If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وقد توجّه الأمير عز الدين إلى الشام شاباً، وشارك في الحياة العلمية بها، فذكر الصفدي في (الوافي بالوفيات، ج 5، ص 170) أنه كان جيد المشاركة في التاريخ والأدب وعلم الكلام، وأنه جالس العزّ الضرير، وروى عنه كثيراً من شعره، وكانت بينهما صحبة، لأنهما من بلد واحد هو إربيل، وأنه لازم العز الضرير يوم وفاته، والعز الضرير هذا هو فيلسوف كردي، اسمه الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الإربلي، ولد سنة ( 586 هـ ) في نصيبين، وكان بارعاً في الأدب والعربية، ورأساً في علوم الأوائل، توفي سنة ( 660 هـ )، ودفن بسفح جبل قاسيون في دمشق. وظن بعض الدارسين أن ابن أبي الهيجاء كان شيعياً، مستدلاً على ذلك بملازمته للعز الضرير الذي كان من الشيعة حسبما أُشيع عنه، واستدلوا على تشيّع ابن أبي الهيجاء أنه كان ينعت الخلفاء الفاطميين بلقب الإمام، ولا أعتقد أن هذا النعت دليل كاف على تشيّعه، بل هو دليل على أنه عالم موضوعي يتعامل مع الحقائق كما هي، ولا ينساق خلف العنعنات المذهبية، ثم كيف يكون متشيّعاً وقد ولاّه السلطان المملوكي حكم دمشق ربع قرن من الزمان كما سنرى؟! ويعلم كل قارئ للتاريخ الإسلامي أن المماليك كانوا حماة للمذهب السني مثل سادتهم الأيوبيين. ومهما يكن فقد تطوّع مؤرخون آخرون بتبرئة ساحة ابن أبي الهيجاء من تهمة التشيّع، فوصفوه بأنه كان مشكور السيرة حسن المحاضرة.
وكان عصر ابن أبي الهيجاء عصر نشاط علمي وفكري، كثر فيه العلماء، إلى جانب الإنتاج العلمي وصحيح أن المماليك الأتراك قضوا على دولة أسيادهم الأيوبيين سنة (648 هـ / 1250 م)، إلا أن الإنجازات العلمية الأيوبية ظلت تفعل فعلها بعد زوال دولتهم بزمن طويل، إنهم كانوا قد أسسوا كثيراً من مراكز العلم، وبذلوا الاهتمام بالعلم وطلبته، واقتنوا الكتب، وأنشؤوا المكتبات، فكانت المكتبة التابعة للمدرسة الكاملية (أنشأها الملك الكامل الأيوبي سنة 621 هـ) تحتوي على ما يقرب من مئة ألف كتاب. وبرز في عصر ابن أبي الهيجاء كثير من العلماء في مختلف المجالات، نذكر منهم: ابن العديم (ت 660 هـ) صاحب (بغية الطلب في تاريخ حلب)، و(زُبْدة الحلَب من تاريخ حلب)، وأبو شامة (ت 665 هـ) صاحب (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية)، وابن أبي أُصَيْبِعة (ت 668 هـ) صاحب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء)، وابن خَلِّكان (ت 681 هـ) صاحب (وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)، وجمال الدين ابن واصل (ت 697 هـ) صاحب (مُفرِّج الكروب في أخبار بني أيوب)، وابن منظور المصري الإفريقي (ت 711 هـ) صاحب المعجم اللغوي الشهير (لسان العرب)، والعلامة شمس الدين الذَّهَبي (ت 748 هـ) صاحب (تذكرة الحفّاظ) و(ميزان الاعتدال في نقد الرجال).