If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
دُرست عملية اكتساب اللغة من منظور كل من علم النفس التطوري وعلم الأعصاب. أجرى العلماء دراسات تجريبية على عينات من الأطفال الذين اكتسبوا اللغة بشكل طبيعي خلال نموهم بالإضافة لبعض نماذج الحالات الشديدة التي لم يتمكن فيها الأطفال من اكتساب أي لغة، وتوصلوا إلى أن هنالك مرحلة حساسة (أو حرجة) من مراحل اكتساب اللغة يكون فيها الطفل حديث الولادة قادرًا على تعلم أي لغة.
تشير بعض النتائج أن باستطاعة الأطفال تمييز التباينات الصوتية phenotic contrasts لجميع اللغات خلال الفترة الممتدة من لحظة الولادة لغاية عمر الستة أشهر. يعتقد الباحثون أن هذا يعطي الأطفال القدرة على تعلم واكتساب اللغة المُتحدث بها في محيطهم، ولكن بعد هذه المدة الحساسة لن يكون بإمكان الطفل سوى أن يميز التباينات الصوتية للغته التي اكتسبها وسمعها طوال الفترة الحساسة. نقص حساسية الطفل تجاه التباينات الصوتية للغات الأخرى غير التي اكتسبها يمكنه من بناء الفئات الصوتية وتمييز أنماط التشديد والتراكيب الصوتية الخاصة بلغته المكتسبة مؤخرًا.
يقول ويلدر بينفيلد: <<قبل أن يبدأ الطفل في التحدث والإدراك، تكون القشرة الدماغية عبارة عن ورقة فارغة لم يكتب عليها شيء. وبتقدم السنوات، سيكتب الكثير وعادةً لا يُمحى ما يُكتب. وبعد سن العاشرة أو الثانية عشر، ستنشأ الاتصالات الوظيفية العامة والثابتة لقشرة الكلام>>.
ووفقًا لنموذج الفترة الحساسة، يمكن للعمر الذي يصبح فيه الطفل قادرًا على استعمال اللغة أن يتنبأ بقدرة الطفل على إتقانها.
ومع ذلك ثمة نقطة عمرية معينة يصبح فيها من الصعب بالنسبة للطفل أن يتحدث بطلاقة بلغة ما، وذلك في عمر التاسعة. صحيح أن أدمغتنا مبرمجة تلقائيًا لتعلم اللغات، إلا إن هذه المقدرة لا تدوم لغاية البلوغ ولا تبقى بنفس الكفاءة التي هي عليها خلال السنوات المبكرة من النمو.
بالاقتراب من عمر البلوغ، تتصلب ماكينة اكتساب اللغة ويصبح من الصعب تعلم لغة ما والتحدث بها بنفس الطريقة التي يتحدث بها الناطقون الأصليون.
يمر الطفل الأصم كما يمر الطفل الطبيعي بنفس الفترة الحرجة التي تحدثنا عنها. سيواجه الأطفال الصم الذين يكتسبون اللغة بعد تجاوزهم الفترة الحساسة مشاكلًا في إتقان الجوانب النحوية المعقدة منها، لكن هذه الحالة تحدث غالبًا عندما يتعلم الطفل لغة ثانية وليس لغته الأولى الأصلية.
من المستحيل ألا يتعلم الأطفال اللغة التي يسمعونها خلال الفترة الحساسة من عمرهم، لأن البشر محضرون بيولوجيًا لاكتساب اللغة في هذه الفترة.
لا يستطيع الباحثون اختبار تأثيرات فقدان التعلم خلال الفترة الحساسة من النمو لأن هذا النوع من التجارب غير أخلاقي إذ لا يجوز حرمان الطفل من تعلم اللغة.
ولكن ثمة بعض السجلات لحالات إساءة التعامل مع الأطفال وحرمانهم من تعلم اللغة، أظهر هؤلاء الأطفال مهارات لغوية محدودة جدًا حتى بعد تعليمهم لاحقًا.
في سن مبكرة للغاية، يكون الأطفال قادرين على التمييز بين الأصوات المختلفة ولكن لا يمكنهم إصدارها بعد. ومع ذلك، يبدأ الأطفال بأعمار صغيرة في الثرثرة وإصدار أصوات غير مفهومة babbles. يثرثر الأطفال الصم بنفس الطريقة عند سماع الأصوات كما يفعل الأطفال غير الصم، ما يدل على أن الثرثرة غير المفهومة لا تنجم عن تقليد الأطفال لأصوات معيّنة، بل هي في الواقع جزء طبيعي من عملية تطوير اللغة عندهم. ولكن في الواقع فإن الأطفال الصم غالباً ما يثرثرون أقل من الأطفال غير الصم، إذ تقل الثرثرة عندهم لاحقًا في مرحلة الرضاعة، كذلك فالأطفال الصم يتأخرون في بدء الثرثرة حتى سن 11 شهرًا بالمقارنة مع غير الصم الذين يبدؤون الثرثرة في سن 6 أشهر.
تعد القدرة ما قبل اللغوية مهمة جدًا لاكتساب اللغة حتى قبل الولادة.
بدأ هذا النوع من الدراسات في الثمانينات من القرن الماضي عندما وجد الباحثون أن الأطفال بإمكانهم تمييز لغة مختلفة عن لغتهم الأصلية التي سمعوها خلال الفترة الحساسة، ولكنهم غير قادرين على التمييز بين لغتين مختلفتين غير لغتهم الأصلية. يدل هذا على وجود بعض الآليات للتعلم السمعي الجنيني.
التناغم اللغوي أو ما يسمى بالعروض Prosody هي خاصية الكلام التي تنقل الحالة العاطفية للقول، وكذلك الشكل المقصود للكلام (سواء كان سؤالًا أو خبرًا أو طلبًا). يعتقد بعض الباحثين في مجال علم الأعصاب التنموي أن آليات التعلم السمعي للجنين تنشأ فقط بسبب تمايز عناصر الكلام التناغمية. قد يكون لهذا أهمية كبيرة من منظور علم النفس التطوري، أي للتعرف على صوت الأم وفئة كلمات اللغة المألوفة من محفزات العاطفة. ويقول بعض العلماء أن عناصر تعلم الجنين تشمل ما هو أكثر من التعرف على التناغم اللغوي فقط.
تبين لنا الأدلة الحديثة أن الأجنة لا تتفاعل فقط مع اللغة الأم بشكل مختلف عن اللغات الأخرى، بل تتفاعل أيضًا بشكل مختلف مع حروف العلة في اللغة الأصلية عن حروف العلة في اللغات الأخرى وتميز بينها.
يتعلم الأطفال حديثو الولادة خصائص مهمة لمعالجة اللغة النحوية في الرحم، ويمكن ملاحظة ذلك في معرفة الرضع الأحرف الساكنة للغة الأم وتسلسل العبارات متعددة المقاطع الصوتية. توفر هذه القدرة على تحديد تسلسل الأحرف الصوتية بعض الآليات الأساسية اللازمة لتعلم الأطفال حديثي الولادة التنظيم المعقد للغة. من وجهة نظر علم الأعصاب، فهنالك علاقة ما بين اللغة والأعصاب تدل على تعلم الجنين البشري للمحفزات السمعية الكلامية، وتقوم معظم الدراسات بتحليل هذه العلاقة.
أجرى الباحثون دراسة على أجنة تعرضت لكلمات معينة بشكل كبير، ووجدوا أن هذه الأجنة أظهرت نشاطًا دماغًيا أعلى عند تعرضها لهذه الكلمات بالذات مقارنة مع كلمات أخرى مختلفة. في هذه الدراسة نفسها، وجد الباحثون ارتباطًا كبيرًا بين كمية التعرض لكلام معين قبل الولادة ونشاط الدماغ، إذ كان النشاط الدماغي أكبر عند الأجنة الذين تعرضوا بشكل كبير لهذه الكلمات قبل الولادة، ويشير ذلك إلى أهمية آليات التعلم الموجودة قبل الولادة والتي تضبط ميزات الكلام بدقة.
يعتمد اكتساب القدرة على نطق الكلمات الجديدة على العديد من العوامل. إذ يجب أن يكون المتعلم قادرًا على سماع ما يحاول نطقه وأن يكرر الكلام الذي يتعلمه.
يكون الأطفال ذوو القدرات المحدودة على تكرار الكلمات أبطأ في تعلم مفردات جديدة مقارنة بالأطفال الذين يسهل عليهم ذلك. اُقترحت العديد من النماذج الحسابية لاكتساب المفردات حتى الآن. وأشارت العديد من الدراسات أن حجم مفردات الطفل في عمر 24 شهرًا يرتبط بنمو الطفل في المستقبل ومهاراته اللغوية. نقص حجم المفردات اللغوية في هذا العمر بالتحديد له آثار ضارة وطويلة الأمد على نمو الطفل الإدراكي، لذلك من المهم للغاية أن يشارك الآباء أطفالهم الرضع في اللغة والكلام. إذا كان الطفل يعرف خمسين كلمة أو أقل بحلول عمر 24 شهرًا، فسيُصنَّف على أنه متكلم متأخر، ومن المحتمل أن يكون تطور اللغة عنده بطيئًا في المستقبل (أي سيواجه مشكلات في تعلم المفردات الجديدة وتنظيم القواعد اللغوية).
تجزئة الكلمات والتعلم الإحصائي هما عنصران جوهريان لاكتساب المفردات. تجزئة الكلمات تعني تقطيعها إلى مقاطع صوتية يمكن تحقيقها بواسطة الرضع بعمر ثمانية أشهر. وعند بلوغ الأطفال سن 17 شهرًا، سيكونون قادرين على ربط المعنى بالكلمات المقسمة.
تشير الدلائل الحديثة أيضًا إلى أن المهارات والخبرات الحركية قد تؤثر على اكتساب المفردات أثناء الطفولة. يمكن أن يتنبأ تعلم الطفل للجلوس بشكل مستقل بين 3 و 5 أشهر بالمفردات التي سيستطيع استقبالها عندما يبلغ 10 و 14 شهرًا من العمر، وقد وجد ارتباط بين مهارات المشي المستقلة والمهارات اللغوية عند الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و 14 شهرًا. تبين هذه النتائج أن اكتساب اللغة ما هو سوى عملية مجسدة تتأثر بالقدرات الحركية الشاملة للطفل ونموه. أظهرت الدراسات أيضًا وجود علاقة بين الحالة الاجتماعية والاقتصادية واكتساب المفردات.
يتعلم الطفل كل يوم ما بين عشر إلى خمس عشرة كلمة جديدة ومعناها، لكنه يتعلم معنى كلمة واحدة فقط من هذه الكلمات عن طريق التعليم المباشر، أما المعاني المتبقية فيجب أن يتلقاها بطريقة أخرى. يُعتقد أن الأطفال يكتسبون هذه المعاني باستخدام العمليات المصممة بواسطة التحليل الدلالي الكامن latent semantic analysis؛ أي عندما يقابلون كلمة غير مألوفة، يمكن للأطفال أن يخمنوا معناها الأصلي بشكل صحيح من خلال سياق الجملة. قد يتوسع الطفل في استخدام بعض الكلمات (التي تشكل جزءًا من معجمه الخاص) من أجل تسمية أي شيء يرتبط بالنسبة له بهذه الكلمات بطريقة أو أخرى، ولكنه لا يعرف الكلمة الصحيحة لتسميته حتى الآن. فعلى سبيل المثال، قد يوسع الطفل استخدام كلمة (ماما) و(بابا) من أجل الإشارة إلى أي شيء ينتمي إلى أمه أو والده أو ربما كل شخص يشبه والديه، أو يقول كلمة (المطر) ليشرح أنه لا يود الخروج.
ثمة سبب يقودنا للاعتقاد بأن الأطفال يستخدمون الأساليب البحثية المختلفة لاستنتاج معنى الكلمات بشكل صحيح. فقد قدم العالم ماركمان وآخرون فرضية تقترح أن الأطفال يفترضون أن الكلمات تشير إلى أشياءٍ ذات خصائص متشابهة (البقرة والخنزير قد يكون كلاهما حيوانات) وليس إلى كائنات مرتبطة موضوعيًا (البقرة والحليب على الأرجح ليس كلاهما من الحيوانات). يبدو أن الأطفال أيضًا يلتزمون بالافتراض الشامل، أي يعتقدون أن التسمية الجديدة تشير إلى كيان كامل وليس أحد أجزائه فقط. يساعد هذا الطفل على اكتساب معنى الكلمة بالمشاركة مع الموارد اللغوية الأخرى مثل القواعد النحوية والصرفية أو القيود المعجمية.