاته)).
الهامش
*شِعاب: جمع شِعْب؛ وهو المكان أو الطريق الواقع بين جبلَين.
*الليالي ذوات العدد: وهي تُمثّل المُدد (جمع مدّة) التي كان يقضيها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في غار حراء، ثمّ يرجع إلى أهله، ويُشار إلى أنّ العدد أُبهِم؛ لاختلافه.